إعداد وترجمة: محمد ناصر الدين
خمس قصص عن الحب، من قصور الأندلس، إلى شوارع بروكسيل ولندن، ومقاهي بيروت وعالم هوليوود: شغف وغيرة ومسدّس وشعر وسرقة أدبية، لكن ما يجمع في ما بينها أن الطرفين في كل قصة شكّلا نوعاً من «الثنائية» الأدبية، هذا الآخر المرتبط بالشاعر من أيام جنّيات وادي عبقر، إلى الأنا الآخر في التحليل النفسي، والقرين في الأدب، هل يطغى أحدهما على الآخر أدبياً كما في الحب حيث يقول قيس بن الملوّح: «فيا ربِّ سوِّ الحب بيني وبينها/ يكون كفافاً لا عليَّ ولا ليا». ماذا يقول الشاعر لحبيبته الشاعرة، هل كما أسرّ خوليو كورتاثار لأليخاندرا بيثارنيك بعد موتها: «فالحياة مغتالة للشاعر. والمغتالون، اليوم، باتوا يقتلون شيئاً آخر غير الشعراء، حتى هذه المزية الإمبريالية لم تعد موجودة، يا عزيزتي. أطلب منك: لا تواضع ولا ضعف، بل إقامة تواصل مع هذا الذي يطوّقنا جميعاً، سمِّيه نوراً أو سيزار باييخو أو السينما اليابانية: هذه الدفعة في هذه الأرض، السعيدة أو التعيسة، لكن لا تستسلمي لصمت التخلي الإرادي عن الحياة. فقط لا أقبل بك إلا حية فحسب، فقط أحبك يا أليخاندرا» في عيد الحب، باقة من الحب الممزوج بالأدب نقدمها في «كلمات»



ولّادة وابن زيدون
ابن زيدون من أعلام الشعر والنثر في الأندلس، وله مدائح رائعة في أبي الحزم بن جهور وابنه أبي الوليد والمعتضد عباد، وله أيضاً مراث بديعة. غير أن القطعة الأرجوانية في حياته وشعره هي كلفه بولّادة وما نظّمه فيها من غزل، وكانت أديبة شاعرة، اتخذت لها مجلساً أو ندوة في قصرها تخالط فيها الشعراء وتساجلهم وتفوق أحياناً البارعين منهم. فيها يقول ابن بسام: «كانت في نساء أهل زمانها واحدة أقرانها حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرّتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتّاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب». وقع ابن زيدون في حب ولّادة التي كانت «تدنيه فيقتربُ» و«تقصيه فيغتربُ»، إذ نافسه على حبّها الوزير ابن عبدوس. لم يقل شعر ولّادة جمالاً عن شعر ابن زيدون، وهي القائلة في البيتين الشهيرين: «أنا والله أصلحُ للمعالي وأمشي مِشيتي وأتيه تيها... وأُمكّن عاشقي من صحن خدّي، وأُعطي قبلتي من يشتهيها». وقد وشّت ثوبها بهما لتضرم نار الغيرة في قلب ابن زيدون، الذي ردّ بقول الأصمعي «أعذب الشعر أكذبه».

بول فرلين ورامبو
إنه حب فضائحي لم تحتفظ منه الذاكرة الجمعية إلا بمشهد وحيد: طلقات المسدس التي أطلقها فرلين على رامبو، في العاشر من تموز (يوليو) ١٨٧٣. «ارجع، ارجع، صديقي العزيز، ارجع»، كان قد كتب قبلها بأربعة أيام. ابتدأت علاقتهما في أيلول (سبتمبر) ١٨٦١، حين دعا فرلين إلى بيته في باريس ذلك الفتى من شارلفيل الذي كان قد أرسل إليه بعد القصائد «تعالَ، أيتها الروح الكبيرة، إني أنتظرك». من يومها لم يفترق الرجلان، وكان على ماتيلد، زوجة فيرلين أن تتجرّع الكأس المرّة: في الثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر)، عند ولادة ابنهما، كان فرلين غائباً، يقضي الوقت مع رامبو. من وقتها كان فرلين لا يتوقف عن الذهاب والإياب بين ماتيلد التقية و«زوجه الجهنمي». ١٨٧٢، يرحل فرلين ورامبو إلى بروكسل (من أجل مقابلة منفيي الكومونة).

فاليريا ماتيلسكا ــ «عاشقان» (أكريليك على ورق ـــ 20.5 × 11.5 سنتم ـ 2020)

ماتيلد التي اكتشفت الرسائل الغرامية، أسرعت إلى بلجيكا لاستنقاذ زوجها، الذي سيركب معها قطار العودة، ولكنه سينزل في محطة كييفران ليلحق ثانية بحبيبه. ذهبا معاً إلى لندن، ليهرب من بعدها فرلين إلى بروكسل ويكتب «ارجِع...»، ثم طلقات المسدس التي حكمت عليه بستة أشهر من السجن (مع مراجعة طبية أفادت بوجود «ممارسات لواطية سلبية وإيجابية»). فرلين، الذي ينفصل عن زوجته عام ١٨٧٥ يرتد إلى الإيمان. في شباط (فبراير) من العام ذاته، ذهب لزيارة رامبو في شتوتغارت: «وصل فرلين إلى هنا ذلك اليوم بسُبّحة وردية وبعد ساعات ثلاث تم التنكّر للرب». صان فرلين نفسه من التجربة ولم يعطِ رامبو عنوانه في لندن.

أناييس نن وهنري ميللر
باريس ١٩٣١. أناييس نن في يومياتها: «التقيت بهنري ميللر. ما إن خرج من السيارة، حتى رأيت رجلاً كنت قد عشقته. في كتاباته، كان متوقّداً، فحولياً، حيوانياً، رائعاً. هذا رجل تجعله الحياة ثملاً، فكَّرت. إنه شبهي». بعد أشهر قليلة، يقول ميللر: «فلنترك المنطق جانباً. معي صرتِ أنثى. هذا أمر شبه مرعِب». قصة الحب هذه معروفة أدبياً تحت دمغة مراسلات شهيرة. الأبعاد الروحانية والحميمة لهذه العلاقة المتّقدة التي تشهد بها المراسلات تضعهما في مصاف أشهر العشاق الأدباء. نجد في الرسائل التجليات الإيروسية لوصالهما، التمزّقات ووجود «الشخص الثالث» في حياة كل منهما. لكن الرسائل شاهدة أيضاً على شراكتهما الأدبية. حالمة بتشجيع عبقرية هنري ميللر، قامت أناييس نن بتمويل «مدار السرطان» عام ١٩٣٤. مسحورة، كتبت في يومياتها أنها تحب أن تنتظره، وتطبخ له، وتستقبله في جسدها، وتودّعه. «هنري بارع في المضاجعة والانحراف والكفر وتوسعة العالم ومنح الحياة والتدمير وتعذيب الآخرين. هذا هو الشيطان الذي أحبه فيه». الأسلوب الشفاف والمهلوس لكتابته الحميمة يتخذ بعداً حسّياً: «لغته تلحق بتموّجات الضوء والظل للرغبة الشرِهَة». وسط هذا الشغف، لم نعرف إلا القليل عن النزاع حول النص الذي نشره ميللر باسمه عام ١٩٣٧ والذي كتبت حوله أناييس نن: «إنها أجمل قضية سرقة أدبية شاهدتها، ولن أقول أكثر. من البداية، لم أقل شيئاً». بينما كان هنري يشتغل على «مدار السرطان»، نشر عند «دار أوبيليسك برس» كتيّباً بعنوان «سيناريو» مستلهم مباشرة من «بيت المحرمات» لنن بعدما توسَّلَها بأن يوقّع الكتاب باسمه، بمثابة هبة منها إليه. في يومياتها، كتبت «أكره «سيناريو» لكن لم أجرؤ على قوله لهنري»، مستذكرة الضيق الذي سبّبته رؤية أفكار روايتها الأولى وقد شوّهت من قبل عشيقها. «بيت المحرمات» كان رغبتها في تجاوز فصل جحيمي لامرأة، مجموعة من الاستحضارات الشعرية والخيالية التي سيعيد ميللر العمل عليها من أجل اشتقاق سيناريو على طريقة السورياليين، بعد النجاح الذي لاقته أفلام لوي بونويل ومان راي في نهاية العشرينيات. يستعيد هنري ميللر «سيناريو» في «ماكس والكريات البيض» عام ١٩٣٨. «إنها آخر فصوله الأنانية» كتبت أناييس نن بخصوص هذا النص.

محمد الماغوط وسنية صالح
«لِم استعجلت الرحيل/ والرقاد إلى الأبد/، باسمة مطمئنة /في أقرب نقطة لآل البيت /مولية ظهرك لكل ثورات العالم؟ / ثلاثين سنة، وأنت تحملينني على ظهرك كالجندي الجريح /وأنا لم أستطع أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك/ أزوره متثاقلاً لأنني لم أكن في حياتي كلها/ وفياً أو مبالياً بحب أو شرف أو بطولة». هذا الرثاء كان الكلام الأخير في رثاء سنية صالح «الندّ الرقيق»، من محمد الماغوط، عمرٌ كامل بين «الصعلوك» و«أميرة الريف»، إذ كان الماغوط قد كتب لخالدة سعيد في بداية تعارفه بأختها في مسابقة لقصيدة النثر في جريدة «النهار» نافسته سنية عليها: «أيتها العزيزة خالدة، منذ شهور وفكرة واحدة تضرب رأسي وأعصابي كالرصاصة: ما هو العالم لولا تلك الإلهة النّحيلة، تلك الإلهة الرقيقة الحنونة، تلك التي سُمّيت صدفة سنيّة والتي كان يجب أن تُسمّى: «العالم يبكي» أو العالم ذو القدمين الصّغيرتين. خالدة، لتذهب الكلمات الشعريّة إلى الجحيم. سنية حياتي. آه يا خالدة، أنت شقيقتها! هل تأمَّلتِ أصابعها ذات يوم؟ أبداً. إنه جاهل وطائش كلّ من يقول إنها أصابع… إنها مجموعة مشرّدة من القيثارات. أبواق بدائية تغنّي لوحوش تقوّست ظهورها من الزمهرير والوحدة… أروع ما في سنية روحها… إنني أستطيع أن أراها تماماً… كما أرى قطرة المطر وراء الزّجاج… كما أرى الطائر بين الأغصان». رافقت صاحبة «حبر الإعدام» صاحب «حزن في ضوء القمر» منذ البدايات، وكانت الناقدة الأولى لشعره: «يُعتبر محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدمع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء الخفّاقة فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً مهماً في خلق هذا النوع من الشعر، إذ أن موهبته لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من التراث وزجره التربوي. وهكذا نجت عفويته من التحجر والجمود». يقال إن سنية قد ظُلمت شعرياً بوجود مارد كالماغوط. وفي الحب (كما الشعر) على قول قيس بن الملوح أو أزنافور «لا بدّ من خاسر». لكن حين نمعن النظر في شعر «الإلهة الرقيقة»، سنعثر على تلك الندّية بأبهى صورها: «يا قمح الإغريق/ نحن العشاق أبطال في المجاعات/ نضرم الحرائق/ لنكتشف حدود النار فينا».

المراجع:
* قصص الحب الأجنبية من Le nouveau magazine littéraire، عدد تموز آب (أغسطس) ٢٠١٩

* شوقي ضيف: ابن زيدون، مقطع كورتاثار من ترجمة أحمد عبد اللطيف

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا