الثلاثاء الماضي، علم ناثان روبنسون، المتخصّص في شؤون السياسة الأميركية، والكاتب في صحيفة الـ «غارديان» (الطبعة الأميركية)، أنه خسر وظيفته في الجريدة البريطانية. كتب روبنسون مقالاً مطوّلاً شرح فيه ما حدث معه ونشره في مجلة «كارنت افيرز» اليسارية: «لقد أوضحوا لي الأمر بشكل جلي. تغريدتك عن إسرائيل أزعجت رئيس التحرير. أنت مطرود الآن، لا تحاول مجدّداً». وكما أقرّ بنفسه، لم يفكّر روبنسون قط في «عواقب انتقاد حكومة إسرائيل (والدعم الأميركي لها)»، بل كان يعتبر أنّه يتمتع بهامش واسع من «حرية التعبير». لكنه بمجرد إزعاجه المدافعين عن إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي»، طُرد من وظيفته! تغريدات روبنسون التي ألحقته بسيل من الصحافيين والمحللين الذين اضطروا إلى دفع ثمن انتقادهم لإسرائيل (مارك لامونت، هيل وتيم ويلكوكس، وهيلين توماس، ورلي جبري، وديانا ماجناي وغيرهم...) تعود في الحقيقة إلى شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي حين شعر بالاستياء و«الفزع» لرؤية تمويل جديد للصواريخ الإسرائيلية يتم تمريره في الوقت نفسه الذي مُررت فيه حزمة صغيرة جداً من المساعدات للشعب الأميركي لمساعدته على تخطي الأزمات التي تسبب فيها كوفيد ـــ 19. تساءل روبنسون في نفسه: «لدى إسرائيل الجيش الأكثر تقدماً على الصعيد التكنولوجي في العالم. هي قوة نووية تبسط هيمنتها شبه الكاملة على الفلسطينيين، وقد قدّمنا لها الكثير من المساعدات العسكرية التي لا تحتاج إليها. فلماذا إذن أثناء الوباء يقدم الكونغرس أموالاً لأنظمة صواريخ جديدة؟».


محمد سباعنة ـ غزة

وما لبث أن كتب تغريدتين ساخرتين مترابطتين، قال في الأولى: «هل تعلم أن الكونغرس الأميركي غير مسموح له فعلياً بأن يأذن بأي إنفاق جديد ما لم يكن جزءٌ منه موجّهاً لشراء أسلحة لإسرائيل؟ إنه القانون». ثم كتب في الثانية: «إن لم يكن هذا هو القانون المكتوب فعلياً، فهو متأصل جداً في العادات السياسية، بحيث لا يمكن تمييزه وظيفياً عن القانون».
في وقت لاحق من ذلك اليوم، تلقّى روبنسون بريداً إلكترونياً من جون مولهولاند، رئيس تحرير صحيفة الـ«غارديان» النسخة الأميركية. بند الموضوع في الرسالة كان «خاصاً وسرياً». أعرب مولهولاند في الرسالة عن قلقه من «ادعاءات» روبنسون، ووصفها بالأخبار الكاذبة. وأضاف: «ليس واضحاً لديّ كيف يمكن أن يخدم هذا الحوار العام، ولست متأكداً لماذا تم اختيار المساعدات المالية لإسرائيل في تغريدة تفتقر إلى أي سياق، وبدون ذكر المساعدات التي تتلقاها أو تلقّتها تاريخياً بلدان أخرى.... يغضبني أنّ شخصاً يقدم نفسه على أنه كاتب عمود في الـ «غارديان» أن يخرج بتصريح واضح بأنه خطأ بدون أي سياق/ تبرير».
عندئذ، وخوفاً على وظيفته، محا روبنسون التغريدة وأرسل إلى مولهولاند معتذراً. فردّ الأخير بأنه يقدّر الاعتذار وأشار إلى أنّ بالإمكان تجاوز الأمر. ولكنّ «شيئاً غريباً» حدث بعد ذلك وفقاً لمقال روبنسون. خلال الأسابيع القليلة التالية، لم يعد المحرر الذي كان يتواصل معه بشكل اعتيادي يرد على رسائله وساد «صمت غريب». بعدها اعترف له المحرر الخاص به أنّ رفض مقالاته هو نتيجة مباشرة لتغريدته، وأنه لولاها، لكانوا قبلوا بنشرها. إذاً، بات الأمر محسوماً لدى روبنسون الذي أدرك أنّه «عندما يتعلق الأمر بتوجيه النقد إلى إسرائيل، لا توجد سياسة «ثلاثة أخطاء»، مهما كان هذا النقد مبرّراً، ومهما كان بعيداً عن معاداة السامية». والحقيقة هي أنّ حذف التغريدة لم يجد نفعاً، فالكاتب وفق المتعارف عليه «تجاوز الخط، ومتى تفعل ذلك تكون قد انتهيت». وهذا كله في إطار سياسة يتم من خلالها اعتبار الحليف الإسرائيلي للولايات المتحدة فوق النقد، وهي سياسة لم تعد حكراً على إسرائيل وحدها، بل غالباً ما قد تُستثنى السعودية من النقد أيضاً.
ما حصل مع روبنسون لم يلقَ الكثير من الاهتمام الإعلامي في الصحافة الغربية، وكاد أن يمرّ مرور الكرام لو أنّه لم يسرد تفاصيل الحادثة وينشرها في المجلة التي أسّسها بنفسه عام 2015. وبطبيعة الحال، فإنه لم يجد أحداً من «المؤيدين ظاهرياً لحرية التعبير» إلى جانبه، فيما واجه على غرار كثيرين من منتقدي إسرائيل عواقب مهنية نتيجة آراء أدلى بها على تويتر. فهؤلاء يدافعون عن حرية التعبير بقدر ما تخدم مصالحهم في السيطرة على الرأي العام. أمر اعتادوا عليه، قبل أن تبدأ وسائل التواصل الاجتماعي في إعطاء منصة جديدة لأصوات مغايرة.
منتقدو إسرائيل، وبغضّ النظر عن قوة الأسس التي يعتمدون عليها، يُعاقبون بشكل روتيني من قبل المؤسسات العامة والخاصة على خطابهم. والسياسة المعتمدة هنا غير متصلة فقط بملكية وسائل الإعلام أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية عليها (التي لا يوجد شك، وفقاً لنعوم تشومسكي، في أنّ لها تأثيراً ساحقاً في وسائل الإعلام). لكن الأبرز هما الضغط والخوف اللذان يتحكّمان في وسائل الإعلام الأميركية، وفق نمط وثّقه «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية» (ACLU) يتم بموجبه «إسكات أولئك الذين يسعون إلى الاحتجاج أو المقاطعة أو انتقاد الحكومة الإسرائيلية بطريقة أخرى». وهو اتجاه «يتجلّى في حرم الجامعات، وفي عقود الولايات، وحتى في مشاريع قوانين لتغيير القانون الجنائي الفيدرالي»، و«يقمع كلام الناس من جانب واحد فقط». حتى باتت غالبية وسائل الإعلام التقليدية تمارس رقابة ذاتية على ما تنشره كي لا تبدو كأنها معادية لإسرائيل. إن الصحافيين والمحرّرين يفكّرون ملياً قبل توجيه أي نقد إلى إسرائيل، إذ أنهم يعلمون أنهم سيتلقون آلاف الاتصالات الغاضبة، واتهامات بمعاداة السامية تكون كفيلة في النهاية بإذعانهم للتوجيهات الإسرائيلية.
كشف الصحافي ما حصل معه في مقال نشره في مجلة «كارنت افيرز»


إنها في المحصّلة ثقافة إلغاء لطالما سعى عبرها الناشطون الموالون لإسرائيل إلى إسكات أي شخص يرون أنه ينتقد هذه الدولة الصغيرة التي ترعاها القوى الاستعمارية لزرعها في منطقة الشرق الأوسط. ثقافة يرجّح أن تشهد مزيداً من التصعيد فيما أصبحت الحاجة إلى مواجهة الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل أكثر إلحاحاً بعدما رفضت إسرائيل تأييد محادثات السلام مع الفلسطينيين وكثّفت جهودها لتحقيق خطط لضم أراض من الضفة الغربية في انتهاك للقانون الدولي. وبعدما باتت تحركات مثل «بي. دي. إس» (حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها) تلقى مزيداً من الزخم وصوتاً أكبر وفّرته لها وسائل التواصل الاجتماعي.
في مقاله، ختم روبنسون كلامه بالقول: «تبقى قصتي تافهة نسبياً، ويجب أن يظل التركيز على الفلسطينيين الذين ذُبحوا وشُوهوا بسبب العدوان العسكري الإسرائيلي. المشكلة الحقيقية في فرض الرقابة على منتقدي إسرائيل هي أنه يسهل على حكومة ذلك البلد الاستمرار في القتل. هذا هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار إسرائيل في ارتكاب جرائم مروّعة. إن التحدث بصدق وصراحة عن الحقائق، يستجلب رقابة سريعة. وتستمر انتهاكات حقوق الإنسان مع حصانة من العقاب. وعندما يستهدف القنّاصة الإسرائيليون الأطفال الفلسطينيين، فإن الـ«غارديان» متواطئة». في الحقيقة، الـ «غارديان» ليست وحدها!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا