انطفأ، أول من أمس، في عمّان، مريد البرغوثي (1944- 2021)، الشاعر الفلسطيني الذي طالما نأى بنصّه عن الهتاف رغم ثقل مأساته الشخصية. لم تكن فلسطين إذاً، رافعته الشعرية نحو المنبرية، إنما الاشتغال على تطريز ما هو متروك جانباً، بالنسبة إلى أقرانه، وتأثيث الفقدان بمعجم خافت، والنظر إلى الملموسات بساقين ـــ كما منحته الطبيعة ـــــ لا ساق واحدة. لهذه الأسباب أهمل عن قصد «شعر الكاكي المسلح»، وراح يتنزّه في الدروب المهملة لالتقاط الثمار الغريبة في حقل اللغة. سيلتفت باكراً إلى خطورة «اللغة المعلّبة» على قصيدته، وضرورة تشذيبها من الأعشاب الضارّة، ووضعها في مهبّ ذائقة استثنائية لا تتلاءم مع رغبة الحشود، من دون أن يعبأ بحجم الغنيمة.

في كتابه الشعري الأول «الطوفان وإعادة التكوين» (1972)، لم ينشغل بما كان يُشغل الآخرين لجهة الحماسة وقوة اليقين وآثار الهزيمة، إذ كانت الساحة تعجّ بالشعراء العرب المكرّسين، بالإضافة إلى أول هبوب موجة «شعراء الأرض المحتلة». مع ذلك، حجز مقعداً مشعّاً في واجهة «دار العودة» البيروتية، بطوفان مختلف ينطوي على رؤية ذاتية في إعادة تكوين العالم، بتأثيرات من ريح الثقافة العالمية، هو الذي درس الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة. لكن هذه الانتباهات الجانبية لماهية الشعر، كما يراه، لم تنضج باكراً، إذ صرف عشرات القصائد قبل أن يصل إلى معجمه الخاص في مغامرة محمومة لرسم تضاريس أخرى للقصيدة.
هكذا تشكّلت لديه فلسطين أخرى، ببوصلة دقيقة، هي رائحة أوراق البرتقال لا الرائحة المنبعثة من فوهة البندقية، لقناعته بأنّ النبرة الإيقاعية العالية تؤذي النصّ أكثر مما تغنيه، غير عابئ بالخسارات النقدية التي كانت تؤجج نصوص الآخرين بنار الحماسة والتضامن. فعلياً، لم يصل صوت مريد البرغوثي الشاعر إلى حيّز قراءة واسع، بالمقارنة مع مجايليه الإيقاعيين، وحتى مع ابنه تميم بمطوّلاته المضادة، فالذهاب إلى الشعر النقي يحتاج إلى عملٍ شاق على عكس قصائد الحشود المتاحة للذائقة الجاهزة. لنقل بأن صاحب «طال الشتات» لم يستعمل وصفة دائمة في مختبره الشعري، إنما كان يطوّر أدواته على دفعات، وفقاً لمشيئة النصّ نفسه، واحتياجات كيمياء الداخل لا الخارج، وصرف النظر نهائياً عن مزاج المتلقّي «التمرّد على أشكال التعبير السائدة المقولبة ليس خياراً للشاعر، بل هو الطريق الأوحد لجعل ما نكتبه مؤثراً» يقول. لعل هذه النظرة الحادة في تشريح مرايا النصّ وانزوائه إلى الظّل، وعدم استثمار المزاج التطريبي العام، هي جوهر تجربة هذا الشاعر، رغم ما تنطوي عليه السيرة الحياتية المتشظّية التي عاشها من أدوات تعبيرية تساعده من دون جهد إضافي على ردم المسافة مع المتلقي، مخلصاً لسلالة شعرية نادرة ونافرة تؤكد على أن «وظيفة الشاعر أن يُخرج المدهش من المألوف، والمباغت من العاديّ». هكذا يذهب مطمئناً إلى «موسيقى بلا نحاس»، نابذاً الزخرفة وكل ما يعيق المياه العميقة كي تتسلل إلى السطح بالتفاتة خاطفة: «كأنّ الطيور التي غادرت، هكذا، ليل أقفاصها، كلما خبطت في جهات الهواء، أبصرت حولها قفصاً باتساع» (زهر الرمّان). تتأرجح تجربة صاحب «منطق الكائنات» بين مرجعيات مختلفة. عدا نصوص الكثافة والتقطير التي تسم مساره الشعري، يلجأ إلى الفكاهة والمسخرة والحكمة كنوع من المجابهة مع أسباب القسوة. يعوّل صاحب «استيقظ كي ترى الحلم» على إعادة كتابة الفقد أو كتابة الخسارة، من دون أن ينزلق إلى ما هو مألوف ومكرّر. «في الشعر يجب أن تبدو الأشياء وكأنها تقال للمرّة الأولى» يقول.

نأى بنصّه عن الهتاف رغم ثقل مأساته الشخصيّة


على المقلب الآخر، وجد مريد البرغوثي في السرد ملاذاً متأخراً لكتابة سيرته، وإذا بكتابه «رأيت رام الله» يضعه في مقامٍ آخر، فقد ذهب إلى مسقط رأسه شاعراً وعاد روائياً. ففي هذا الكتاب السيروي، أعاد كتابة الأرض الأولى، من دون أن يتخلّى عن نبرته الشعرية، وإن بجرعات مضبوطة. كتاب يعيد ما هو غائب طوال ثلاثين عاماً من المنفى إلى صاحبه بمرايا مختلفة، وإن بزيارة مؤقتة، زيارة الغريب لا العائد، أو كما يقول: «يصاب المرء بالغربة كما يصاب بالربو. ولا علاج للاثنين. والشاعر أسوأ حالاً». سيستعيد أولاً، جسر نهر الأردن الذي عبره نحو البلاد في صورتين، الأولى حين اجتازه للدراسة، ولم يتمكّن من العودة، بعد هزيمة حزيران واحتلال الضفة الغربية، والثانية باتجاه الداخل. اختبار قاسٍ لمعنى اللجوء والاقتلاع والمنفى وفكاهة العودة المؤقتة أو كما يقول إدوارد سعيد: «إن التميّز الأساسي لكتاب «رأيت رام الله» (جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية) هو في كونه سجلّاً للخسارة في ذروة العودة ولمّ الشمل. سيحضر المنفى لا العودة». هوية سردية عن أوجاع الفلسطيني المنفيّ عن أرضه، ذلك الذي «لا يقيم في الأماكن وإنما يقيم في الأوقات». بالنسبة إلى شخص مثل مريد البرغوثي، سكن 45 منزلاً، وتنقّل بين ثلاث قارات، ماذا تعني له العودة، وهو يرى جندي الاحتلال، بعد كل هذا الترحال القسري؟ يجيب: «هذا الجندي ذو القبعة ليس غامضاً على الإطلاق. بندقيته هي تاريخه الشخصي. هي تاريخ غربتي. بندقيته هي التي أخذت منّا أرض القصيدة، وتركت لنا قصيدة الأرض. في قبضته تراب. وفي قبضتنا سراب». العودة إلى رام الله إذاً، هي تأكيد عملي لسجلّ المفقودين: غسان كنفاني، وناجي العلي، وأسماء من العائلة، لكنه لن يجد المذاق الأصلي لتلك الأيام، وتالياً فإن هذا الكتاب ليس عن الحنين كما يتهيأ لبعضهم: «الحنين يتضمن مشاعر كسولة رخوة لا تحثّ على عمل شيء لمواجهة الخسران. إنه جزء من الركون للهزيمة والتحسّر على المفقود (مكاناً) والمنقضي (زماناً)، أنا لا أستسيغ رخاوة كهذه» يقول. ستجذبه لعبة السرد مرّة أخرى في «ولدتُ هناك، وُلدتُ هنا» (2009)، في رحلة عائلية بصحبة رفيقة عمره رضوى عاشور وابنه تميم، بقصد تثبيت هوية الابن كفلسطيني، كما سيكتشف عن كثب حجم الدمار العمراني والنفسي الذي خلّفه الاحتلال في حياة الفلسطينيين، معوّلاً على قوة الإرادة، والمراوغة في صناعة فن العيش والغضب لا الاستسلام، حتى إنه يلجأ إلى سيارة إسعاف للعبور من حاجز إلى آخر.
غاب مريد البرغوثي على بعد أميال من رام الله، ولن يسمع «طقطقة خشب الجسر» ثانيةً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا