كنتُ وما زلتُ أنظر شزراً إلى الشعراء المدّاحين ممن يتزلّفون لذوي السلطة والنفوذ والمال (وما أكثرهم)، وأراهم وضيعين قذرين بلا مبادئ ولا يستحقون سوى الازدراء.

وبأثر رجعيّ كنتُ أسحب هذا التصنيف الى الماضي ليشمل أبا الطيب المتنبي. فطالما اعتبرته شاعراً فارغاً متخصّصاً في المدح والهجاء من أجل المال، وخاصة عندما أقارنه بالشاعر الآخر العملاق الفيلسوف أبي العلاء المعري.

تمثال المتنبي في بغداد

ولطالما كانت حالته مع حاكم مصر، كافور الإخشيدي، شاهدي ودليلي. فرغم أنّ الذي اشتهر من شعره بحق كافور، كانت قصيدة الهجاء الفظيعة (والعنصرية) التي قالها بحقه:
أَكُلَّما اغتالَ عَبدُ السوءِ سَيِّدَه **** أَو خانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ
صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها **** فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ
مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً **** أَقَومُهُ البيضُ أَم آباؤهُ الصِّيدُ
أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً **** أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ
لا تَشتَرِ العَبدَ إِلّا وَالعَصا مَعَه **** إِنَّ العَبيدَ لَأَنجاسٌ مَناكيدُ
إلّا أنه في الحقيقة كانت قد سبقتها قصيدة مدح عالية المستوى قالها بحقّه عندما غضب من سيف الدولة الحمداني، فغادر حلب قاصداً مصر :
قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيرِهِ **** وَمَنْ قَصَدَ البَحرَ استَقَلّ السّوَاقِيا
أبا المِسكِ ذا الوَجْهُ الذي كنتُ تائِقاً **** إلَيْهِ وَذا اليَوْمُ الذي كنتُ رَاجِيَا
أبَا كُلّ طِيبٍ لا أبَا المِسْكِ وَحدَه **** وَكلَّ سَحابٍ لا أخُصّ الغَوَادِيَا
يُدِلّ بمَعنى واحِد كُلُّ فَاخِرٍ **** وَقد جَمَعَ الرّحْمنُ فيكَ المَعَانِيَا
إذا كَسَبَ النّاسُ المَعَاليَ بالنّدى **** فإنّكَ تعطي في نَداكَ المَعَاليا
هذا عدا القصيدة البديعة الأخرى التي استفتحها بقوله:
قضى الله يا كافورُ أنك أولٌ **** وليسَ بقاضٍ أن يُري لك ثانِ
وهكذا فإننا نرى كيف يقلب المتنبي كافوراً : من أبي المسك، الذي جمع فيه الرحمنُ المعانيا، والذي ليس له ثانٍ... إلى العبد الأسود المخصيّ! وذلك حصل عندما خاب أمله ولم يعطه كافور ما أراد.
ومن هذا المنطلق، كان تصنيفي للمتنبي: منافقٌ تافه، وصاحب صنعةٍ في اللغة ليس أكثر!
ولكني الآن، وبكل هدوء أتساءل: ألستُ قاسياً في حكمي على المتنبي؟ ألم تكن تلك معايير ذلك الزمان؟ مدحُ الملوك والخلفاء والأمراء كانت صنعة كل الشعراء، وأمراً طبيعياً لا يلامون عليه! ذلك كان زمانهم ومن الإجحاف أن أحاكم المتنبي بمعايير عصرنا.
لستُ أدري، ماذا نقول عن المتنبي: متزلّفٌ وضيع، أم قامة أدبية وفكرية عملاقة؟
ربما هذا وذاك، ولعل أفضل ما يقال إنه ابنُ عصرِهِ وحسب.

* كاتب وباحث من الأردن



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا