«ربمّا تكون أعلى مظاهر الهيمنة قُدرتها على التّواري عن الأنظار» (ميشيل-ولف ترولوت 1949 – 2012)

التاريخ يكتبه المهيمنون. تحدّث فوكو - مستنداً إلى ماركس - عن تمظهر القوّة (أي الهيمنة بالتعبير الغرامشيّ) في احتكارها (العمليّ) للقدرة على السّرد كوسيلة لإنتاج التاريخ نفسه، بغضّ النظر عن الأحداث الحقيقيّة التي خرجت عن الذاكرة الحيّة للبشر وأصبحت في عهدة الماضي. لكنّ الهيمنة تظلّ دائماً خفيّة تمارس سلطتها الطاغية من خلف الكواليس، إلى درجة أن تحليلها يكاد يكون متعذّراً، لكنّها موجودة في كل لحظة: في مكان سكنك، وعلى طاولة طعامك، وفي مجال عملك (أو تبطّلك)، في الكتب التي تقرأها، وبالتأكيد أيضاً في الأفلام التي تشاهدها.
تتذكّر ذلك ــ إن كنت نسيته لحظة ـــ عندما يكون «أهم منتج هوليوودي هذا العام» وفق الصحافة الأميركية، مكرّساً للرّيس فريد هامبتون (تشيرمان فِريد) الثوريّ الماركسيّ اللينينيّ وقائد تنظيم «الفهود السّود» في إلينوي (شيكاغو) الذي اغتالته (عام 1969) فرقة خاصة مشتركة من مكتب التحقيق الفيدرالي وشرطة شيكاغو وهو نائم في سريره.
كان تنظيم «الفهود السود» (تأسّس في أوكلاند عام 1966) بالنسبة إلى النخبة الحاكمة في واشنطن «أخطر على الولايات المتحدة من الصين وروسيا» لأنّه اقترب من حدود كسر لعبة الهويّات العرقيّة المتناقضة (البيض ضد الملوّنين، والملوّنون في ما بينهم) التي توظفها الإمبراطوريّة لشلّ الطبقة العاملة الأميركيّة وصرف أنظارها عن الصراع الطبقيّ، عبر تأسيسه منصةً ثوريّة تهتدي بالماركسيّة اللينينية وتفتح الباب مشرعاً لتوحيد جهود كل المستضعفين، بغضّ النظر عن لون بشرتهم وأصولهم ومنابتهم في مواجهة العدو الحقيقي: النخبة الرأسماليّة. منصّة امتلكت أيضاً رؤية واضحة بشأن أسلوب التغيير: تفكيك المنظومة الرأسمالية. لذا، كان القرار حاسماً وصريحاً في واشنطن (إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ومديره للتحقيقات الفيدرالية جون إدغار هوفر): يجب إنهاء هذه الحالة الثوريّة قبل تفاقمها إلى ثورة شعبيّة تامّة، وبكل الأدوات المتاحة بلا قيود. وهكذا انطلق مشروع «كوينتلبرو» الذي كان أكبر جهد منظّم في تاريخ الدولة الأميركيّة لاختراق الجماعات المحلية (التخريبية). وأمكن للسلطات تصفية قادة الفهود السود بالاغتيال واحداً واحداً، وتلفيق التهم للصف الثاني وزجّه في السجون بأحكام مضاعفة بحيث لا يخرج أحد منهم حيّاً.
فِريد هامبتون قائد «الفهود السود» في فرع ألينوي شيكاغو كان أحد أهم المستهدفين، ليس فقط لكاريزماه الهائلة وهو لمّا يبلغ العشرين من العمر، بل لموهبته العبقريّة في القيادة والتنظيم، وقدرته الاستثنائيّة على توعية الجماهير، بوضوح ساطع، عن أسباب أوجاعها من خلال فضح التشابك بين العنصريّة العرقيّة وجشع رأس المال والإمبرياليّة بلغة مفهومة للعوام والشبّان والبسطاء. لقد كان مثقّفاً عضوياً منتمياً إلى طبقته ومن طراز رفيع. لكن خطورته على النظام بلغت أوجها بعدما نجح في كسر العداوات والحواجز بين الفئات المتصارعة على الأرض في الولاية وبناء تحالف طبقي (عُرف بـ «قوس قزح») جمع بين الفهود السود، و«منظمة الوطنيين الشباب اليساريين»، ومعظمهم من ذوي البشرة البيضاء، و«اللّوردات الشباب» وهو تنظيم يدافع عن حقوق الأقليّة البورتوريكية، كما بعض تيارات وجماعات مؤثّرة من الأقليّات السوداء واللاتينيّة في أجواء التململ التي أصابت الشعب الأميركي بشأن حرب فيتنام (1955 – 1975) وتصاعد حركة الحقوق المدنيّة والمرارة من اغتيال مالكولم إكس. لقد كان المجتمع الأميركي وقتها كما مرجل يغلي. وبعكس الصورة التي كانت تروّج لها السلطات عن «الفهود السود» كإرهابيين لا يتورّعون عن استخدام السلاح وتنفيذ الاغتيالات، فإن قوّة الريّس فريد كانت في تركيز العمل اليومي للتنظيم (سوى مهمات التوعية والتنوير) على توفير ما امتنعت الدولة عن تقديمه للتّجمعات الحضريّة للفقراء من وجبات إفطار مجانية للصغار، وعيادات طبيّة عامّة، وتسيير دوريات لمنع الاعتداءات (المتكررة) على الأقليّات ولجم العنف في أحيائها.
وبالفعل، ومن خلال عملائها المزروعين داخل التنظيم، تم رصد وجود الريّس فِريد في شقة مع عدد من رفاقه، ونفّذت وحدة خاصة من قوة مشتركة من مكتب التحقيقات الفيدرالي وشرطة الولاية، هجوماً غادراً بالأسلحة الرشاشة قبيل فجر الرابع من كانون الأوّل (ديسمبر) 1969 بقليل.
ادّعت السلطات وقتها بأن القوة التي حضرت لتنفيذ أمر تفتيش عن أسلحة غير قانونية تعرّضت لإطلاق نار من دون تحذير، ما دفعها إلى الرد. أمر تسبّب في مقتل الريّس فِريد (بينما كان نائماً في سريره وكان عمره حينذاك 21 عاماً) ورفيقه مايك كلارك (22 عاماً)، وإصابة بقيّة الموجودين في الشقة بمن فيهم صديقته (كانت حاملاً بابنه الوحيد). لكنّ تحقيقاً لاحقاً توصّل إلى أنّ القوّة المهاجمة بادرت إلى شنّ هجوم وأطلقت ما مجموعه 99 طلقة مدفع رشاش مقابل رصاصة واحدة يتيمة أطلقها أحد الفهود من مسدسه الشخصيّ. وقد أظهرت وثائق كُشف عنها لاحقاً أن هوفر شخصيّاً أصدر الأوامر بتصفية الريّس فِريد، وأن مكتب التحقيقات قدّم بالفعل مكافأة مجزية للمخبر أونيل مقابل المعلومات التي أدت إلى تحديد موقع الشقة. ومع ذلك، رفضت هيئة المحلفين الفيدرالية الكبرى توجيه الاتهام إلى أي شخص محدد متورط في جريمة الدولة هذه، ووافقت السلطات في النهاية على دفع 1.85 مليون دولار لأسرتي هامبتون وكلارك وجرحى عمليّة المداهمة الغادرة كتعويضات لإغلاق القضيّة.
بالطبع، كان تأثير تغييب القادة دراماتيكياً على التنظيم الذي ما لبث أن أُخرج عنوة من الجغرافيا والتاريخ معاً، فكأنّه لم يكن. ولذا يعرف الأميركي العادي اليوم عن الغزو الأميركي للعراق أكثر بكثير مما يعرفه عن تاريخ نضالات السود والفقراء داخل الولايات المتحدة ذاتها، فيما يقتصر حضور السود في الثقافة العامة على أسماء هادنت النظام وكانت بشكل أو آخر جزءاً منه: فريدريك دوغلاس، مارتن لوثر كينغ الابن أو بالطبع طاقم «قرود الترفيه» من مغنيات ورياضيين وما شابه.
هوليوود، مصنع البروباغندا الأميركي الأوّل، صمتت خمسين عاماً عن قضيّة «الفهود السود» ومسألة العنصريّة العرقيّة عموماً. وهي إن اضطرت، قدّمت أعمالاً تحكي قصص الأميركيين السود من وجهة نظر البيض. الأعمال الدرامية الحائزة جوائز أوسكار مثلاً وبدلاً من استكشاف دواخل الشخصيات السوداء وصراعاتها الوجوديّة، تتوجه إلى جمهور أبيض وتلقي عليهم دروساً في كيفية إدارة حضورهم – كبيضٍ – بينما هم على مقربة من السواد: «الجانب الأعمى» The Blind Side (الأم البيضاء بالتبني تقوم بمساعدة لاعب كرة القدم الأسود)، «المساعدة» The Help (صحافي أبيض يستيقظ ضميره على المظالم التي يتعرض لها السود) أو «الكتاب الأخضر» Green Book (سائق أبيض يساعد عازف البيانو الأسود). الاستثناء الوحيد ربّما كان سيرة مالكوم إكس بتوقيع المخرج سبايك لي (1992). فلمَ يتم اليوم استدعاء حكاية الريّس فِريد تحديداً في فيلم موجّه إلى السوق الأميركي الرئيسي مثل Judas and the Black Messiah (أُطلق في 12 الشهر الحالي في عدد من صالات السينما كما يتوافر على منصّة الستريمينغ HBO Max وتتولى توزيعه وورنر بروذرز)؟
لقد أدّى القتل العلني لجورج فلويد على أيدي الشرطة الأميركيّة إلى صدمة في أوساط الأقليّة السوداء وأنتج موجة احتجاجات هي الأوسع منذ عقود، وبدأ كثير من الشبان السود – والبيض أيضاً - إلى التوصل إلى قناعات مطابقة لما توصل إليه «الفهود السود»: العنصريّة العرقيّة ضد السود سمة مركزيّة في تكوين النظام الرأسمالي الأميركي، وليست علة عابرة يمكن معالجتها بالإصلاحات والتعيينات الانتقائيّة لبعض الأفراد الملوّنين في مناصب عامّة بارزة، بما فيها منصب الرئيس الأميركي نفسه. شرع كثيرون باستكشاف التراث الثوري لأبطال مرحلة الستينيات ومنهم القائد الشهيد فِريد هامبتون. هوليوود أرادت أن تؤثر في مجرى النقاش العام عبر تقديم Judas and the Black Messiah والرسالة دائماً التأكيد على عبثيّة التغيير (الثوريّ)، وأن العنف المتبادل معركة خاسرة للطبقة العاملة – وكل المستضعفين – وللأفراد المنخرطين فيه والمحيطين بهم بمن فيهم المخبرون والعملاء.
الفيلم (إخراج شاكا كينغ) يتمحور حول حادثة اغتيال الريّس فِريد (يلعب دوره دانيال كالويا)، والتحضيرات المتعلقة بها، وتحديداً دور مخبر السلطات ويليام أونيل (ليكيث ستانفيلد) الذي كان نجح في التغلغل داخل التنظيم وتولّى دور سائق القائد ومسؤول أمنه. وهكذا يصمت الفيلم عن الجوانب الإنسانية التي شكلت تجربة الريّس المغدور، وتأثيره البالغ في تطوّر الحالة الثوريّة في المدينة، وتكتفي بإظهاره خطيباً بارعاً يستخدم الشعارات لإثارة حماس أتباعه. حتى العلاقة الرومانسيّة التي جمعته بديبورا جونسون (دومينيك فيشباك) بدت ضعيفة ومفتقدة للدفء، فيما الجزء الأكبر من وقت الشريط المهلهل يتركّز على شخصيّة المخبر، ما يوازي يهوذا الإسخريوطي في القصّة التقليديّة لخيانته عيسى الناصري وتسليمه للغزاة الرّومان، ووجهة نظره عن الأحداث. فلا نحن نحصل على تعقيدات وجماليّات التجربة التحرريّة الثوريّة الأنقى في تاريخ الحرب العرقيّة في الولايات المتحدّة المفتوحة منذ 400 عام، ولا نسبر قبح العمى الأيديولوجي للنخبة الحاكمة في الإمبراطورية التي كأنّها «روما جديدة» بكلّ صلفها. حتى الصراع السايكولوجيّ الروحيّ الذي عاشه أونيل (تسبّب في النهاية بانتحاره بعد 20 عاماً على اغتيال الريّس) يقدّم في الشريط مسطحاً وبارداً وباهتاً، ولا نتمكن في أي لحظة من إدراك مراميه العميقة. وعندما سئل في بداية الشريط لدى التحقيق معه من قبل روي ميتشل (جيسي بليمونز) عن مشاعره حول جرائم قتل مارتن لوثر كينغ جونيور ومالكولم إكس، كانت إجابته: «لم أفكر في كل ذلك أبداً». لكن الفيلم لا يبين لنا أبداً ما الذي كانت تفكر فيه الشخصية فعلاً، وما دوافعها، وما يعنيه افتقارها إلى الفهم السياسي داخل هذا المشهد السياسيّ بامتياز.

الفيلم أقرب إلى منتجات تسليع الشخصّيات الثوريّة وتحويلها إلى رموز ومواد استهلاكيّة

وفيما ينقل الشريط مقاطع لأونيل (الحقيقي) من فيلم وثاثقي قديم («عيون على الجائزة» – 1990) وهو يجيب عن سؤال حول ما كان سيقوله لابنه عن أفعاله أواخر الستينيات وأوائل السبعينيّات: «لقد كنت جزءاً من النضال»، «لم أكن واحداً من ثوار الكنبة إياهم، على الأقل كانت عندي وجهة نظر، وقد وضعتها على المحك»، لا تعثر على أيّ من هذا التعقيد والتناقض في أي مكان في الفيلم.
تصوير الفيلم يفتقر بشدّة إلى نقلنا للأجواء الحقيقيّة للحدث. فلا شيكاغو موجودة بإيقاعاتها وخصوصياتها بأي شكل محدد مكانيّاً أو زمانيّاً، ولا ندرك خلفيّة الانقسامات العرقية الصارمة والديناميّات التي شكّلت أجواء المرحلة، ولا تبدو مشاهد القبضات المرفوعة والأنشطة (الثوريّة) مقنعة. يقدَّم العنف فقيراً إلى حد التقشّف، حتى في ذروة عمليّة الاغتيال، فيكاد يُنسى، وتهمل ماركسيّة الريّس ومرجعياته الفكريّة، ويتم المرور على تحالف «قوس قزح» كأنّه مجرّد ائتلاف عصابات. ولم تساعد أعمار الممثلين في إعطاء إحساس حقيقيّ بالأشخاص: كان أونيل في السابعة عشرة من عمره عندما تم تجنيده من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، وفي العشرين عندما قتل الريّس فِريد؛ فيما ستانفيلد وكالويا في أوائل الثلاثينيات من عمرَيهما.
يبدو Judas and the Black Messiah أقرب إلى منتجات تسليع الشخصّيات الثوريّة وتحويلها إلى رموز ومواد استهلاكيّة بغرض التربّح من مشاعر السذّج (تي-شيرتات غيفارا، وبطاقات عيد الميلاد بماركس يلعب دور بابا نويل، وصورة مؤسس تنظيم «الفهود السود» هوي نيوتن في جولة المغنيّة بيونسيه العالميّة 2016....). هنا يتم تغييب الإنسان الثوريّ وراء الرّمز المسطّح. وهذا تماماً ما يحدث عندما تسلّم لماكينة الخطاب الإمبراطوري لـ «روما الجديدة» مهمّة إنتاج شريط سينمائيّ عن قائد ماركسيّ راديكالي مناهض للرأسمالية وللإمبريالية وللعنصريّة العرقيّة اتُّخذ قرار تصفيته من قبل أعلى المستويات في السلطة الأميركيّة، خوفاً من تحوّله إلى نبيّ أسود، فلاديمير لينين جديداً يقود نضال الطبقة العاملة في شيكاغو. الريّس فِريد يستحق بالتأكيد عملاً أفضل بكثير من هذا الهراء المصوّر.

* Judas and the Black Messiah على HBO Max

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا