يبدو أنّ عام 2014 ماضٍ في قسوته على الدراما اللبنانية، وممعن في حرماننا من أسماء كبيرة حفرت معالمها على مرّ السنين. بعد أحمد دنش (الشهير بدرباس)، وجوزف جبرايل، وأماليا أبي صالح، ها هي ليلى حكيم (1933) تفارقنا تاركة وراءها أرشيفاً غنيّاً ومنوّعاً، ومكرسة نفسها علامة فارقة في الفن اللبناني.


بعد صراع طويل مع سرطان الثدي، غيّب الموت صباح أمس الممثلة القديرة، بعدما نُقلت إلى المستشفى قبل أيّام إثر إصابتها بانتكاسة صحية. وقبل ذلك، عانت الراحلة من ألم في المرارة التي فجّرتها، ما ولّد مضاعفات أثّرت على البنكرياس والكبد واستلزم علاجاً دائماً. مشكلة المرارة هذه حرمتها من متابعة تصوير مشاهدها في مسلسل «أماليا» لسمير حبشي، آخر الأعمال الدارمية التي شاركت فيها (راجع الكادر). هي ليلى ضو، المولودة عام 1933 في منطقة الشيّاح (قضاء بعبدا)، لكنها سرعان ما تبنّت اسم عائلة زوجها لتصبح ليلى حكيم. علماً بأنّها رزقت بولد وحيد يدعى «إيلي»، وهو مهندس معماري يقيم حالياً في الكويت. لم تدرس ليلى حكيم التمثيل، بل اختارت الفلسفة، وبقيت تعمل في تدريس اللغة الفرنسية إلى أن تقاعدت قبل أكثر من 15 عاماً، وقد انتسبت إلى «نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون» عام 1967.
إتقانها للفرنسية قادها إلى المشاركة في فيلمين فرنسيين عُرضا في كندا وصوّرا في لبنان، فضلاً عن مشاركتها في بداية مسيرتها الفنية في فيلم مصري وحيد هو «الحب الكبير» (1970) إلى جانب فريد الأطرش وفاتن حمامة. آنذاك، لُقبت بـ«فاتن حمامة اللبنانيّة»، واختارها الممثل يوسف وهبي للمشاركة في العمل، لكنّ حكيم لم تكرّر التجربة في المحروسة، لأنّها كانت مُرّة. «حذفوا بعض أدواري، والماكيير جعل أنفي يبدو كبيراً، وحذفوا جملة أقولها باللهجة اللبنانية. عندها، قلت للمخرج هنري بركات أنّني لم آخذ حقي لا مادياً ولا معنوياً»، قالت الراحلة في مقابلة نشرها موقع «النشرة» في حزيران (يونيو) 2013.
شاركت ليلى حكيم في أكثر من 33 عملاً درامياً، وتنوّعت أدوارها بين التراجيديا والكوميديا، وتنقلت بين المسرح والسينما والتلفزيون، لكن الثابت الوحيد تمثّل في اتقانها الفطري للتمثيل، فتميّزت بعفوية قلّ نظيرها وحافظت عليها رغم معاناتها على الصعيدين الشخصي والصحي.
كثيرة هي الأفلام اللبنانية التي تركت حكيم بصمتها فيها مثل «قصّة ثواني» (2012) للمخرجة لارا سابا، و«هلأَ لوين» (2011) لنادين لبكي، و«دخان بلا نار» (2009) لسمير حبشي، فضلاً عن «الفجر» (2000) لطوني أبو الياس، و«أماني تحت قوس قزح» (1985) لسمير خوري. وفي العام نفسه، انضمت إلى فريق عمل فيلم «في مهبّ الريح» لزيناردي حبيس، كذلك مثّلت قبل ذلك بعام واحد في «ليلى والذئاب» للمخرجة هيني مسرور.
على خشبة المسرح، أطلّت ليلى حكيم مراراً من خلال «كذبة الحقيقة»، و«ضيعة بلا مفتاح»، و«شو هالشِدّة يا جدّي» وغيرها.

تنوّعت أدوارها بين التراجيديا والكوميديا، وتنقلت بين المسرح والسينما والتلفزيون

أما على الشاشة الصغيرة، فظهرت في مسلسلات يصعب إحصاؤها كـ«الغالبون» (2011) للمخرج السوري باسل الخطيب، و«كانت أيام» (1964)، و«يسعد مساكم» (1976) لكلودا عقل، و«أبو ملحم» (1969)، و«الدنيا هيك» (1976)، و«النهر» (1974)، و«القناع الأبيض» (1974)، و«محاكمة أدبية» (1972)، و«العقرب» (1971)، إضافة إلى «زوج الآنسة» (1990) لجورج غياض، و«نادي اللغة العربية» (1998) لرفيق حجّار، و«بنت الحي» (2007) و«حكاية أمل» (2013)، و«صارت معي» (2003) لجان منضور، و«بنت الحيّ» (2007) لسمير حبشي.
ولعل أكثر أدوارها الدرامية الحديثة التي طُبعت في ذاكرة المشاهدين كان «تيتا نجاح» في مسلسل «فاميليا» (كتابة منى طايع، إخراج ميلاد أبي رعد).
وفاة ليلى حكيم التي برعت في دور الجدّة خلال السنوات العشرين الماضية من دون أن تحظى بدور بطولة، أرخى بظلاله على أهل الفن. في اتصاله مع «الأخبار»، حاول نقيب الممثلين جان قسيس جاهداً التماسك إلا أنّه فشل في إخفاء حزنه الشديد على والدة صديقه وزميلته في أعمال عدّة. «للأسف الكبار يرحلون واحداً تلو الآخر. والمفارقة أنّ كل ذلك يحصل بصمت»، قال، مضيفاً: «كل ما أستطيع قوله إنّ ليلى حكيم خسارة فنية كبيرة، وخسارة لي شخصياً». وبينما نعى وزير الثقافة روني عريجي الفنانة «التي ستبقى ذكرى جميلة في وجداننا»، اتخذت الممثلة رلى حمادة من صفحتها الفايسبوكية منبراً للتعبير عن مشاعرها، خصوصاً أنّها لعبت دور ابنة حكيم في مسلسل «فاميليا». وكتبت حمادة: «ماما ليلى حكيم، عرفت إنّك من شوي قرّرت تروحي على مستوى آخر من الوجود، عالمحبة والنور المطلقين. الله معك، رح اشتقلك».


* توارى الراحلة الثرى اليوم عند الساعة الرابعة بعد الظهر في «كنيسة قلب يسوع» في منطقة سامي الصلح (بدارو)، وتقبل التعازي قبل الدفن بدءاً من الساعة العاشرة صباحاً في صالون الكنيسة، على أن تُستأنف يومي الأحد والاثنين في المكان نفسه من العاشرة صباحاً وحتى السادسة بعد الظهر.






آخر الأعمال

أثناء تصوير مسلسل «أماليا» (2013، كتابة طارق سويد، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج «مروى غروب») من بطولة نادين الراسي ورودني حدّاد في بلدة دلبتا (قضاء كسروان)، كانت تضرب لبنان عاصفة ثلجية قوية جداً أثّرت على صحة ليلى حكيم التي كانت حينها تفرط في التدخين. بعد بضعة أيّام من بدء التصوير، عانت حكيم من ألم حاد في معدتها استدعى إجراء عملية جراحية لنزع مرارتها، قبل أن تمكث 18 يوماً في غرفة العناية المشددة. بعد هذه الرحلة العلاجية، سافرت حكيم إلى الكويت حيث يقيم ابنها الوحيد إيلي، وبقيت هناك شهرين. وخلال هذه الفترة، استبدلت بالممثلة هند طاهر، لكن بعد ذلك راحت صحة الممثلة القديرة تتراجع، ما حال دون مشاركتها في أعمال جديدة.