صنعاء | مشهد خارجي/ نهاري بلا موسيقى تصويرية. الكاميرا مثبّتة على سطح ثابت ومصوّبة باتجاه بوابّة المستشفى الرئاسي الخاص وسط صنعاء. تصوير. تقترب عربة مدرّعة من البوابّة، يهبط منها مسلحون ملتحون يرتدون بزات عسكرية رسمية، ينجحون في تصفية المكان من حراسته، ثم ينتشرون بهدوء في أروقة المستشفى. كانت أصوات التفجيرات قد فعلت رعبها في نفوس الموجودين داخل المبنى. توضح الكاميرات المثبتة هناك كيف تجمّعوا فرقاً صغيرة، كل فرقة في زاوية من المستشفى.


يقترب أحد المسلحين من واحدة منها، تراه ممرّضة فتسرع إليه مستنجدة. لقد رأت بزته العسكرية فاعتقدت أنّه جاء لإنقاذهم، لكنّه يفتح سلاحه الآلي ويرديها قتيلة. كانت الدكتورة جميلة تراقب المشهد من جهة مخفية، وتحكي مع شقيقها على الخليوي، قالت له: «إنهم يقتلوننا، الجيش، وينقطع الاتصال». لقد وصلتها رصاصات من الجهة ذاتها. في ركن آخر، فرقة بشرية تحتمي بحاجز شفاف، يقترب منها مسلّح آخر. يحدث الشيء نفسه، يقترب منها ويقذف قنبلة عليها ويعود إلى الخلف. يرى أبُ قدوم القنبلة باتجاهه فيقفز حاضناً ابنته التي كانت بجواره. صوت انفجار ضخم، غطّى الدخان مساحة المكان واختفت الصورة. يتكرّر القتل في كل زوايا المستشفى حتى غرفة العمليات. كان طبيب ألماني يستعد لإجراء عملية وقد راح المريض في تخديره، لكن دخول أحد المسلحين قضى على كل شيء. رصاصات فيذهب الطبيب ومريضه إلى السماء.

عرض التصفية
الدموية التي أجرتها عناصر من «القاعدة» في مستشفى في صنعاء


بعد 12 ساعة، تنجح فرقة التدخّل الخاصة في تصفية كل المهاجمين وتنطفئ الكاميرا. قد يبدو المشهد ملخّصاً لفيلم من تلك الفئة التي لا يُسمح بمشاهدتها لمن هم دون الـ 18 سنة. لقد حصل هذا في الحياة فعلاً، هو شيء واقعي صوِّر عبر كاميرات المراقبة المثبّتة في زوايا المستشفى الرئاسي. جماعة تنتمي إلى «القاعدة» نفّذت عملية نوعية قيل إنّها استهدفت الرئيس اليمني نفسه عبد ربه منصور هادي الذي كان موجوداً هناك وقت العملية. بقيت هذه التفاصيل في الخفاء والناس حائرون لا يعلمون ما جرى، استمرت الحال أيّاماً، تشويش يحيط ويحاصر تفكير الناس بحثاً عن إجابات، إلى أن جاء قرار غريب قضى بعرض التسجيلات كاملة على التلفزيون الرسمي. شاهد الناس ما جرى، وتابعوا القتل فقرة فقرة ومشهداً مشهداً. رأوا أرواح الضحايا وهي تصعد إلى السماء بلا موسيقى تصويرية. لقد امتزجوا بدماء المذبحة.
ظهرت صنعاء في اليوم التالي كحياة مُعطّلة ومعطوبة، يسير الناس في الشوارع ولا يقدر الواحد على رؤية رفيقه، لقد انكسرت أرواحهم. قالت السلطة إنّها رأت ضرورة في عرض التسجيل كي يعرف الناس الخطر الذي يمثّله «القاعدة»، كأنّهم بحاجة إلى كل ذلك الدم كي يعرفوا حقيقة «القاعدة»! لم تتنبه السلطة إياها لمسألة تقول إنّ تعويد الناس على صور القتل يعمل يخلق إمكانية تصالح معه. لم تتنبه السلطة لهذا، وهي تحاول أن تنجو بنفسها متنصّلة من مسؤوليتها في حماية الناس، راجمة المهمّة على ظهر «القاعدة». استثمار الشاشة وتشييء مَن يراها، وتسكينه في منطقة بعيدة عن آدميته. المهم أن تبقى السلطة ناجية من أيّ مساءلة، ولا يهم ما حصل من خراب في نفوس المواطنين. حدث هذا في كانون الأول (ديسمبر)، لكن آثاره ما زالت حتى اليوم. قبل يومين، كتبت طبيبة الأسنان زينب (27 سنة) على الفايسبوك: «لم أعد كائناً سوياً، كلما دخلت عيادتي، أكون منتظرة للحظة التي سيأتون فيها لقتلنا!».

يمكنكم متابعة جمال جبران عبر تويتر | @jimy36