الزمان: 6 صباح 18 كانون الأول 2016

المكان: قرب وزارة الداخلية المصرية في شارع محمد محمود- القاهرة
ليس معي هاتف لأتّصل به، لكنه كان هناك كما اتفقنا عبر فايسبوك. نرى بعضنا من بعيد ونمشي باتجاه السلام الحميم كأنه ليس الأول بيننا. نضحك على القدر الذي ساق صحافييْن يعيشان في بيروت إلى القاهرة ليلتقيا. حبّ مصر يجمعهما بداية ومن ثم تتوالى الاهتمامات والمواقف والتفاصيل التي ستظل تجمعهما لسنوات بعد ستأتي...
«حدا بيجي ع القاهرة بيقعد حد الداخلية؟» نبدأ صداقتنا الحقيقية بالضحك، وننطلق معاً إلى شارع المعز، أجمل شوارع القاهرة برأيه. رأيه الذي سأظل أهتم بمعرفته حول الكثير من الأمور الشخصية والعامة في ما بعد. رأيه الذي أعرفه الآن تماماً. يضحك وسام متى من موته بالذات. ابتسامة ساخرة خلف سيجارة أخيرة نخباً لصوابية فكرة أثيرة عنده: الأمل وهم...
أملت أن يستيقظ من الجلطة الأولى. وحين أبدى الجسد الأربعيني بشائر تحسّن، طرت فرحاً برسالة ناجي، أخيه. سريعاً أخبرت إسلام في القاهرة ونيكول في بيروت، وفكّرنا أن أحاسيسنا غلبت فكرته: سينتصر الأمل! وسنضحك معه على كل هذا العارض الصحي السخيف.
ثم خذلنا الأمل جميعاً و«كان» وسام على حق...
«كان» فعل ماض ناقص، ناقص «أوي» باللهجة المصرية التي يحبها وسام. كيف لشخص بكل هذا الحضور أن ينقص هكذا؟ كيف لكل الأحاديث التي تنتظرنا بعد أن تبتر هكذا؟ كيف وكيف وكيف؟ وسام معجون بإنسانية صافية. وهذا ما يجعله الصحافي القريب من الناس والرفيق الأصيل المنحاز بشجاعة إلى القضايا العادلة والصديق الذي تأمن وتفخر بمعرفته.
من وسط البلد إلى القاهرة الفاطمية مسافة قطعناها بالحكي والكثير من الحكي. نحكي عن حياتنا وعن المنطقة وعن حلب التي كانت تحترق في حينه وعن الدواعش وعن الأكل وعن الأصدقاء وعن وعن وعن...
نلتقي أحمد علام، صديقنا الذي سجنه السيسي لأنّه تجرّأ على الحديث عن إجراءات كورونا في مصر. نذهب في تاريخ مصر ومآل الثورة والآفاق التي تضيق في العالم العربي. نستهلك الوقت مشياً وحكياً ينقطع حين يتوقف هنا أو هناك ليأخذ صورة أعجبته. ويتصل الكلام على طاولة إفطار نتبارز فوقها على معرفتنا بأصول الفول وكيف صار أكلة شعبية في بلادنا. نضحك في صور للذكرى نرسلها إلى إسلام الذي كان في ذهب. وتبقى هي الآن حاضرة لتذكّرني بفداحة غياب وجهَيْ صاحبيَّ منها، كل في كون مواز...
«كلنا قوس هون؟» بهذه السهولة افتتحنا لقاءً ثلاثياً جمعنا بنيكول ذات كانون أول في بيروت. أكلنا عند الشريف، ضحكنا حتى البكاء. تحدثنا بصوت عالٍ طبعاً، ثلاثة من مواليد القوس. كيف يمكن أن لا يكون صوتهم عالياً؟وأخذنا صوراً جميلة جداً.
لا أجد الصور الآن، هي في قلبي: الضحكات والنقاشات والسيجارة التي يجب أن يدخنها بعد الأكل، والسخرية من إيماننا بأن مواليد القوس سيفهم بعضُهم بعضاً دوماً دون الحاجة إلى الشرح والسؤال. أنا ونيكول لا نفهم الآن يا وسام.
وسام العين الحلوة، النكتة الحلوة، الروح الحلوة، الذكاء المُبهر والبديهي جداً معاً. السخرية التي لا تجرح. التواضع الخلوق، الأفكار المتينة، المعرفة العميقة، اللغات الرشيقة، القراءات المتنوعة، الأطلس الذي يمشي على قدمين، العالم الاجتماعي، الباحث الدؤوب، المحلل الاستراتيجي حقاً، الرؤيوي دائماً، المتعلم الأبدي. وسام الحياة الحلوة حتى الثمالة والنهاية ودقة القلب الأخيرة. الخبير في أفضل المطاعم لكل أكلة في أكثر من مدينة. أكثر من يعرف بعمق عن مواضيعه. وسام الذي لطالما استمتعت بأن أستمع إليه وأتعلم منه أكثر مما علّمني أساتذة الإعلام. وهو للمفارقة، خرّيج حقوق «ضليت سبع سنين بالجامعة لأسباب انتخابية» يبرر عدم تخرجه سريعاً من الجامعة...
العزاء، بعض العزاء، يا صديق، يا رفيق، يا حبيب العقل والروح: إنك عشت حياتك كما تحب أنت حتى النهاية. هكذا تتضاعف الخسارة وتتشظّى إلى خسارات وخسارات. خسارة ضحكتك وعقلك وكلك في الموت.
هل جاء الموت حقاً وأخذك؟ كيف تجرّأ؟
نتحدث عن دفن وجنازة وصلاة في كنيسة وقداس وتفاصيل كثيرة في ساعات، بعدما أعطيتنا أسبوعين لنستوعب أننا لن نراك مرة أخرى ولن تسألني: «تروحي ع القاهرة؟» من جديد. كل ما يحدث منذ عرفت بالجلطة اللعينة التي أصابتك لا يشبهك ولا يشبهنا ولا يشبه صداقتنا. نعزي بعضنا فيك ولا عزاء حقاً يا وسام. لا عزاء حقاً...
يا صاحب الضحكة والنكتة وخفة الدم، سنذهب إلى الكنيسة لنودعك، من يعرفك جيداً سيعرف صعوبة كبت ضحكاتنا في عزاء، عزائك أنت بالذات. أعرف يقيناً أنّي لست الوحيدة التي ستتذكر مشهداً تحبه من فيلم الكيف: «حضرتك جاي تعزي ولا جاي تهرج؟ أنا جاي اهرج». سنحاول كبح تلك الذكريات خلف الدموع. وقد لا نفلح: سيكون الضحك أكثر ما يشبهك في عزائك...
بعد الكنيسة، سيكون مثالياً أن نجتمع، نحن الذين يجمعنا حبك، نفتح اتصال فيديو مع الحبايب في القاهرة وكل العالم، نمدّ سفرة «لحمة نية» ونغني للشيخ إمام الذي تحبه ونرفع نخباً أخيراً لشخصية استثنائية.
هكذا تتحايل بنا ونتحايل بك على الموت. هكذا سنُكرمك وهكذا سنُسعدك في رحلتك الأخيرة، وسيمكنك أن تمضي مطمئناً إلى إرث غالِ تركته فينا: وجهك ضاحكاً...
إلى لقاء... رواق رواق يا رفيق