باريس، 15 حي أورليان (بداية عام 1852؟)
سيِّدتي،
هل يمكن أن يأتي يوم أُحرم فيه رؤيتك إلى الأبد؟ لَعمري إن هذا السُّؤال مهمٌّ بالنسبة إليّ لأنني وصلت إلى تلك المرحلة التي أصبح فيها غيابك يُنزل بقلبي شقاء عظيماً. عندما بلغني أنك تخلَّيت عن استقبال الضيوف وأنني قد أكون لا إرادياً السبب وراء ذلك، شعرت بحزن غريب وغمرتني الرغبة في الكتابة إليك رغم أنني لا أؤيد كثيراً كتابة الرَّسائل. إننا نندم عليها دوماً تقريباً. لكنني لن أخسر شيئاً فقد اتخذت قراري النهائي بأن أهب نفسي إليك وإلى الأبد.


هل تعلمين أن محادثتنا الطويلة يوم الخميس كانت في منتهى الغرابة؟ إنها تلك المحادثة بعينها التي غمرتني بشعور لم أعهده من قبل وكانت فرصة لكتابة هذه الرسالة.
هل أتاك نبأ رجل يتوسَّل لامرأة ويعترف لها: «أحبك»! فتردُّ عليه: «أحبك أنت؟ أنا؟ أبداً! شخص واحد فقط يملك حبي. تعساً لمن سيأتي من بعده! لن ينال إلا إعراضي واحتقاري»!؟ وهذا الرَّجل بعينيه، لكي يستشعر متعة النظر في عينيك طويلاً، يتركك تحدثينه عن رجل آخر غيره. لا تتحدثين إلا عنه ولا تحترقين إلا من أجله ولا تفكرين إلا به. وقد أسفرت كل تلك الاعترافات عن حدث غريب جداً وهو أنك لم تعودي بالنسبة إليَّ امرأة نشتهيها ببساطة، بل امرأة نحبُّها لصراحتها وشغفها وأنوثتها وشبابها وجنونها.
لقد خسرتُ الكثير في تلك الشُّروحات لأنك كنت حاسمة للغاية، حتى إنني اضطررت إلى الخضوع لرغبتك على الفور. لكنك في المقابل ربحتِ الكثير يا سيدتي. فقد أوحيت إليَّ باحترام وتقدير عميقين. ظَلِّي هكذا على الدوام واحرصي على الاحتفاظ بذلك الشَّغف الذي يجعلك جميلة جداً وسعيدة جداً.
عودي إليَّ أرجوك. وسأكون رقيقاً وطيِّعاً في التَّعبير عن رغباتي. كنت أستحقُّ إهانتك لي عندما أجبتك بأنني أكتفي بالفُتات. لقد كنت أكذب. آه لو أنَّك تعلمين كم كنت جميلة في ذلك المساء. ... أنا لا أجرؤ على التغزّل بك، فهذا أمر تافه جداً! لكنّ عينيك وشفتيك وكلَّ كيانك الغضِّ والمفعم بالحيوية تختال الآن أمام عينيَّ المغمضتين. ويبدو لي حقاً أن هذا الشعور نهائي. عودي إليّ، أتوسّل إليك. أنا لا أقول إنك ستجدين قلبي وقد أصبح خالياً من الحب، لكنك مع ذلك لن تتمكني من منع ذهني من الطواف حول ذراعيك وحول يديك الجميلتين جداً وعينيك حيث تكمن حياتك بأكملها. حياتك التي يزينها كيانك الرائع الشَّهواني. كلاَّ. أنا أعلم بأنك لا تستطيعين فعل ذلك. لكن كوني مطمئنَّة، فأنت بالنسبة إليّ شيء مقدَّس ولن أدنِّسك أبداً. ستزيدين إشراقاً في عيني . إنني لأجد متعة لا مثيل لها في استنشاق كيانك الرَّائع الطَّافح بالجمال والرقة. فأنت بالنسبة إليَّ الحياة ونبضُها، ليس فقط بسبب سرعة حركاتك وطبعك العنيف بل وعينيك اللتين لا تستطيعان أن تُلهما الشَّاعر إلا حُباً خالداً.
كيف أعبِّر لك عن مدى حبي لعينيك ومدى إعجابي بجمالك؟ إنه جمال يضمُّ فتنتين متضادَّتين، لكنهما لا تتعارضان فيك. إنهما فتنة الطفلة وفتنة المرأة. آه صدِّقيني، إن ما أقوله نابع من أعماق قلبي. أنت مخلوق لطيف وأنا أحبك من أعماق روحي. إنه شعور فاضل هذا الذي يربطني بك إلى الأبد. ورغماً عنك، ستصبحين منذ الآن فصاعداً تميمتي ومنبع قوتي... أنا أحبك يا ماري. إنه أمر لا جدال فيه. لكن الحب الذي أشعر به هو حب المسيحي لربّه. كما لا يجب أن تهبي اسماً أرضياً مشيناً جداً لهذه العبادة اللّاجسدية والعجيبة، لهذا الانجذاب العذب والعذري الذي يجمع روحي بروحك رغماً عنك. سيغدو ذلك رجساً.
لقد كنتُ ميتاً فأحييتني. أوه، أنت لا تعرفين ما الذي أنا مدين لك به. لقد نهلتُ من نظرتك الملائكية أفراحاً مجهولة. لقد علَّمتني عيناك سرَّ سعادة الروح في كل ما يكمن فيها من أشياء في غاية الرقة والعفَّة. من الآن فصاعداً أنت ملكتي الوحيدة، شغفي وجمالي، أنت قطعة مني شكَّلَتها خلاصة روحانيَّة.

كنت أستحقُّ إهانتك لي عندما أجبتك بأنني أكتفي بالفُتات. لقد كنت أكذب. آه لو أنَّك تعلمين كم كنتِ جميلة في ذلك المساء


بك أنت يا ماري سأكون قوياً وعظيماً. ومثل بتراركا سأخلِّد حبيبتي لورا. كوني ملاكي الحارس، ملهمتي وقدِّيستي العذراء. وخذي بيدي إلى طريق الجمال.
أرجو أن تردِّي على رسالتي بكلمة واحدة. أتوسَّل إليك. كلمة واحدة فقط. تمرُّ في حياة كل شخص أيام مريبة وحاسمة حيث يمكن أن يدفع بك اعتراف بالصداقة أو نظرة أو خربشة قلم ما نحو الحماقة أو الجنون. أقسم لك بأنني بلغت هذه المرحلة. كلمة منك ستكون الشيء المبارك الذي نتأمَّله ونحفظه عن ظهر قلب. آه لو تعلمين كم أحبك! انظري، ها أنا ذا راكع تحت قدميك... كلمة... قولي كلمة... كلاَّ أنت لن تقوليها.
إنه لسعيد الحظ، إنه لسعيد للغاية ذاك الذي اخترته من بين الجميع، أنت الممتلئة بالحكمة والجمال، أنت المغرية موهبة وفكراً وقلباً. أيُّ امرأة بإمكانها أن تعوِّضك إلى الأبد؟ أنا لا أجرؤ على أن أطلب منك السَّماح لي بزيارة لأنك سترفضين ذلك. لهذا أفضِّل الانتظار. سأنتظر سنوات بأكملها وعندما تكتشفين أنني أحبك بعناد مطلق ستتذكّرين وقتها أنك من بدأ بالإساءة إليّ وستعترفين أن ذلك كان تصرُّفاً مشيناً من قِبلك.
أخيراً أنا لا أملك حرية رفض الطعنات التي يروق للمعبودة إسداؤها إليّ. راق لك أن تطرديني ويروق لي أن أعشقك. إنه أمر محسوم.
ش. بودلير.

(1): إنها رسالة بودلير الأكثر غموضاً. الرسالة حسب ج. كريبي كانت موجّهة إلى ماري دوبران
* من «شارل بودلير: الرسائل» (ترجمة سحر ستّالة) يصدر قريباً عن «منشورات الجمل»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا