المُسلسل الألماني البديع في أجزائه الثلاثة ينجح تماماً حيث فشل الأميركيّون والبريطانيّون: تقديم بروباغندا دراميّة ممتعة وقابلة للتصديق أيضاً عن مرحلة الحرب الباردة. العمل الذي عرض أوّل مرّة عام 2016 ـــ وقدّم موسمه الثالث أخيراً - يرسم بأدوات الدراما التلفزيونيّة تاريخاً مُتخيلاً ساخراً للسنوات الأخيرة من عمر الدّولة الشيوعيّة في ألمانيا الشرقيّة صعوداً إلى مرحلة سقوط جدار برلين الفاصل بين شطري العاصمة في 1989 ثم إعادة توحيدهما في إطار الدّولة الألمانيّة الحاليّة. كل ذلك من خلال تتبع مسيرة حارس حدود ألماني شرقي بسيط شاءت الأقدار أن يُرسل في مهمّة تجسسيّة إلى الشطر الغربيّ. يوظّف دويتشلاند بذكاء خبيث كل صغيرة وكبيرة من أدواته لشيطنة الشيوعيّة وتسخيف أصحابها، مقابل الترويج المبطّن للنّظام الرأسمالي بوصفه طبيعة الاجتماع البشري ونهاية تاريخه. يا لها من صورة مستقبل قاتم للبشرية


لا تحظى الدراما الألمانيّة المعاصرة باهتمام الجمهور البريطاني عادة. إلا أن مسلسل «دويتشلاند 83» (8 ساعات تلفزيونيّة من سيناريو كتبته آنا وينغر) الذي عرض للمرة الأولى على الشاشات البريطانيّة قبل خمس سنوات، أصبح سريعاً ظاهرة استثنائيّة وأحد أكثر الأعمال الأجنبيّة شعبيّة في تاريخ التلفزيون البريطاني، فيما لم يجد اهتماماً مماثلاً لدى جمهور بلاده. وقد لقي الجزءان التاليان «دويتشلاند 86» (2018) و«دويتشلاند 89» (2021) بدورهما ترحيباً احتفالياً في بريطانيا اشترك به الجمهور والنّقاد واليسار التروتسكي الهوى على حد سواء، وهو توافق نادر ولافت.
يرسم «دويتشلاند» بأدوات الدراما التلفزيونيّة، ومرتكزاً إلى سلسلة من الوقائع التي شهدتها جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة (ألمانيا الشرقيّة) في عقدها الأخير (ثمانينيات القرن العشرين)، تاريخاً مُتخيلاً ساخراً لمرحلة الأزمة التي عاشتها تجربة الدّولة الشيوعيّة صعوداً إلى مرحلة سقوط جدار برلين الفاصل بين شطري ألمانيا في 1989 ثم إعادة توحيدهما في إطار الدّولة الألمانيّة الحاليّة بعد مفاوضات بين حكومتي الشطرين. هذا الخليط من الوقائع والتاريخ المتخيّل، يقدّم كخلفيّة طاغية على سيرة مارتن راوتش (يتألق جوناس ناي في لعب دوره) الشخصية الخياليّة لحارس حدود ألماني شرقي بسيط شاءت الأقدار أن يُرسل في مهمّة تجسسيّة إلى الشّطر الغربيّ مزروعاً كعميل في قلب قيادة الناتو (حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدّة) الإقليميّة في برلين الغربيّة. ورغم سذاجة المكلّف بها، تنجح المهمة (شكلياً) من خلال تتابع سلسلة من المُصادفات والمفارقات التي تجعل من مارتن أسطورة عالم حروب الاستخبارات في ذروة الحرب الأميركية الباردة على الشرق الشيوعيّ، استمرت لما يقرب من أربعة عقود بعد الحرب العالميّة الثانية. لكن المسلسل ليس عملاً وثائقيّاً، ولذا منحت كاتبته نفسها رخصة تطعيم التاريخ بجملة شخصيّات جدليّة ثلاثيّة الأبعاد حول مارتن، نسجت كلّ منها بكمّ هائل من التناقضات الأخلاقيّة، والمآزق الشخصيّة، والانفعالات، والتوهّمات على نحو أضاف ثراء نوعيّاً للعمل ككل.

أحداثه مشوقة ومفعمة بالمفاجآت، وبصرياته تمنح لوناً نوستالجيّاً رائقاً لمرحلة الثمانينيات


أفادت وينغر في إبداعها «دويتشلاند» (متوافر على النت كما على «آبل تي في»، و«أمازون برايم»...) من حقيقة أن التّاريخ المعاصر أشبه بفوضى رماديّة كبيرة مهما حاول المهيمن الأميركيّ والمؤرخون الليبراليون الفاسدون فرض سرديتهم الأحادية (والمزعجة) عليه. ويمكن عملياً لأيّ كان – عند امتلاك الأدوات اللازمة - تقديم سرديّات محتملة أو بديلة أو نقيضة من نقاط مرجعيّة مُتنوعة، لا سيّما في ما يتعلّق بالتّجربة الاشتراكيّة المجهضة للشطر الشرقيّ من ألمانيا، التي غابت وغيّبت في بحر من الغموض، وتكاد الآن تخرج من ذاكرة الألمان الحيّة وتنتقل برمّتها إلى سديم عدميّ من النسيان. وينغر شيّدت هيكلاً من الوقائع التاريخيّة الأساسيّة (مثل الأزمة الاقتصادية الخانقة في شرقيّ أوروبا خلال عقد الثمانينيّات، طبيعة العلاقة بين برلين الشرقيّة وموسكو، التوتر الذي أثارته مناورات للنّاتو في ألمانيا الغربيّة كادت أن تتسبب في حرب نووية، حرب تحرير أنغولا، مرحلة انهيار جدار برلين وخروج الحزب الاشتراكي الحاكم من السّلطة في 1989، ومفاوضات توحيد الألمانيتين في 1990) لتملأ الفراغات التفصيليّة بينها - والتي لا يكاد يعرفها أحد تقريباً – بمادة بديلة من خيالها المبدع. هذه الرخصة التي منحتها وينغر لنفسها مكنتها في المحصلة، من تقديم بروباغندا خالصة تخلط الفكرة الماركسيّة المناقضة للرأسماليّة، بالممارسة المنافقة لحكومات حلف وارسو في مرحلة ما بعد ستالين وصعود اليسار الانتهازي بسجلّه المخزي (باعت بيروقراطية ألمانيا الشرقيّة الأسلحة لجيش النّظام العنصريّ في جنوب أفريقيا مع دعمها الرسمي لحزب المؤتمر الأفريقي المعارض وقتها، وأرسلت زمرة بولندا الاشتراكية الفحم لحكومة كاهنة النيوليبراليّة القاتلة مارغريت تاتشر خلال ذروة إضراب عمال المناجم في بريطانيا 1984-1985)، وتصوّر الشيوعيين شياطين تراكمت في قلوبهم كل المثالب التّوراتيّة، وأن انهيار جدار برلين كان تجربة تحرريّة، لترسل بذلك تحذيراً مبطناً شديد اللهجة للطبقة العاملة: الاشتراكية نظامٌ فاشل تودي به أنتروبيا داخليّة لا بديل لها سوى النّظام الرأسماليّ، الذي هو طبيعة الأشياء ونهاية التّاريخ (بالمفهوم الفوكويامي) والمستقبل المحتّم. إلا أن المسلسل ليس واثقاً بأي حال من الأحوال من شكل ذلك المستقبل، وهذه النبرة الواضحة من التشاؤم تمنح «دويتشلاند» مزاجاً متقدماً على السذاجة المعهودة في الأعمال الدراميّة الغربيّة حول مرحلة الحرب الباردة.
على الرّغم من أن شخصيّة جاسوس الصدفة مارتن هي المحور الأساس لسردية وينغر، فإن صخرة العمل الثابتة قد تكون شخصية عمته لينورا العميلة البارزة في جهاز الاستخبارات الخارجيّة لألمانيا الشرقيّة (النجمة ماريا شرايدر) التي دفعت لاستقطابه للمهمة في مقرّ الناتو، وظلّت دائماً اليد الخفيّة التي تتلاعب بمصيره. ومع أن القيادة في ألمانيا الشرقيّة كانت ذكوريّة الطابع بشكل عام، إلا أن العديد من النساء الألمانيات الشرقيّات ومنهن أنجيلا ميركل كنّ مؤهلات أفضل من نظيراتهن في ألمانيا الغربيّة, ولذا نجحن في السياسة الألمانيّة لدولة الوحدة الحاليّة.
وبغض النّظر عن المضمون الأيديولوجيّ المحض للمسلسل، فإن العمل كمنتج فنيّ متعة خالصة، فأحداثه مشوقة ومفعمة بالمفاجآت غير المتوقعة، وبصرياته ألواناً وأزياء وأثاثاً ومعدات ومركبات تمنح لوناً نوستالجيّاً رائقاً لمرحلة الثمانينيّات، وموسيقاه التصويريّة شديدة التّرابط مع محتواه المكاني والزّماني، وتضيف إليه المواقف الهزليّة السّاخرة مزاجاً نادراً من اجتماع الوقائع والخيال والمرح. هناك مثلاً تلك اللّحظة عندما تجتمع القيادة الألمانيّة الشرقية مذهولة – في «دويتشلاند 83»- أمام «القرص المرن» الذي سرقه مارتن من قيادة الناتو ويحتوي وثيقته الاستراتيجية بشأن ألمانيا الشرقيّة، كما لو كان مخلوقاً فضائياً عجيباً، أو «في دويتشلاند 89» عندما يحاول جاسوسان طلب الطعام من مطعم فاخر في رومانيا نيكولاي تشاوشيسكو، ويخبرهما النادل بأنه لا يوجد لديهم أطعمة أو مشروبات كحوليّة، لكنّ الحكومة أمرت المطاعم بالبقاء مفتوحة على أي حال للحفاظ على المظاهر.
لم تكن الأوضاع في ألمانيا الشرقيّة بالسوء الذي يصوره دويتشلاند بالطبع، إذ إن الجمهوريّة التي أقيمت على أنقاض ألمانيا الهتلريّة المحطمة خطت قفزات سريعة للأمام بفضل التخطيط المركزيّ، مما سمح بالإفادة الرشيدة من موارد البلاد وتحقيق نمو اقتصادي خلال الخمسينيات من القرن العشرين تفوّق على نظيره في الغرب، رغم الطبقة البيروقراطيّة التي بدأت في التشكل وتحولت إلى برجوازيّة جديدة، وتسببت لاحقاً في فشل التجربة. كذلك، فإن التعويضات الباهظة التي كان يدفعها نظام ألمانيا الشرقيّة للاتحاد السوفياتي عن فترة الحرب أنهكت الميزانيّات الحكوميّة في وقت كان فيه الأميركيّون ينفذون مشروع مارشال لنشل اقتصاد ألمانيا الغربيّة وإعادة موضعته على السكّة. أما ما يسكت عنه «دويتشلاند»، فهو ذلك الفقر الهائل الذي أطلقته عودة اقتصاد السوق بعد سقوط جدار برلين والعمليّة القاسية التي نفّذت بعدها لخصخصة ممتلكات الدولة وتسببت في تحويل حوالي 3 ملايين شخص إلى جيش من العاطلين من العمل وأطلقت العنان لموجة من التفقير والتهميش المستمر إلى اليوم، حوّلت الشطر الشرقيّ من ألمانيا إلى حزام صدأ، وأرض خصبة لليمين المتطرّف.
«دويتشلاند»، سمّ أيديولوجي زعاف، في عسل دراميّ على مائدة من فرجة آسرة.