«الحشويّة» مصطلح كان يُطلق في تاريخ الإسلام على تلك الفئة من المسلمين الذين يتمسّكون بظاهر النص الديني ويرفضون العقل والتفكير في شؤون الدين تماماً، أي القشور والظاهر دون الجوهر والغايات... وقد أودى بهم تزمّتهم وانغلاقهم العقلي إلى وضعية صاروا فيها محلّ سخرية وهزء من أغلب مذاهب الإسلام، خاصة مع رفضهم – أو بالأحرى عجزهم – عن المحاججة والنقاش. كانوا يفهمون النصوص بحرفيتها ويرفضون كلياً أي تأويل لها، وذلك قادهم إلى آراء سقيمة ومثيرة للنفور من قبل غالبية المسلمين. مثلاً، كانوا يقولون إنّ لله عينين، ويديْن، وإنه يتحرك من مكان إلى آخر، ويجلس على كرسي، وإنّه على صورة آدم... وكانوا يقولون إنّ إرادة الله ومشيئته تتحكّمان في الإنسان وتسيّرانه في كل شؤونه، وغير ذلك الكثير الكثير من كلام أخذوه من ظاهر نصوص القرآن والسُّنة.

بقي حالهم كذلك، فئةً صغيرةً وغير مؤثرة في عالم الإسلام، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن السادس الهجري، فتغيّرت الأحوال! جاء ابن تيمية لينقذهم ويخرجهم مما هم فيه من تقوقع وتردٍّ. كان ابن تيمية عبقرياً، لا شك في ذلك، وصاحب قدرات عقلية عظيمة. والمفارقة أنه سخّر مواهبه الفذّة تلك وعقله الجبّار في محاربة العقل ذاته! وكانت لديه مقدرة هائلة على النقاش والمحاججة والجدال، وكان يستخدم الأدوات العقلانية في كتاباته وآرائه. ما حصل أنّ ابن تيمية تولى مهمة عُظمى وشاقة نفّذها بنجاح كبير: تقديم دفاع شرعي ومنهجي قوي جداً ومتماسك عن كل مقولات مذهب الحشو والحشويّة. لقد قام ابن تيمية بالرد على كل خصوم الحشوية من مذاهب الإسلام كلها، ونجح في تهذيب وتشذيب مقولات الحشوية بحيث صارت أكثر قبولاً وأقل تنفيراً ونشوزاً، من دون المساس بجوهرها. وأهم المحاور التي نجح ابن تيمية في إعادة صياغتها وإخراجها في حلةٍ جديدة يمكن تلخيصها كما يلي:
ـــ مسألة تشبيه الله للإنسان: فقد طوّر نظرية أننا نصف الله بما وصف به نفسه، وبالتالي نثبت الأعضاء لله من ساقٍ ووجهٍ ويدين... ولكن تلك الأعضاء لا تشبه أعضاء البشر وإنما هي تليق بجلاله وعظمته، ونحن لا نعلمها.
ـــ مسألة تجسيم الله: ابتدع ابن تيمية نظرية «البلكفة» التي تتلخص في أنّ الله يتحرك صعوداً وهبوطاً، ويمكن رؤيته يوم القيامة وأنّ له عرشاً يستوي عليه. لكنّ ذلك كله ليس كما يدور في أذهاننا نحن البشر، بل إنّ الكيف غير معلوم. نثبت الصفات له، ولكن «بلا كيف»!
ـــ مسألة القضاء والقدر، وعلم الله الأزلي: فقد طوّر نظرية أنّ الإنسان مخيّر ومسيّر معاً! وأنّه صحيح أنّ الله بإرادته يخلق أفعال العباد وقدّرها عليهم، لكنّ الإنسان ليس مجبراً لأنه لا يعلمها! وبالتالي نفى عنهم نعت «الجبرية» من دون تغيير الفهم والمعتقد.
ـــ مسألة «الفتنة» وطاعة الحاكم الظالم: فقد طوّر ابن تيمية نظرية «ملكٌ غشوم ولا فتنة تدوم» و«60 عاماً مع إمام جائر خير من يوم واحد بلا إمام» و«‏اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم‏» وأنّ الناس عليهم «لزوم الجماعة» وأن يعاونوا الحاكم على البرّ والتقوى وينصحونه من دون الخروج عليه.
هناك مسائل أخرى كثيرة يطول الكلام بشأنها. وبناءً على ذلك، صار للحشوية «مذهب» متكامل الأركان، وصار عندهم حجج وقدرة على المناظرة والرد على الخصوم، بعدما كانوا لا شيء.
وحشويّة زماننا من سلفيّة ووهابيّة كلهم عالة على ابن تيمية، ومذهبهم يرجع إليه، بالفاصلة والحرف.
* كاتب وباحث من الأردن

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا