كانت نهاد تنظر إليه من خلف شاشة هاتفها، تُمتّع ناظريها ببهاء وجهه، تسرح في ابتسامته البيضاء. كان عاصي يفعل الشيء نفسه، يحلم بها، كأنّها بداية سعادته، طريق حلمه الأبديّ، يتغزّل بعينيها الساحرتين، ينظم لها الأشعار من بعيد، بينما يعزف قلبه موسيقى حقيقيّة، لم يتخيّل أنّ بإمكانه عزفها. لم يكونا قد التقيا بعد. لقد شعرا بالمغامرة لتوّهما. عندما ظهر وجهها على هاتفه، فكّر فيها فوراً كحبيبة، ثمّ كزوجة، ثمّ كأمّ لأطفاله. تخيّل كل ذلك، المشاوير، والحكايات، الفراق والعتب والتعب. فكّر في كمّية القصائد المهولة التي سيكتبها لها، فكّر في صوتها، وكم سيطربه كلّ صباح ومساء، مثل عصفور لا سجن في قلبه. شعر فوراً بأنّها كاملة الأوصاف، لذا لم يتردّد في التحدّث إليها بعد تطابق حسابيهما، لكنّه لم يعرف ماذا يقول. أرسل إليها قصيدة يحبّها لامرئ القيس كان قد ألقاها في إحدى مقابلاته التلفزيونيّة:

«أجارتنا إنَّا غريبان ها هنا... وكلُّ غريبٍ للغريب نسيبُ/ فإن تَصِلِينا فالقرابةُ بيننا... وإن تَصْرِمِينا فالغريبُ غريبُ».

ماركو بادو ـــ «حبّ على تندر» (مواد مختلفة على ورق ـــ 53.3 × 73.7 سنتم ـــ 2016)

في زمن غير هذا الذي نعيش فيه، أطلق الشّاعر أنسي الحاج جملة حقيقيّة: «الحبّ، هو عندما تنظر إليها فيؤلمك جمالها». الوجع هنا مباشر، ربّما وليد لقاء عابر في طريق، في مناسبة اجتماعيّة، أو في حانة... يمكن للمرء أن يقع في الحبّ في أماكن غريبة. لم يكن هناك أيّ تطبيق إلكتروني للمواعدة حينما قال أنسي ما قاله. لم يكن يتفحّص Tinder حينها أو أيّ تطبيق آخر للتعارف. آنذاك، عندما يقع شاعرٌ أو مطربٌ في الحبّ، لا ينفكّ يخبرنا عن ألم تلك السقطة. يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، إنّنا الآن نريد الحبّ من دون «وقوع».
«نريد قهوة بلا كافيين، شوكولا من دون سكر، نريد اللذة لا المتعة، تلك اللذة الآمنة القابلة للاستهلاك، حتى في العلاقات الإنسانية». جعلت تطبيقات التعارف/ المواعدة العلاقة مع الآخر أكثر أماناً، وخفّضت من لوثة الحبّ المباشر. في تراثنا العربيّ، كانت الدار والشّرفة مكان الغزل العلنيّ والحبّ المباشر، حيث إنّ الحبيب دائماً ما كان يعرج على شرفة المحبوب لكي يلمح ولو شيئاً بسيطاً منه، علّه بذلك يرتق جرح المسافة بينهما. عُرف عن قيس أنّه كان يقبّل جدران بيت ليلى فقط لأنّها كانت هي من تسكن فيه، وفي مطلع إحدى قصائده عن بعد ديار محبوبته، يقول عمر بن أبي ربيعة: «تشُطُّ غداً دار جيراننا... وللدار بعد غد أبعد».
منذ مدّة، فقدت الأمكنة أهمّيتها في تأليف قصص الحبّ، بسبب الجائحة التي احتلّت العالم منذ أكثر من سنة، لم يعد التواصل ممكناً، وحتّى «الوقوع» الذي تحدّث عنه جيجيك لم يعد آمناً.
في كتابه «في مديح الحب»، يتحدّث آلان باديو، عن الحبّ الآمن الذي تروّج له تطبيقات المواعدة الإلكترونيّة. يقول باديو: «إنه حب مؤمّن في مواجهة كل المخاطر: سوف تحصل على الحب، لكنه سوف يحسب لك جيّداً علاقتك العاطفية، وسوف يختار لك شريكك بحرص شديد عبر شبكة الإنترنت– بالحصول، طبعاً، على صورة فوتوغرافية له، وذوقه بالتفصيل، ويوم مولده، وبرجه، إلخ– ويمزجها في خليط، فتقول لنفسك: هذا خيار آمن يخلو من المخاطرة! وهكذا يُسمّى هذا ترويجاً؛ ومن المدهش أن الحملة الإعلانية التلفزيونية تتبنّاه».
يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، إنّنا الآن نريد الحبّ من دون «وقوع»


كان لا بدّ من أن يلجأ البعض إلى تطبيق «تندر» في ظلّ هذه الجائحة. ثمّة جيل كامل لم يعد يهتم لسؤال «تندر ليه؟» الذي سأله أحمد رامي لأمّ كلثوم، والذي غنّته هي بدورها. «ما دام تحبّ تندر ليه؟». بسيطة. «تندر» هو نكران الحبّ بالفعل، هو حانة القرن الحادي والعشرين. «في العشرين نظنّ بأنّنا ملوك العالم» لا يبدو لباديو وجيجيك أنّ هذا هو «وقت الحبّ»، الذي غنّته فرانسواز هاردي. لم نعد نمتلك من الظّنون شيئاً، الحقيقة هي أنّنا أصبحنا متأكدين بأنّنا لسنا على الأقلّ ملوك أنفسنا. تعرف فرانسواز هاردي أنّ الظنّ ترف، وإلّا لما غنّت عن الحبّ والأحلام والزهور. الباحثون عن الحبّ في «تندر» يريدون أشياء أكيدة، لذا يسعون الى نبذ كلّ ما يبدو لهم عكس ذلك، أو غير مناسب في الحقيقة. شبّه باديو أسلوب نبذ الآخر ذاك بما قام به الجيش الأميركي حين كان يروّج لفكرة القنابل «الذكيّة» والحروب التي محصّلتها صفر من الموتى بعبارة «صفر قَتْلة». في البلاد التي تسيطر عليها الرأسماليّة يصير الإنسان رقماً. في كتابه «فنّ الحب» يخبرنا إيريك فروم أنّ بنية الاقتصاد الرأسمالي تُطوّع الإنسان وعاطفته، فيعيش مغترباً عن نفسه وعن الآخر وعن الطبيعة، إذ تحوّل بدوره إلى سلعة، فأن تأخذ بقدر ما تعطي، هذا أمر شبيه بمقايضة السلع.
قرأت نهاد القصيدة التي أرسلها إليها عاصي على تطبيق تندر. اتّفقا أن يلتقيا. رتّبا لقاءً في مقهى قريب، صادف أنّ الطقس كان ماطراً. لم تجمعهما أيّ صدفة، فقط لقاء مرتّب على فنجان قهوة. لم تكن نهاد جميلة كما كانت توحي صورتها، وأنف عاصي كان كبيراً، ما لم تظهره صورته على تطبيق تندر. انتهى اللّقاء بينهما، ودّع بعضُهما بعضاً ولم يلتقيا مجدّداً. رحل عاصي متجهّماً، كتب لها رسالة وحيدة قبل أن يلغي التطابق بين حسابيهما.
«من حدود الأمس يا حلماً ... زارني طيراً على غُصنِ
أيُّ وهمٍ أنت عشْتُ به ... كُنْتَ في البالِ ولم تَكُنِ»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا