للروائية اللبنانية ناتالي الخوري غريب، قدرة هائلة على تطويع ذائقة الكتابة الأدبيّة لديها، بين الرواية والنقد وكتابة نصوص سرديّة شذرية، تتأمّل طبيعة الحياة اليومية، في ما يتعلّق منها بأشياء وتصوّرات ميتافيزية في الأساس. التعدّد الذي تعيشه الكاتبة في جسدها، يعود بالأساس إلى قدرتها على ممارسة سياحة ثقافية، تُغذيها بشغف القراءة وفتنة الاشتغال داخل أجناس أدبية مُختلفة من القصة إلى الرواية وصولاً إلى النقد، وإن كانت الكتابة الأدبيّة في إطارها التخييلي، أحد أبرز الاشتغالات، التي ميّزت تجربة ناتالي الخوري، وجعلتها في مقدّمة التجارب الروائية اللبنانية، فيما يتصل منها بالوجوه الجديدة، التي اكتسحت الكارتوغرافيا الروائية العربيّة وانفتاحها ليس بالضرورة على قضايا محلية لبنانية أو عربيّة. إذ أنّ الكتابة لدى ناتالي، تتخذ أبعاداً لا تُقيّد نفسها داخل نسق واحد أو جغرافيا مُحدّدة، بقدر ما تعمل على توسيع دائرة التخييل وتدقيق الرؤية أكثر في محاولة القبض عن المنسيّ والمكبوت في ذواتنا.


اشتغلت ناتالي الخوري غريب على التراث الصوفي في دراساتها النقدية لنماذج من الشعر العربي

على هذا الأساس، فإنّ القارئ لروايتها الجديدة «الطريق الرابع» (دار نينوى ــ 2021)، يكتشف هذا البُعد الجمالي والصوفي، الذي تحبل به كتابات ناتالي. بعد جعل مفهوم الكتابة عندها، يبدأ من الذات وقلقها وينتهي داخلها، من دون الاهتمام باستعارة واقع منكوب أو الركوب على موجة إعلامية أو حتى قضية سياسية أم اجتماعية. بهذا المعنى، تغدو الذات لدى ناتالي الخوري، مُختبراً حقيقياً للتفكير والتجريب وطرح أسئلة موجعة عن حياتنا «الطبيعية». إنّ ناتالي وهي تختار لنفسها الانزواء في ذاتها باعتبارها مسكناً، تكون قد تخلّصت ضمنياً من كل الرواسب الثقافية والتاريخية البرانية، التي تنشأ خارج النص الروائي وتُحدّد وتصوغ عوالمه تأليفاً وتخييلاً، بحيث بدت الرواية العربيّة كأنّها سرديات أيديولوجية، تتنطّع إلى الغوص في سراديب واقع منكوب سياسياً واجتماعياً. لكن المُلاحظ هو أنّ هذه السرديات، لا تعمل سوى على تأكيد التاريخ أو نفيه، فيكون موقفها سلباً أو إيجاباً. وهذه الطريقة في النظر إلى الماضي لا تصنع مُتخيّلاً روائياً، بقدر ما تكون الكتابة أشبه بتقارير أدبيّة عن قضايا سياسية واجتماعية، تهدف في حيثياتها إلى التعلّق بالأحداث المهمّة، التي مرّت بها المنطقة العربيّة منذ عام 1967، باستثناء أعمال سرديّة قليلة، تجاوزت في أنماط كتابتها التاريخ الرسمي المُدوّن كذباً وبهتاناً، صوب كتابة تنحت الذاكرة وتُرمّم شروخ الواقع، وما يحبل به من تناقضات عقيمة. إذ أضحت بعض الروايات العربيّة، تكتب ببراعة تاريخاً مُضاداً ومُتنصّلاً من ربقة التقليد ومُتحرّراً من عنف المُؤسّسات القمعية وجبروتها في حق الأفراد وتاريخهم. وهذا الأمر، أفضى منذ سبعينيات القرن العشرين، إلى بروز روايات عربيّة، تعمل على تشكيل المعنى وتخييل التاريخ السياسي وليس كتابته أو حتى توثيقه. ومع أنّ هذا الموروث السردي للرواية الحديثة وطريقة النظر إليها ومُعاينتها، قد اختلفت وتبدّلت أحوالها الفنية والجمالية، ما زالت اليوم تجارب عربيّة تعمل بقوّة على هذه السياقات السياسية والاجتماعية، التي تنشأ على توجيه الكتابة الأدبية والتدقيق في تفاصيلها ونتوءاتها. لكن ناتالي الخوري غريب وبانتمائها إلى الجيل الجديد، فإنّها تبدو أكثر تحرّراً وانفلاتاً من أنماط الرواية الحديثة الموغلة في خراب السياسة والذاكرة والحرب والتاريخ من خلال التركيز على مواجع الذات وما ينخرها من أسئلة قلقة حول مصير الفرد داخل وجوده.
ففي «الطّريق الرّابع»، تتخلى ناتالي الخوري عن مروية الواقع وتفاصيله، في الوقت الذي يزداد فيه الاهتمام روائياً بميثولوجيات الواقع العربي، وما ينصهر في جسده من ألم وتنكيل. تستبدل الكاتبة التفكير داخل قالبها الروائي، بنوع من حساسية شعريّة مُستندة إلى الخلق الإبداعي. اللّغة عندها هي من يُحدّد مجرى السرد ويرسم للحكي طريقه الآمن، صوب كتابة تتأرجح بين براعة التخييل ولذة السرد. وهذا الارتكاز إلى الحكي عند ناتالي الخوري، يشغل جميع فصول الرواية وبالمستويات الفنية نفسها من حيث ارتفاع منسوب هذا الحكي. لكن تكسّر حدّته من حين إلى آخر، وقفات تأملية تقرأ الذات داخل سياقها، وتُحاول جاهدة أن تجعل الحكي يتخذ أبعاداً مُتشعّبة تتعلّق بالحب والخسارة والانتصار والحلم. هذه الوقفات المُتكرّرة لدى ناتالي، هي ما تُسهم ضمنياً في تغذية شعور القارئ بأهميّة الحياة (شخصية ناردين)، التي نعيشها.


كما تلعب دوراً كبيراً في تشكيل النسيج الروائي وتطويع عوالمه بمُفردات شعريّة تتملّص من طبيعة الكتابة الروائية على حساب لغة وجدانية رومانسية، تتوغّل أكثر في مسارب الجسد وتمنح القارئ نوعاً من الهدوء لتتبّع مجريات الرواية والانصياع بشكل كليّ إلى حكاية النصّ الروائي واستيهاماته الفكرية وتخيّلاته الوجدانية، عن طريق خطاب أدبيّ مُراوغ، يُضمر في طيّاته الكثير من الأجناس الأدبيّة والقوالب الفنية المُتنوّعة، بين مونودرامية مسرحية وجماليّات تشكيل سينمائيّ، يهتم بتفاصيل دقيقة للمَشاهد. أمرٌ يعود إلى كون أنّ لغة ناتالي الخوري، رغم أنّها مكتوبة، فإنّ تجنيح لغتها، يجعلها أقرب إلى تشكيل بصري، في ما يتصل بوصف الشخصيات والأكسسوارات وحدّة السرد ومتانة الحكي. فتشكيل الخطاب الروائي بصرياً، أهم ما يُميّز «الطّريق الرّابع» ويجعلها تحتفي مرئياً بسيرة شخصياتها ووقائعها، سواء على مستوى التأليف وعناصر الحكاية وقدرة الكاتبة على الاهتمام بتفاصيل صغيرة على مستوى خطيّة السرد أو على مستوى تشكيل المَشاهد والمُساهمة في تجميلها، بطريقة تتجاوز عملها كروائية وتدخل في اشتغالات السينمائي أو المسرحي. لكن ما ينبغي التشديد عليه في هذا العنصر الجمالي المُتمثّل في البُعد البصري، الذي تحبل به الرواية، لا تتحكّم فيه أحياناً دوافع الكاتبة، وإنّما يأتي بطريقة لاوعيها على مستوى الرؤية، أي انطلاقاً من لغة أدبيّة، تعمل الكاتبة وفقاً لمُخطّطها ومسارها. لغة تجد زخمها البصري داخل ما نُسميه بـ «اللغة الصوفية» التي ترتكز إلى الإشارة وتكثيف الرؤية، رغم أنّ عملية الفهم (بالنسبة إلى القارئ) تظلّ قاصرة ومُلغّزة وتحتاج إلى تفسير أكثر، لا تتحكّم فيه عوامل معرفية نظرية، وإنّما حجم التماهي، الذي يُحقّقه جسد القارئ مع النصّ الروائي/ الصوفي قبل الانطلاق في عملية الفهم، بحيث إنّ اللغّة الصوفيّة أكثر تنطّعاً من أن تُقدّم نفسها بسهولة إلى قارئ مُتسرّع. على هذا الأساس، ظلّت لغة الصوفيين خلال العصر الوسيط أكثر جدلاً بالنسبة إلى المُثقّفين والسلاطين، الذين لا يفهمون ما يكتبه المُتصوّف، بسبب حجاب مُتعدّد طبع هذه اللّغة وجعلها تكتسب بالحسيّ والحميميّ وليس بالمعرفي الذي يتحكّم به العقل، وهو ما يبرز بقوّة في رواية «الطريق الرابع».
تتخلّى عن مرويّة الواقع وتفاصيله في الوقت الذي يزداد فيه الاهتمام روائياً بميثولوجيات الواقع العربي


اشتغال ناتالي على التراث الصوفي في دراساتها النقدية لنماذج من الشعر العربي، قادها إلى الوقوف بحصافة على هذه «المعرفة اللامرئية» التي يكتسبها المرء من قراءة المتن الصوفي وما يمنحه من مسرّات على مستوى بياض اللّغة وقوّة التخييل وضيق العبارة واتساع الرؤية على حد تعبير أقطاب التصوّف العربي والفارسي. لكن هذا الموروث الصوفي، لا تلبث الكاتبة أن تُوظّفه ببراعة، وبدون وعي منها. يتسلّل خلسة إلى ذاتها وينصهر مع اللغة الروائية، خصوصاً في استيهامات شخصية دانيال (الرسّام) في علاقته باللوحة ومباهج اللون وأوجاع التخيّل. وبقدرما تحضر «اللغة الصوفية» الحسيّة في ثنايا خطابها الروائي، ثمّة نزعة رومانسية مُفرطة لدى ناتالي، تتشابك مع اللغة الأخرى، وتضفي على الرواية أبعاداً فنية وجمالية. لكنها في أحيان أخرى، تُسطّحها على مستوى حدّة الحكي وكثافة السرد. وفي غياب حيثياث الواقع، فإنّ ناتالي تصوغ حكاية مُتخيّلة، قد تكون مُنتزعة من واقعها المحلي اللبناني أو العربي ككّل، لكنّها تبدو في مراحل أخرى مُتقدّمة، أكثر خيالاً من انتماء أو غوص في واقع ما. لهذا، فإنّ الحكاية هنا، تستعير توهّجها، انطلاقاً من اللغة الروائية وما ترسمه من ظلال في مُخيّلة القارئ، عبر تأمّلات وجودية بمثابة وقفات (لاوعي الكاتبة). فهذه التأملات الوجدانية تُكمّل الحكي وتُقدّم أكثر شخصية «ناردين» بوصفها امرأة من لحم ودم، وليست مُتخيّلة وحالمة كما تُقدّمها الكاتبة في فصول مُعينة. مع ذلك، لا يُمكن اعتبار الرواية فلسفية فقط لأنّها تتأمّل طبيعة الأفراد وعلاقتهم بالوجود، الذي يعيشون فيه، لأنّ مُنطلقاتها ليست فلسفية، إنّما حسيّة ووجدانية ورومانسية إلى أبعد حدود، تنطلق من الذات وتعود إليها دوماً، بغية إعادة صياغة رؤية أكثر تماسكاً عن الفرد ومواجعه الوجودية، التي قد تقذف به إما إلى الإفراط في الحب أو الجنون أو الانتحار وغيرها من الثنائيات النفسية والوجودية، التي اشتغلت عليها بشكل مُضمر الرواية ومستوياتها السردية وعناصرها الفنية والتخييلية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا