حين رسم سلفادور دالي الساعات الذائبة، كان يحلم أن يجعل الوقت يذوب في الحلم مثل قطع الجبن في الشمس، التي رآها في حلمه. لا تفعل الفنانة اللبنانية ريم الجندي الشيء نفسه طبعاً في معرضها الجديد «الوقت» القائم حالياً في «غاليري أجيال»، إذ تبتعد في لوحاتها عن السوريالية وتقترب من فن الأيقونة الذي درسته. تريد الجندي أن تحيك «الوقت» بتلك الخرزات التي تصبح جزءاً من اللوحة وجزءاً من فضائها وملمسها، فندخل إلى فضاءات جديدة شخصية كما هو معرضها السابق «صديقي باخوس»، لكن حميميةً أكثر هذه المرة. هي لا تريد أن تجعل الخرز يزيّن عملها الفني لتصبح لوحات «الميكسد ميديا» مزيّنة، بل أن تكون إشارة الى معنى «الوقت الذي كان يمرّ وهي تعمل في حياكة الخرز على اللوحات» كما أسرّت لـ «الأخبار». يحضر الجسد في منتصف اللوحات ويذكرنا بفن الأيقونة الذي رافق طيفه أعمال ريم الجندي في كل لوحاتها ومعارضها السابقة.

الفنانة في معرضها

ونرى تلك الهالة الدائرية ما زالت حاضرة في بعض اللوحات، لكن ريم تؤثر أن يكون الزمن والمكان حاضرين بقوة، عكس الأيقونات الشرقية المسيحية التي يتجمّد ويغيب فيها الزمن. إنها تمسك أيقونة الزمن لا لتزخرفها، فالزخرفة حاضرة في أعمال ريم، لكنها هنا تريد أن تقلل من مساحتها رغم أنها موجودة كأنها تقلل من وجود الخرز، ليملأ مساحات صغيرة جداً، أحياناً في هالة دائرية في أعلى اللوحة، وأحياناً في عيون الأسماك التي تملأ الخلفية، وأحياناً ليكون ظلاً لشجرة تتفرع بين حبيبين جالسين، أو في تلك المسافة الفاصلة بين الشخصية والخلفية، مع حضور للون الذهبي الذي لا يفارق لوحات ريم التي تمتد منذ معارضها الأولى حتى الآن وهو لون حاضر أيضاً في الأيقونات.
ظلال «البوب آرت» تذكّر هذه المرة ــ في تكرار الموتيفات، بتكرار نماذج عند آندي وارهول. كما في أعمالها السابقة، تكرّر الفنانة موتيفات في الخلفية. كأنّ تكرار الخرز أيضاً وصفّه جزء من ذلك الانتظار الذي يطبع الوقت على الجسد. وهي أيضاً تؤثر أن تجعل اللوحات تعكس حركة جسدها وهي تعمل بالخرز صغيرة الحجم. وصغر الحجم هنا يأتي لينسجم مع هذه الوحدة التي يرافقها العري أيضاً. تقول ريم الجندي لنا: «هنا الشخصية عارية لأنها تنكشف عن ضعفها وهشاشتها». العري الذي نتأمله هشاً وناحلاً وربما ليعكس العزلة أيضاً، ليس هنا جسداً ليفتن أبداً، بل ليندمج مع وحدة الكون والزمن. الشخصية المرسومة تبدو مختلفة بصرياً عن خلفيتها، كأنها تخرج منها ولا تذوب داخلها أبداً. الحدود الفاصلة بين الشخصية والخلفية واضحة جداً، وهي مختلفة عنها في اللون. ندرك تماماً أن لا كولاج في اللوحة، هي شخصية تحاول أن تكون في المكان وخارجه. الوقت الذي يتمثل أحياناً في خرزات في الأعلى أو كما في لوحة إسمها «الوقت»، يبدو مثل ثقب دائري على الثياب، فهل هو فجوة ما أم ربما هالة مقدسة كتلك التي تحيط برؤوس القديسين في الأيقونات؟
العري الذي نتأمله هشاً وناحلاً يعكس العزلة أيضاً


في لوحة «الفقاعة»، تجلس المرأة داخل فقاعة أو هالة عارية، وبينما في الأسفل يحضر الحشد بألوان باهتة كأنها ظلال. ألوان ريم لا تسعى لأن تصدم بل تدعو المتلقي ليتأمل. نرى وجود المرأة داخل الفقاعة ونتساءل: هل هذا هو وجودها؟ عزلتها؟ وحدتها والعمر الذي يجعلها تنطوي بينما يمر الآخرون كالحلم حولها؟ يحضر الجواب في لوحة أخرى تغادر فيه المرأة الممر كأنّ حياتها مشرعة في الخارج، حيث الداخل أيضاً ظلال. تستخدم ريم أيضاً الخطوط التي تتراءى خلف الشخصية لتذكّرنا بأكثر من فضاء متداخل في اللوحة.
لكن في اللوحات التي يحضر فيها الآخرون، تكبر الأحجام كثيراً وتصبح الخلفية واسعة، كما في لوحة «قصة» التي تشبه قليلاً قبلة غوستاف كليمت، في خلفيتها البنية الذهبية. هنا الوقت يذوب أيضاً في حضور الآخر ويتلوّن بأسئلة أخرى، وقد تتكرّر صور ما في الخلفية. أمر يجعلنا ندرك تقارب فن ريم الجندي من الفوتوغرافيا أيضاً، فتلتقط مشاهد يومية وحميمية لكنها لا تضع فقط «زووم» لنرى تفاصيل تلك الصورة، بل تجعلنا نرى كم هي مفارقة للحقيقة وكم تختلف عنها. هنا تبدو الفنانة مشغولة بأن لا ينقل فنها الواقع، بل يلتقط لحظات غير ملحوظة داخلها، فيجعلنا نركز بتلقائية على الخلفية لأن هناك ذاكرة منسية تذوب في الخلف والوقت جدير باستحضارها.

من المعرض

لوحة أخرى بعنوان «صورة العائلة»، توحي بهذا الانحياز للتصوير كأنه جزء من تجميد الزمن والوقت، يرافق الأم والأب الخلفية التي تبدو كأنها من مجلة «كوميكس» مليئة بنموذج يتكرّر. اللوحة شبيهة بأعمال سابقة لريم من معرض «شجرة العائلة» الذي يحضر فيه كثيراً مزاج التصوير والبوب آرت.
هي بورتريهات تريد أن تسرد الوقت، أن تتركه يذوب في الفضاء الخاص والعام، وهنا طيف خفيف من فريدا كالو، حيث البورتريه الشخصي والخلفية الباهتة، لكن لا تركيز على الوجه، هو الجسد فقط أو أجزاء منه. عندما سئلت فريدا، لماذا ترسم نفسها، أجابت: لأنها تعرف ذاتها أكثر من أي شخص. وكانت إجابة ريم الجندي عن سؤالنا حول هوية هذه الشخصية: «هذه أنا وكيف رسمت الوقت، لكن لا يهم إن كانت هذه الشخصية حقاً تشبهني».

«الوقت»: حتى 14 آب (أغسطس) ــ «غاليري أجيال» (الحمرا) ــ للاستعلام: 01/345213