في منزل باريسي كبير، في قصر مخبّأ في زاوية في منطقة بيغال المشهورة، منطقة مزارع الكروم سابقاً، والملاهي الليلية لاحقاً، توفي جان كلود كاريير أثناء نومه (1931 ــــ 2021). درج البيت تهيمن عليه صورة كبيرة لمأدبة غداء على شرف لويس بونويل عام 1972. ألفرد هيتشكوك، بيلي وايلدر، جورج كيوكور كانوا من بين الحاضرين. في القصر مئات الأوراق التي احتفظ بها بشكل منهجي في صناديق من الكرتون. كتب فيها أفكاراً، عبارات، خطوطاً عريضة لشخصيات محتملة. وهناك أيضاً صفحات فارغة لم يخف منها. كان كاريير يفتح الصناديق والملفات، ويسحب ورقة بشكل عشوائي ويترك القدر يوجهه. طريقة موروثة من الفنانين السورياليين، الذين تأثر بهم كثيراً. لم يتحدث كثيراً عن نفسه، لا في المقابلات ولا في الأفلام التي كتبها. لم يكن فناناً للذات، بل فناناً للآخرين. فضولياً يبحث دائماً عن أفكار وأشكال جديدة. سرد طفولته في كتاب («نبيذ جاف»، 2000)، ولكن مرة أخرى لم يكن الحديث عن الذات، عن أصوله، بل يتعلق بوصف عالم قد اختفى.

فرنسا، كما نعلم، لا تحبّ كتّاب السيناريو. على الأقل منذ الموجة الفرنسية الجديدة، النموذج الأولي للمخرج الذي يفعل كل شيء، وأيضاً يكتب السيناريو. مع ذلك، بدأ كاريير بالعمل في السينما في السنوات الأولى من الموجة الجديدة: «لست مخرجاً، أسير في الاتجاه المعاكس لشبان آخرين من جيلي» أي جون لوك غودار، فرانسوا تروفو، كلود شابرول وغيرهم. كاريير، حطّم الفكرة الخاطئة عن كتّاب السيناريو. وبما يقرب من ستة عقود، كتب أكثر من 150 سيناريو لأفلام طويلة وقصيرة، ليصبح كاتب السيناريو الأكثر شهرة والأكثر طلباً في تاريخ السينما الأوروبية. كما كتب روايات ومقالات ومسرحيات، كان غزير الإنتاج، ولا يعمل إلا مع الأفضل. حتى إنّه كتب أغانيَ لجولييت غريكو وبريجيت باردو وجين مورو. ولكنّ كثيرين يعرفونه لتعاونه مع عمالقة السينما.
أشهر علاقة صداقة وعمل كانت لكاريير هي مع لويس بونويل (1900 ــ 1983). اجتمعا للمرة الأولى في «مهرجان كانّ السينمائي» عام 1963، عندما كان بونويل يبحث عن كاتب سيناريو للمشاركة في كتابة فيلم «يوميات خادمة» (1964). كانت العلاقة بين الاثنين فورية، على الرغم من فارق العمر بينهما (32 عاماً). استمر العمل بينهما حتى وفاة بونويل. علاقة أنتجت ستة أفلام («جميلة النهار»/ 1967، «درب التبانة»/ 1969، «سحر البرجوازية الخفي»/ 1972، «شبح الحرية»/ 1974، «هذا الشيء الغامض للرغبة»/ 1977). اعتبر كاريير بونويل مدرساً. وعلى مدى سنوات عديدة، كان يسأل كلّما واجهه تحدٍّ ما: «ماذا كان سيفعل بونويل؟». كان كاريير يتفاخر بعلاقته ببونويل. قال مرة: «كنا دائماً بمفردنا في مكان بعيد، غالباً في المكسيك أو إسبانيا، نتحدث الفرنسية أو الإسبانية، بدون أصدقاء، بدون نساء، بدون زوجات. إطلاقاً لا أحد في الجوار، فقط نحن الاثنين، نتناول الطعام معاً، والعمل معاً، والشرب معاً للاستحواذ تماماً على النص الذي نعمل عليه. أكلنا معاً نحن الاثنين فقط أكثر من 2000 مرة، أكثر بكثير من أيّ زوجين». جمع الاثنين النبيذُ الجيد، والطعام الجيد والسوريالية وحب الحشرات. كانا يريان العالم بطريقة مشتركة. لحث إبداعهما، كانا كل يوم عندما يلتقيان في الصباح يخبر بعضُهما بعضاً حلماً (حقيقياً أو خيالياً). عندما كبر بونويل، كان يشعر بالملل، ولم يكن يفعل شيئاً في المكسيك. جاء كاريير واستقر في فندق قريب من بيته واقترح عليه أن يكتب مذكّراته. رفض بونويل، لكن كاريير لم يستسلم، على العكس، لأن بونويل أخبره الكثير من الحكايات، قرّر الكتابة بصيغة المتكلم. قرأها بونويل، وشعر كأنه كتبها بنفسه، وهكذا أقنعه. وظهر كتاب أساسي لاكتشاف خالق فريد ومفكر من القرن العشرين «نهيدتي الأخيرة» (1982).
عدد كبير من المخرجين تعاونوا مع كاريير، بوتيرة منتظمة كان له تقريباً أربعة سيناريوهات كل عام. لم يحتقر كاريير الواقعية الفرنسية، والسينما النفسية الراسخة بقوة. كتب سيناريو مع جاك ديراي «المسبح» (1969) مع آلان دولون ورومي شنايدر. عمل مع البولندي أندريه فايدا ولوي مال. أحضر كاريير سينما بونويل الحسية والرمزية والسوريالية إلى الياباني ناغيسا أوشيما («ماكس، يا حبي» 1986). عمل مع ماركو فيريري، ومايكل هانيكي. كتب مع جان لوك غودار ثلاثة أفلام. مع التشيكي ميلوش فورمان، كانت جرعة الفكاهة السخيفة لكاريير تظهر. مع الألماني فولكر شلوندورف، بدأ كتابة سيناريوهات عن روايات مشهورة مثل «طبل الصفيح» (1979) حول رواية غونتر غراس الشهيرة، وغيرها الكثير. كتب فيلم «كائن لا تحتمل خفته» (1988) لفيليب كوفمان عن رواية ميلان كونديرا الشهيرة أيضاً. والفرنسي جاك تاتي طلب منه كتابة روايات مقتبسة عن أفلامه. في السنوات الأخيرة، استدعاه الفرنسي المخضرم فيليب غاريل، فكتب له كاريير أفلامه الثلاثة الأخيرة، آخرها «ملح الدموع» الذي عُرض في «مهرجان برلين» العام الماضي. إلى جانب هذا الإنتاج الضخم، كان الأكثر إثارة في عمله في المسرح هو تعاونه مع بيتر بروك عام 1985، بعرض مسرحي امتد على تسع ساعات وجاء نتيجة عمل عشر سنوات حول قصيدة «مهابهاراتا». ساعات طويلة من الأساطير الهندوسية التي ظلت محفورة إلى الأبد في ذاكرة أولئك الذين كانوا هناك.

حاول دائماً إثبات أهمية مهنة كتابة السيناريو التي اعتبرها «محتقَرة» في الفن السابع


منذ دخوله الأكاديمية الفرنسية وحصوله على الأوسكار الفخري عام 2014، وخلال العديد من التكريمات والمقابلات، حاول دائماً إثبات قوة وأهمية كتابة السيناريو، المهنة التي اعتبرها «محتقرة» في الفن السابع. يقول: «كتّاب السيناريو هم ظلال في تاريخ السينما، في كثير من الأحيان، كان يُنظر إلى كاتب السيناريو على أنّه لقيط يطمح إلى قطع أجنحة المخرج». كان كاريير استثناءً في السينما الفرنسية، في كتابة «الفيلم الذي لم يُشاهد» (1994) كتب: «السيناريو ليس حلم الفيلم فحسب، بل طفولته أيضاً. يمر بفترة مليئة من التردّد والتلعثم، ويكتشف تدريجياً كل ما بداخله (أو ما هو غير موجود، لأنه من الشائع جداً التخلي عن القصة في منتصف الطريق، بسبب نقص الأفكار أو المال، وينتهي السيناريو بالصدأ على الرفوف)، ثم يكتسب الثقة بالنفس (...) في تلك المرحلة ينتقل من الخيال إلى الواقع، من حلم الفيلم، أو طفولة الفيلم إلى فيلم بالغ واع. يتعلم كاتب السيناريو الانسحاب من المغامرة، فخلال الأشهر الأولى هو المالك، الفيلم في تلك اللحظة ملك له، يعرف كل تفاصيله، هو الوحيد الذي يراه. ولكن بعد ذلك، تأتي اللحظة، عندما يتم تحديد موعد التصوير، حيث يجب التنازل عن السلطة». تنازل كاريير قبل أيام عن سلطته السينمائية، هو الساحر الخفيف السوريالي الذي من خلال كتاباته تطرق إلى الأفكار الفلسفية الشائكة، والمواضيع العلمية للقرن العشرين، وطبيعة الواقع ومصير السببية وإدراك الطبيعة. حدوده أبعد من الشاشة الكبيرة والعقل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا