تختفي صورة الآخر التي التصقتُ وعشتُ بها. تصبح كارثة «تافهة» وها أنا مهجور وناءٍ لا مكان لي في أي مكان. أفتعل الحداد مُضاعَفاً وأنا أحاول التخلص من الاحتقان بالكتابة وأعدُّ خطاباً مجرّداً في العشق وفلسفة الشيء لا يكون في المحصلة سوى ثرثرة... وأحياناً، أقرر أن أكتب للآخر رسالة كي أقاوم هذا الألم. مثل خيميائي يسيّج جراحه بأزهار الدفلى وهو يعلم أنها تحوي سمّاً يتسبّب في توقف عضلة القلب.

عندما أكتب يلزمني الرضوخ للواقع الذي يؤلمني ولذلك تبقى قليلةً رسائل الفراق التي كُتبت بدون غيظ أو رغبة في الابتزاز، بدون أن أقول للآخر إنني أتألم أو أرغب في الانتحار أو إنني قدمتُ له أكثر ممّا قدم هو لي. ولأن الكتابة لا تحتمل المجاملة، لأنها جافّة وبليدة وأحياناً تسحق دون هوادة، قد تقتلُ أباً أو أمّاً، عاشقاً أو عاشقة.
ويمكننا القول إن الرسائل تفتتح مسرح اللغة، لأن الالتباس ليس أمراً عرَضياً، فاللغة أداة تواصل وأداة لا تواصل في الوقت نفسه، لأن الذات المتكلّمة لا تستعمل كلمات خاصة بها، بل تكون عرضة لدوال آتية من بعيد متحكّمة في تفكيرها، بحيث إنها لا تقول بالضبط ما تريد أن تقول ولا تقول ما تريد أن تقول فحسب، ثم إن دلالة كلامها تتوقف على تقبّل الآخر وتأويله، فما بالك لو تعلق الموضوع بإشكالية الحب؟ هذا مع الشطب والكتابة بيدين لا بيد واحدة وتضاعف النص المكتوب، يضاف إلى ذلك يقينٌ مجنون: عندما أكتب رسالة وداع: مهما كان، أريد أن أقدّم لك ما يُهلِكُك.
كان لا بد من هذه المقدمة للإحاطة بالصيغ والعبارات المفاجِئة والمشتَّتة التي خطّها الأدباء تحت وطأة الفراق... مثل منمنمات لامعة طُليت بالورنيش. ولنبدأ بغيوم أبولينير الذي كان يغرق تدريجاً في الاكتئاب بسبب تهتك عشيقته قائدة الطائرة لويز دو كلوني شاتيون. كان يقدّم لها لغته كهِبَة، يتكشّف ويتمزّق ويعترف باذلاً جهداً مريراً ليتعرف إلى نفسه في «قصائد إلى لو» قبل أن يخطّ الرسالة النهائية من الجبهة: «انتهى كل شيء، لا أريد أن أحبكِ بعد الآن. ولا أحقد عليك بأي شكل من الأشكال. لقد جعلتِ حياتي أجمل لبضعة أشهر، قدمتِ لي عهوداً دوّخَتني. وضعتني لبعض الوقت في مرتبة فوق الرجال، صدّقتك وجعلني ذلك سعيداً، ولذا عليّ أن أكون وسوف أكون دائماً ممتناً لكِ».
وفي حين يرضى أبولينير بمغادرته للآخر بدون بكاء ويتحمل عبء الحداد على العلاقة، يؤخر مونتسكيو قدر المستطاع تلك اللحظة التي ينتقل فيها الآخر من الغياب إلى الموت ويكتب إلى مادموزيل دو كليرمون بدون شوق للخلاص: «انعدام اليقين يبدو لي أقسى من كل الاحتمالات الأخرى التي أخشاها. أتوسل إليك، سيدتي، أن ترشديني إلى الحقيقة، وإن كنتِ قد توقفتِ عن حبي فلتُخفي ذلك عني لبعض الوقت».
هل يبحث العاشق على مستوى الجمل عن موقعه ولا يجده أم أنه يجد مكاناً غير مناسب تفرضه عليه اللغة؟ ثمة شيء يشبه الهلوسة في كتابات مارغريت دوراس إلى عشيقها يان أندريا ذي الميول المثلية الذي كان يصغرها بثلاثين عاماً «يان انتهينا إذن، ما زلتُ أحبك» هكذا تبدأ مارغريت دوراس رسالتها في 1980، لنتلمّس ذلك الاستسلام وذلك الفناء العلني اللذين يتوق إليهما العاشق وهو يغادر وينتقل بذاته نحو الأشياء كلها ـــ بما فيها الموت ـــ ما عدا الآخر «أريد أن أضع نفسي في مأمن من هذه القسوة وهذا الجفاف المروّع الذي ينضح منك، لو حدث وامتلكتُ الشجاعة الكافية لأضع حدّاً لحياتي، سوف أعلمك بذلك، لكن الرادع الوحيد يظل طفلي». أما يان الذي تحول إلى ظل باهت وشبح خدوم في كنف دوراس، وكان سكريتيرها الخاص، يكتب رسائلها ويدير علاقتها بدور النشر والسينما ويرقن على الآلة الكاتبة ما تتلو عليه من كتابتها إلى الفجر، فنقرأ في كتابه «هذا الحب»: «خلال تلك السنوات لم أعِ شيئاً. كنت كالمخبول ولكن ذلك كان ضرورياً. وأنت ساعدتني وتركتني وحيداً بلا مواساة ولا تشجيع. بدون أدنى كلمة لطيفة. وكأنّ الحب مجبرٌ على أن يُعاش بهذه القسوة التامة، كأننا أقل أهمية من الحب».
أحياناً يود العاشق لو يتلاشى ليُفلت من الضغط، لو ينهار أمام ضعفه. في عام 1919 كتب تولستوي إلى زوجته صوفيا بعد ثمانية وأربعين عاماً من الزواج «لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي. لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني. ما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام. أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن المكان الذي سأذهب إليه من أجل إعادتي إلى إيزيانا بوليانا». بين الرجاء والفزع، بين الاحتضان والتخلي تتأرجح هذه الرسائل، بعضها يقول: لنبدأ من جديد. التفت. انظر إليّ. شاهد ما تفعله بي. العاشق يطلب حماية الآخر وعودته ليشعر بأنه محتضَنٌ ومطلوبٌ ومدلَّل كما هي الحال في رسالة أناييس نن إلى هنري ميللر حين شعرت أنه يغرق في عالم هوليوود البرّاق ويبتعد عنها بذريعة العمل على كتاب جديد: «هذه الليلة كل شيء يؤلِم، ليس فقط الانفصال، بل نهم الجسد والعقل الرهيب هذا إليك الذي يزداد ويتفاقم أكثر فأكثر كل يوم. لا أعلم ما هذا الذي أكتب. اشْعرْ بي وأنا أضمّك كما لم أفعل من قبل، بعمق أكبر، بحزن أبلغ، بيأس أشدّ، بشغف أقوى»، وليرد عليها بدوره «أناييس، لا أستطيع أن أجوب الشوارع وأنا مبتئس. هذا لا يجوز. لديّ الكثير من العمل ولا أريد أن أُدمّر نفسي، ولا حتى أصغر جزء مني. إنَّ كل ما لديّ نفيس وكنتُ أحاول أن أصونه، لأقدّمه هدية إليكِ. لم أعد أجوب الشوارع كما كنت أفعل. ليس لدى الشوارع ما تقوله لي. هذا أيضاً كان بمثابة إعطاء شيء من نفسي للعالم، بدل جذب العالم إلى داخلي.

أتوسل إليك، سيدتي، أن ترشديني إلى الحقيقة، وإن كنتِ قد توقفتِ عن حبي فلتُخفي ذلك عني لبعض الوقت (مونتسكيو)

والآن أفكّر في غرفتي الصغيرة، الغرفة التي وفّرتِها لي، وأشتاق إلى العودة إليها، لكي أُكرّسَها للعمل. العالم كله يبدو ملتحماً بكِ، فلماذا أخرج سعياً وراءه؟».
لماذا لا يستطيع العاشق أن يكتفي بالملذّات المرحة التي يوفرها له الآخر بدون أن يلوّثها؟ وبدون أن يقتلها بالقلق؟ الشاعرة البريطانية رينيه فيفيان انغمست في الحياة بفضول ولهفة، إن لم يكن بطيش، لكنها تعي في النهاية أن الحالة العشقية محكومة بشكوى دائمة وتعبير عن الشقاء، تكتب لعشيقتها نتالي كليفورد بارني: «تغلبتُ أخيراً على الضعف الشديد الذي جذبني إليكِ لوهلة... نحو معاناة لا مفر منها لكلينا». وكانت علاقتهما قد بدأت بافتتان ورِع شبه ديني: «عندما أتيتِ، بخطوةٍ متمهِّلة، في الضباب/ كانت السماء تخلط الكريستال والفولاذ بالذهب/ جسدكِ كان يَحْزِر نفسه بتثنٍّ غامض/أكثر ليونة من الموجة وأكثر طراوة من الرغوة/ كان المساء الصيفيّ يبدو حلماً شرقياً/ من زهر ومن صندل». لتصل رينيه إلى صراع مع الذاكرة التي تمنعها من الخروج من دائرة الحب متى تشاء: «كيف لي نسيان الطيَّة الثقيلة/ لأكمامك/ عاج الجسد الذي تجري فيه/ الرجفة الزرقاء للعروق؟»
إفراط العاشق يقوده إلى الاعتدال. حتى فرنسواز ساغان التي تمتلك شهية متّقدة وعنيفة للحياة والأدب، نراها تُعدّ بهدوء قائمة بالأشياء التي ستورثها لحبيبها بعد الفراق، ومن بينها المقهى الذي التقيا فيه أول مرة، البيت وملاءاته المبلّلة بالأرق والدموع، السجائر والأصداف البحرية التي يضعها كل منهما على أذنه كي لا يسمع صرخات الآخر... تورثه أيضاً التبريرات والأعذار الغائمة واجتماعات العمل المتأخر و«هل شعرتِ بالملل وحدكِ؟ أنا آسف». وتغلق ساغان دفتر الحسابات هذا قائلة: «بعد هذه الليلة الطويلة، المهشَّمة، المتلألئة والمظلمة التي كانت حبنا، تشرق أخيراً شمس حريتك... ما زلتُ أحبك، لكن هذا ما لن أورثك إياه».
ولا بد من إنهاء هذه المختارات بفلوبير الذي بذل للويز كوليت انتباهاً لجوجاً وصارماً في مراسلات يومية امتدت لسنتين حتى أصبح هذا الجدار اللغوي متيناً بما يكفي لينفيها ويطردها: «علمتُ أنكِ تكبّدتِ عناء القدوم إلى بيتي مساء أمس ثلاث مرات. لم أكن هناك. وتجنّباً للإهانات التي يمكن أن يعرّضك لها هذا الإصرار، تدعوني الآداب إلى تنبيهك أنني: لن أكون هناك أبداً».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا