تتواطأ الوجوه الخفية مع جدران المنزل ضد المرأة الجالسة على الكرسي أمامنا. عناصر لا تكفّ عن تكثيف الجو الخانق في خط تصاعدي طوال عرض «مرا لوحدا» المونودرامي الذي انطلق في «مسرح مونو» أمس. المونولوج الذي كتبه المسرحي الإيطالي داريو فو، مع زوجته المسرحية فرانكا راما، نقله إلى الخشبة أخيراً شادي الهبر (تعريب رانيا قاسم)، لتؤديه خلود ناصر منفردة على المسرح.


وإذا كان النص يعود إلى السبعينيات، إلا أنه لا يزال مفتوحاً أمام إسقاطات الزمان والمكان والتقاليد المتباعدة، ويوحّده وضع المرأة التراجيدي. تفضح هذه المونودراما سلوكيات المجتمع الذكوري في قالب تهكّمي، لتضعنا في مواجهة مباشرة مع الشخصية المعقّدة للمرأة (خلود ناصر): الأم والزوجة والعشيقة والضحية... والجلاد.
قبل ثلاثة أشهر، اختار شادي الهبر المونولوج الشهير، وبدأ العمل مع الزميلة خلود ناصر على الإخراج. أما بناء الشخصية المنفردة على الخشبة، فقد اشتغلت عليها ناصر بإتقان. هكذا، استطاعت على مدى ساعة تقريباً أن تسيطر على الجمهور عبر التقاط تركيبة الشخصية وتشعّباتها المتعددة.
لا تختزل السينوغرافيا المتقشفة من صخب العرض الذي لا ينفك يأخذ منحى تصاعدياً مع الوقت. على العكس، تزيد المساحة الضيقة والإضاءة الخافتة من حدّة الحقيقة وعريها. الهاتف، والكرسي، والبندقية والباب، تشكّل جسر المرأة للتواصل مع العالم الخارجي. هي مسجونة في المنزل، مع طفلها وأخ زوجها المقعد الذي لا يزال يتحرش بها بعدما «هشّل» جميع الخادمات. سجن فرضه الزوج حين اكتشف علاقتها بأستاذ اللغة الإيطالية من دون أن يتوقّف شكّه حتى الآن. أشخاص آخرون سيتراؤون لنا: الزوج الذي يكالمها عبر الهاتف، والرجل المتلصّص عليها من النافذة وصديق زوجها المدان الذي لا يكفّ عن الاتصال والمطالبة بالمال، وعشيقها أستاذ اللغة الإيطالية. أياد تخرق عزلتها وتطالها مراكمة ثقل شخصيتها الهستيرية، فيما تكشف لنا عن هشاشة سجن المنزل أمام السجن الخارجي الكبير.
عبر شباك البيت (متنفسها الوحيد)، تتحدّث المرأة مع الجارة في العمارة المقابلة. ولأنّها لا تطيق الصمت، فتحاربه بالراديو والستيريو والتلفزيون، ينطلق حوار طويل مع الجارة المفترضة. تتسلل إلى حديث المرأتين قصص من الماضي والحاضر تؤسس لشخصيتها، وتمنحها خلفية اجتماعية وثقافية. تتكلّم كثيراً. تخبرنا عن ماضيها وحياتها وقصة حبها وأسرارها، عن علاقتها الزوجية وخيانتها لشريكها وهواجس أي امرأة، وعن وضعيات جنسية لا تفهمها في أفلام البورنو التي يشاهدها أخ زوجها باستمرار. بوح سلس يحوّل كل ما هو عادي ومتداول إلى اتهام للمجتمع المتفرّج والمشارك في هذه الجريمة المنزلية. نجحت خلود ناصر في تأدية الحركات الجسمانية حين انتقلت مثلاً للحديث عن رغباتها الأنثوية التي لم تفلح أوقات العزلة والعمل المنزلي في طمسها. أما تقلّبات الشخصية، فقد استطاعت التماشي معها ومع انفعالاتها الفورية حين تغضب وتضحك وينتابها شعور بالذنب، أو بالكراهية، أو حين تمسك البندقية وتحاول الانتحار. هذا التطوّر السيكولوجي في شخصيتها، نشاهده من خلال المكالمات الهاتفية وشريط ذكرياتها الذي يحيلنا إلى منزل العائلة وأحلام الصّبا. هكذا، تصبح نجاتها من هذه الدوامة مستحيلة، خصوصاً حين ينتفي تجسّد الضغط الذكوري كحالة طارئة، ليتجذّر كفضاء ثابت لحياتها. يصبح كل شيء مستحيلاً إذاً، حيث لن يخلّصها منه سوى نهاية أو مخرج أكثر استحالة من هذه العوامل المتواطئة. هنا، نتتبع خطوات تحوّلها إلى جلاد حقيقي مطابق لصورة المجتمع. هذه الانتفاضة، وإن تبدو قاسية أو داعية إلى القسوة، إلا أنّها تصبح قدراً محتمّاً، ودعوة إلى العنف لمواجهة أدواته. تطوّر يترافق مع تضخّم تفصيلات المجتمع الذكوري الذي يزيدها هشاشة يوماً تلو آخر. ترسم هذه الكوميديا السوداء سيرة جماعية للنساء المعنفات، للمجتمع ونظرته إلى المرأة، ولا تكفّ عن البحث في الإرث المكوّن لشخصية المرأة وموقعها وقراراتها في المجتمع أو العائلة.
المؤلم أنّ هذه السنوات الطويلة الفاصلة بين تاريخ كتابة النص، وعرضه اليوم، لم تنجح في تقليص الفجوة بين المرأة والمجتمع. تبدو المسرحية التي أدّتها جوليا قصار (إخراج لينا أبيض) قبل حوالى 14 عاماً في صلب اللحظة اللبنانية الراهنة أكثر من أي وقت مضى.

«مرا لوحدا»: 19:00 حتى 11 أيار (مايو) ــ «مسرح مونو» (الأشرفية _ بيروت) _ للاستعلام: 01/218078