استحضرت أناهيد الحردان عام النكبة كمحطة ذكريات سكنت ذاكرة أجيال فلسطينيين ثلاثة، امتدت من جيل أول عام 48 عبر التجربة والمعايشة، ثم بصفتهم الرواة لتلك التجربة والمعايشة على مسامع جيل ثانٍ، لتستقرّ في مصفوفة نكبة/ ذاكرة/ عودة لدى الجيل الثالث من أجل بناء هويّة سياسيّة، ضامنة لحق العودة، وعدوّة للنسيان. واتّخذت من تجربة حركة حق العودة في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في سوريا من خلال دائرة الأنشطة التي حثّتهم عليها تضادّاً تنازلات السلطة الفلسطينية في اتفاقية أوسلو، وشعورهم بالإقصاء من حقهم بوطنهم فلسطين، فاعتمدوا بناء ثقافة العودة وبناء الذاكرة كأسلوبٍ للعودة مستبقلاً.

في الإهداء تقول الحردان أنّه «إلى سوريا وأهلها»، ولأنّ الغاية من الكتاب «لم تكن تدمير واستئصال واحد من أكثر مجتمعات الفلسطينيين اندماجاً في المجتمعات الحاضنة لهم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي». وعليه، تقابلت الكاتبة خلال أشهر ستة من عام 2008 مع ثلاثة أجيال، وناشطين في المجتمع المدني الفلسطيني، وعاملين في الأونروا، وموظفين في الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مما شكّل نطاق بحثها الميداني، فسألت واستمعت ونقلت كتابة ما أوصلته كمادة أكاديمية في كتاب حمل عنوان «الفلسطينيون في سوريا ــ ذكريات نكبة مجتمعات ممزّقة (عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية وترجمة محمد الأسعد- 351 صفحة بما فيها الهوامش والمراجع باللغتين العربية والانكليزية والفهرس).
واستدعت ذاكرة أناهيد كواحدة من حفيدات نكبة 48، الإضاءة على كيفية تماسك المجتمعات الفلسطينية في سوريا بواسطة الذكريات، ذكريات الماضي/ المنصة نحو العودة، الواضح الإجابة في كلام/نموذج قالته لها سيدتان: كيف نستطيع أن ننسى في ضوء أننا فلسطينيتان من الجيل الثالث تعيشان الحرمان من وطن، وطن نراه رؤية العين من إحدى ضواحي دمشق.
إذاً، هو عمل الذاكرة المُستبْطن في مداولات اليومي في حياة هذه التجمعات ونسيجها لما تمثله فلسطين من قضية عانى أبناؤها شتى أنواع الظلم واللاعدالة وفقدان الوطن، وأيضاً بما هو حلم/ هدف لتحقيق العودة إلى وطن تحميه ذاكرة الانتماء والهوية والحقوق التاريخية والمعاناة.
ثمة منهج اعتمدته المؤلفة في سياق بحثها تصفه بأنّه «طريقة معاكسة لنظريات البحث المعرفية المعيارية التي شكلتها تاريخياً وسياسياً إرادة القوة والمعرفة لدى المستعمرين الأوروبيين التي قهرت الآخرين»، فأجرت المقابلات، ورسمت صورة اجتماعية وسياسية وتاريخية لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وتطرقت إلى النكبة كمفهومٍ تاريخي في الفكر العربي بهدف «بيان كيف أن الفلسطينيين والعرب عامة، ذوات منتجة للمعرفة لا مجرد موضوعات للبحث» (ص5)، وبيّنت على أن النكبة لم تختفِ عند هؤلاء نظراً لترابط ذكريات الأجيال، وتدفق ذاكرتهم كحالة غير متأثرة بتغيرات الأوضاع السياسية، كصعود وإخفاقات الحركة الوطنية الفلسطينية خاصة والعرب عموماً. وهذا ما يفسّر وما أذهل المتابعين - فَوَرَان ذاكرة أجيال فلسطينيين في شتى بقاع الأرض، وبعضهم ممن لم ينطق إسم فلسطين بالعربية. هذا المشهد المثالي الذي فاجأ العالم والأسرة الدولية والعدو الإسرائيلي قبلهم، إثر الذي تعرّض له حي الشيخ جرّاح في تموز الفائت، وما أعقبه من انتفاضة/ ثورة/ إعلان مشاركة لتحرير أرض فلسطين وضمان حق العودة ومن جميع الفلسطينيين حيث وجدوا.
لقد شهد المسار التأريخي على الصعيد الفلسطيني نشاطاً ملحوظاً حول الاستفادة من تكريس أهمية التاريخ الشفوي، فكان إصدار الكتب والمؤلفات العديدة، ومثلها في عمل الجمعيات وخاصة ما تشكله جامعة بيرزيت من مرجعية بهذا الخصوص، إذ نشرت الجامعة في ثمانينيات القرن الماضي أول دراسة أنثروبولوجية في سلسلة كتب موضوعها القرى الفلسطينية المدمرة، وهناك مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث بإدارة الدكتورة فيحاء عبد الهادي كتوثيق لنكبةٍ حصلت وعلى لسان أجيالها، ولا سيما الأوائل ممن عايشوها وكانوا شهوداً على فظائع ارتكابات العصابات الصهيونية الإجرامية الإرهابية والاستئصالية بحق الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه، مع الإشارة إلى أسف الأنثروبولوجية روز ماري صايغ لجهة «عدم تسجيل الماضي السابق للنكبة»، لأن في التدوين حفظ للحقوق، وفي إنعاش الذاكرة إشهار للتمسك بالحق والحقوق. وهنا يشكل ما قامت به أناهيد إضافةً توثيقية لمرحلة سبقت ما عاشته سوريا من حروب عليها بدأت عام 2011 ، و«الدّمار الذي أصاب المخيم في أعقاب ظهور مقاتلي الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام وفي نيسان 2015 كمجموعة مسلحة أخرى في المخيم» (ص 260) وما تلاها من نزوحٍ لحوالي 31 ألفاً - وربما 38 ألفاً - من اللاجئين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان.
ثمّة إشارة استوقفتني في طيات الصفحات، عن شهادات فلسطينيين جمعتها المؤلفة وأوردتها باللهجة الفلسطينيّة العامية، تعلّق معظمها بالحال التي عاشوها في ظل الحرب في سوريا، وذلك من خلال سؤالها: ما الذي يعنيه اختتام كتاب كان القصد منه البحث في ذكريات نكبة مجتمعات ممزقة قبل خمسة أعوام من بدء تمزقها مجدداً؟ الأمر الذي أراه متناقضاً مع تركيز المؤلفة على موضوع المادة/ البحث/ الكتاب أي النكبة/ الذاكرة/ العودة، خاصة لو أنها عمدت إلى دراسة ذات المجتمعات لللاجئين الفلسطينيين (كأمثلة عن مجتمعات ممزقة) وما تعرضوا له سواء في الكويت من نزوح جماعي إثر اجتياح العراق للكويت عام 1990، وأيضاً النكبة التي حلّت بهم وشردتهم إثر الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، ومثلها ما شهدوه من إبعاد وترحيل إثر اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، هذا إذا ما أردنا «التغاضي» عما يتعرّض له الشرفاء الفلسطينيون كمجتمعات ممزقة أيضاً بفعل النكبة تحت السلطة الفلسطينية بأيدي «التنسيق الأمني - مع العدو الإسرائيلي، ربما لكانت الخلاصات متقاربة في منهج المؤلفة/الباحثة.
لا تنفي هذه الملاحظة أهمية محورية فكرة النكبة باعتبارها الأُسّ المركزي في القضية الفلسطينية بالرغم من تراكم محاولات النهوض والإخفاق في مسارات العمل الوطني التحرري الفلسطيني/العربي. محورية النكبة شكلت موضوع فصول الكتاب الستة والخلاصات التي بحثتها المؤلفة، والربط بين النكبة والذاكرة، تماهياً مع الذاكرة الفلسطينية «كدائرة متماسكة ومتجانسة». النكبة تلك المفردة التي ابتكرها المفكر الراحل قسطنطين زريق في كتابه «معنى النكبة»، والذي رأى فيها متلازمة التفوق الصهيوني المدعوم من قوى الاستعمار الغربي، وتراجع الوعي العربي، محملاً العرب افتقار مجتمعاتهم للتحديث والوحدة وسيطرة التخلف، منادياً بتطوير هذه المجتمعات «من أجل مواجهة الصهيونية». وهو الكلام عينه الذي أطلقه بعد عقود المفكر الراحل قسطنطين زريق لكاتبة هذه السطور في المقابلة التي أجريتها معه (منشورة في صحيفة السفير بتاريخ 19/5/1994) وحملت عنوان رئيسي: نحن أمّة متخلفة ولا بد من ثورة على الذات.
ماذا كان ليقول قسطنطين زريق لو أنه ما زال حيّاً عن «أمة التطبيع/التتبيع»، عن «أمة الانقسامات»، وعن «أمة التراجع بين الأمم»... أم عن أمّة الأمل بشعب فلسطين والمقاومة؟

*صحافية لبنانية