«السلام عليكم؛ أنا رَشاشْ؛ توني سرقت محل سوق الدهب، وإذا في راس أمكم خير جيبوني». بهذه الكلمات القوية، يقدّم «رشاش» (تنطق بلا شدّة) نفسه للمشاهدين في الحلقة الرابعة من المسلسل الذي يحمل الاسم نفسه، علماً بأنّه مأخوذ عن قصة حقيقية لقاطع الطريق/ المجرم المعروف رشاش الشيباني (1960 - 1989) الذي قضّ مضاجع الأمن السعودي في ثمانينيات القرن الماضي؛ قبل أن يلقى القبض عليه ويعدم. كتب المسلسل البريطاني المعروف توني جوردن الذي عمل سابقاً في أعمال مهمة مثل «هيسل» الذي حصل فيه على جائزتي «إيمي» و«بافتا» ومسلسلي EastEnders وHolby Blue، بالاشتراك مع الكاتبة السعودية سهى آل خليفة، وريتشارد بيلامي. أما المخرج، فهو البريطاني المعروف ــــ أيضاً ــــ كولين تيغ الذي قدّم في السابق مسلسلاً هو الأشهر بريطانياً doctor who وعمله المهم white queen. يأتي «رشاش» من إنتاج منصة «شاهد» السعودية، التي يقال إنّها دفعت أموالاً طائلة على هذا العمل الذي يقدّم على 8 حلقات، تعرض بمعدل حلقة كل أسبوع. يأتي المسلسل مختلفاً عن معتاد الدراما الخليجية حيث الممثلات المنتفخات اللواتي لا تظهر ملامحهن بتأثير عمليات التجميل، وكميات الذهب الكبيرة التي ترتديها الممثلات، والمكياج الهائل الذي يجعل جميع الممثلات متشابهات، والسيارات والفيلات الفخمة والفارهة، فضلاً عن قصص الحب أو الكوميديا المفتعلة التي لا تعني أحداً خارج السعودية نفسها.

من جهةٍ أخرى، تعرّض المسلسل للعديد من الضغوط، فقبيلة عتيبة وعائلة «رشاش» ممثلة بوالدته وشقيقته، رفضت نشر المسلسل وإطلاقه تحت حجج مختلفة، لكن الشركة المنتجة عادت وأطلقته متجاوزةً كل ذلك.
يحكي المسلسل قصّة رشاش بن سيف الشيباني العتيبي (يؤدي دوره الممثل السعودي يعقوب الفرحان) ضابط الصف (في سلاح القنص تحديداً) في الحرس الوطني السعودي. رشاش المولود لقبيلة كبيرة هي عتيبة، خلف والده الذي عمل في السلك نفسه. سرعان ما يطرد رشاش من السلك العسكري لاتهامه بتعاطي المخدرات (وتحديداً الكبتاغون)، ليصبح بعدها واحداً من أشهر قطّاع الطرق/ المجرمين في تاريخ السعودية بالاشتراك مع أصدقائه وأقارب له من القبيلة نفسها. في إطارٍ موازٍ، يروي المسلسل قصة الضابط فهد الذي يشير إليه بأنّه من القبيلة نفسها رغم أن الضابط الذي ألقى القبض عليه لم يعرف من هو. يبدأ المسلسل من لحظات طرد رشاش من الحرس الوطني ويمر على مراحل حياته وجرائمه الكبرى. ولكن الأبرز في المسلسل كان تقديم «رشاش» باعتباره إنساناً قبل أي شيء، فعلاقته مع أمه، وأصدقائه هي أشبه بالعلاقات البشرية المعتادة، وهذا يحسب لصنّاع العمل كثيراً. ابتعد المسلسل عن معتاد الدراما العربية في تقديم شخصيات من هذا النوع: كان شريراً حقيقياً، يختلف عن «الشرير» الكاريكاتوري الذي ترسمه الدراما المصرية/ اللبنانية؛ والذي يمارس «شرّه» حتى وهو يتناول الطعام. وهذا تأكيد على أن الظروف تصنع التفاصيل والشر موجود بأشكالٍ متعددة، ومتنوعة. جانبٌ آخر يحسب للقصة هي أنها ترسم ثمانينيات القرن الماضي وهو ما أبدع به صنّاع العمل كثيراً، فلم نشاهد أي خطأ في رسم شكل تلك المرحلة: السيارات، الثياب، الطرق، وسائل التبريد، الأسلحة، الهواتف، التلفزيونات؛ حتى منطق الكلام في تلك المرحلة راعاها المسلسل بشكلٍ جميل. في الإطار عينه، كان اختيار الأبطال شأناً كبيراً في هذا العمل، وخصوصاً لناحية اختيار يعقوب الفرحان. نجح الممثل السعودي كثيراً في تقديم نفسه كواحد من أفضل الممثلين العرب في هذا العمل. وإذا ما استمر على هذا المنوال، فإنه يحجز لنفسه مكاناً مهماً بين مجايليه لا السعوديين، بل العرب عموماً. تنسى عند مشاهدة العمل أنّك تشاهد يعقوب الفرحان وتعتقد أنّك أمام رشاش بكل صفاته: السخرية، التهور، الجنون، وحتى الغضب وشعور القهر بداخله. استخدم الفرحان طريقة النطق الخاصة برشاش، وخصوصاً لناحية تقطيعه الكلمات، والاندفاع حين نطق بعضها الآخر حال الغضب. هذه التفاصيل وغوصه في الشخصية يشيران إلى أنه درس الشخصية ضمن المدرسة الستانسلافسكية الشهيرة: method acting. في المقابل، بذل الممثلون الآخرون في العمل جهداً كبيراً، فبرز فايز بن جريس بدور عمر صديق رشاش الأعز، ويده اليمنى، وحكيم جمعة وعبد الله البراق بدوري سلطان ومهل الشقيقين اللذين شكّلا العصابة التي شاركت رشاش «مغامراته». الأضعف كان من بين المشاركين هو نايف الظفيري الذي أدّى دور الضابط «فهد»؛ إذ بدا أنّه لم يستعد جيداً للشخصية.
يمكن القول بأن كولين تيغ من المخرجين القادرين على تقديم عمله بحرفة عالية، فهو يستخدم التفاصيل لسبك مشاهد جميلة، فضلاً عن خلق المشاهد المتخيّلة التي تدور في عقل البطل، فبدايةً جعل بطل العمل يصعد فوق صهريج لنقل المحروقات، وأبعد الكاميرا، ليعطي مشهداً واسعاً، ليظهر رشاش كما لو أنّه «يمتلك الكون» عند سيطرته على هذا الصهريج الذي سرقه؛ فضلاً عن المحافظة على إظهار ابتسامته وصوت ضحكاته. الفكرة نفسها حينما نشهد رشاش يحلم بالحصان الأبيض الذي يركض وسط الصحراء، فيما هو على صورة طفلٍ يركض خلفه. هذه المشاهد إضافة إلى استخدامه الكاميرا المعتمة في المشاهد الداخلية، والأبطال المنهكين في مشاهد الحر والتعب وتصويره الأمر بكل طبيعية، جعلت المسلسل برؤية مختلفة للغاية. من حيث النص، نجح صنّاع العمل في تقديم نص مسبوك بحرفية عالية، إذ إنه ليس هناك أي خطأ تقني، بخلاف بعض المشاهد التي نرى فيها عائلة فهد ضابط الشرطة. تأتي مشاهد «فهد» وعائلته وعلاقاته الاجتماعية والعملية، أضعف مشاهد المسلسل، وتقنياً يمكن حذفها من دون أن يتأثّر العمل البتة. لا يعرف هنا إن كان تدخل السلطة في السعودية هو الذي جعل هذه المشاهد بهذه الهشاشة أو أنه مقصود أن تكون شخصية رجل الشرطة ضعيفة وواهنة إلى هذا الحد. تلفت النظر في المسلسل أيضاً الموسيقى التصويرية التي أبدع في تأليفها التونسي (ذو الجنسية الفرنسية) أمين بوحافة الذي عرفه الجمهور مع موسيقى وتترات مسلسلات معروفة مثل «غراند أوتيل»، «لا تطفئ الشمس»، «ونوس».
باختصار، هي محاولة من الدراما السعودية أن تقدّم عملاً متميزاً، بعيداً عن معتادها ــــ وإن كانت اللمسة البريطانية واضحة للغاية ــــ؛ لكن يمكن القول بأن اكتشاف يعقوب الفرحان كممثل موهوب هو أفضل ما في العمل. يستحق «رشاش» المشاهدة بالتأكيد وإن كان البعض سيعاني من اللهجة السعودية الثقيلة والسريعة التي يمكن أن لا يفهمها معظم سكان المشرق أو المغرب العربيين. في المحصلة، هو تجربة يمكن المراكمة عليها، وتحويلها إلى أعمال تقدّم دراما تستحق المشاهدة.

«رشاش» على «شاهد»