غيّب الموت قبل عامين، هنري حاماتي: كاتب سياسي، ومنظّر أيديولوجي، وناقد أدبي، ومسرحي في «مجدلون»، المسرحية التي فضحت لامبالاة المثقّفين أمام الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، محرّضة إياهم على التزام الكفاح المسلح طريقاً للمقاومة والتحرير، وسيناريست في عمله المتميّز، باللغتين العربية والإنكليزية: «ذات أصيل كان جبران وماري!».

كنت حدثاً، في السادسة عشرة من عمري، عندما تعرّفت إلى «الرفيق» هنري حاماتي. كنت حدثاً ولكنني كنت قد بدأت أقترب بالفكر والروح وبالعمل أيضاً من الحركة القومية الاجتماعية التي أسّسها أنطون سعاده عام 1932، وكان حاماتي أحد ألمع وجوهها الثقافية. هذا «التحوّل» النفسي والفكري الذي اجتاحني باكراً ما كان ليحصل، لولا جهود رفيقي وشقيقي الأكبر الذي كان يصطحبني في تجواله الشخصي أو في مهامّه الحزبية، حيث كان منخرطاً بكليته في الحزب الذي انتمى اليه، وهو في ريعان شبابه. معه وبرفقته، التقيت، للمرة الأولى، بـ «الرفيق» هنري، المثقّف «المشاكس»، المتمرّد دائماً على السلطات في حزبه، التقيت به في مكتبه في مجلة «فكر» التي تصدّرت الساحة الثقافية، بعد «شعر» يوسف الخال وأدونيس، و«آفاق» أدونيس وجورج مصروعة وعادل ضاهر، و«حوار» توفيق صايغ، و«مواسم» إيليا أبو شديد...
كانت «فكر» أول مجلة أقرأها، وأول مجلة أدعو لقراءتها، وأول مجلة أقوم بتوزيعها على «الرفقاء» والأصدقاء.


فيها، وعلى صفحاتها، تعرّفت إلى سعاده كمفكّر وعالم اجتماع أكثر منه كمؤسّس حزب سياسي، وفيها اطلعت أيضاً على كتابات سبع بولس حمدان (أسد الأشقر) وعبد الله فرح (عبد الله سعاده) وقيس الجردي (إنعام رعد) وشوقي خير الله (كانوا كلهم يؤدون ضريبة الأسر في سجون لبنان والشام جراء فشل المحاولة الانقلابية صباح اليوم الأول من كانون الثاني 1962). فيها أيضاً، قرأت أحمد صالح (جوزف بابلو) في دراساته الفذّة، باللغتين العربية والفرنسية، عن الماركسية والقومية الاجتماعية: أين تلتقيان وأين تفترقان! وكانت المحاولة الأولى، وربما الأخيرة، التي تتواجه فيها الماركسية والقومية الاجتماعية كنظرتين متعارضتين إلى قضية التطور الإنساني وعوامله المادية والروحية، وفيها قرأت حافظ أبو حمدان كمتخصّص في دراساته الاقتصادية المتقدّمة والجريئة، وفيها تعرّفت إلى ماركس ولينين وهوشي منه الذين جمعهم أسد الأشقر مع سعاده في كتاب واحد حمل عنوان «اللقاء الثوري».
في الثاني من آذار (مارس) 1962، أي بعد شهرين من المحاولة الانقلابية الفاشلة، وفاجعة الفشل تخيّم في منازل آلاف الأسر القومية والصديقة، ينشر «الرفيق» هنري، باسم نسوي مستعار، مقالاً في جريدة «النهار» بعنوان «أمس، ولد حبيبي» (أمس كان الأول من آذار، وهو عيد مولد حبيبها، أي سعاده)، وينتشر المقال كالنار في الهشيم ويهبّ القوميون، في كل مكان، يعيدون تنظيم صفوفهم.
في خريف 1969، ذهبت لحضور «مجدلون» في بيروت، المسرحية التي كتبها ونشرها حاماتي في مجلة «فكر»، ونظّم قصيدتها الشاعر نزار قباني ومثّلها «محترف بيروت للمسرح» في مجموعة من الممثلين المحترفين كنضال الأشقر، وروجيه عساف والممثلين الهواة من ميشال نبعة ورضا كبريت وبدري الحاج. مجلة «فكر» هذه فتحت أعدادها وصفحاتها لدراسة ظاهرة الكفاح المسلح وخصّصت أغلفتها لرسوم فنانين ثوريين شباب، أمثال مصطفى حيدر، وحريص الغضبان، وعماد كحيل. في «فكر»، قرأنا عن ظاهرة «الثقافة الزائفة» و«المثقفين الزائفين» التي أماط اللثام عنها وعنهم أسد الأشقر وفضح دعاتها ومنظّريها، من كمال الحاج إلى سعيد عقل، وقبلان كيروز... في هذه الفترة الحبلى بتغيرات كثيرة، على الصعيدين القومي والعالمي، يُصدر حاماتي، على التوالي، كتابَيه: «جماهير وكوارث» (1968) و«كيف نتجه؟» (1969) فأحدثا، إلى جانب مجلة «فكر»، زلزالاً قوياً على صعيد المثقفين القوميين والثوريين، بشكل عام.
عام 1969، أيضاً، وبعد خروج القوميين، باستثناء العسكريين منهم، من الأسر، عقد الحزب مؤتمراً عاماً عُرف بـ «مؤتمر ملكارت» في بيروت، وانحرفت قيادة الحزب الجديدة عن عقيدة الحزب الأساسية: منها من «تشملك» (نسبة إلى شارل مالك وكميل شمعون) أو «تلبنن»، ومنها من «استعرب»، ومنها من «تمركس» أو «استشرك» (مفردات من ابتكاره) وكانت غضبة القوميين كبيرة، وتصدّر هنري حاماتي حراكاً واسعاً دعا فيه القوميين إلى مقاطعة القيادة الحزبية المنحرفة، وكانت النتيجة أن فشل الحراك وطردت القيادة الجديدة هنري حاماتي بالإضافة إلى 150 رفيقاً ورفيقة، من بينهم راغدة، كريمة سعاده الصغرى.
عام 1973، وأثناء حرب تشرين، دعا حاماتي إلى تظاهرة شعبية حاشدة ضمّت إلى القوميين الاجتماعيين جموعاً من البعثيين والناصريين، وانطلقت من ساحة البربير إلى السفارة المصرية، في الرملة البيضاء، واعتلى المنصة بادئاً كلمته بهذه العبارة: «تحيا سورية، تحيا مصر، ولتسقط إسرائيل»! ودوّى المكان، والجوار كله، بالهتاف بحياة سورية ومصر والعروبة الحقيقية.
«مجدلون» فضحت لامبالاة المثقفين أمام الاعتداءات الإسرائيلية


مع دخول الجيش الشامي (السوري) إلى لبنان 1976، وبعد تعرّضه لأكثر من محاولة اغتيال، غادر حاماتي بيروت إلى الكويت، وتابع عمله الصحافي في جريدة «القبس» الكويتية، وأصدر هناك كتابين لافتين هما: «سقوط الإمبراطورية الإيرانية» (1979) على أثر سقوط شاه إيران وصعود الخمينية و«ولاية الفقيه» إلى رأس السلطة في الجمهورية الإسلامية، وكتاب «التضامن العربي الإسرائيلي» (1980) الذي فضح فيه التآمر العربي على فلسطين ولبنان.
عام 1984 وكنت قد سافرت إلى فرنسا لمتابعة دراستي الجامعية، ترك حاماتي الكويت وانتقل إلى باريس، حيث تمتّنت صداقتي معه، وكنا نلتقي ساعات طويلة نتحاور ونتبادل الآراء حول الحزب وأزماته الداخلية المتلاحقة وأحوال الأمة والعالم، وكان يكتب البيانات والرسائل إلى القوميين وصنّاع القرار على الصعيدين، السوري والعربي، وكنت، حين يطلب مني، أتدخل في مراجعتها وإبداء ملاحظاتي وكان يصغي لرأيي، باهتمام، وهذا ماستجدونه في رسائله التي نعمل على إصدارها، وستصدر قريباً في مجلدين كبيرين.
عام 1995 عدنا إلى بيروت، الأمين هنري وأنا، وأصدرنا معاً، بالاشتراك مع رفيق ثالث هو إيلي عون، مجلة «اتجاه» وكانت دراسات الأمين هنري تتصدّر صفحات المجلة، وكنا، جميعاً، نقرأها بشغف، ونظّمت «اتجاه» تحت إدارته مؤتمراً دولياً في بلدة سعاده، ضهور الشوير، في مناسبة الذكرى الخمسين لاستشهاد سعاده (1949- 1999)، ومؤتمراً دولياً ثانياً، في الذكرى المئوية الأولى لميلاد سعاده، في بيروت في الأونيسكو عام 2004. شاركت في المؤتمرين نخبة من المثقفين والأكاديميين وأساتذة الجامعات السوريين والعرب، وجُمعت أعمال المؤتمر الأول في عدد خاص من مجلة «اتجاه». أما المؤتمر الثاني، فقد أصدرت أعماله «مؤسسة سعاده للثقافة» في كتاب خاص أشرفت شخصياً على تحريره.
هذا غيض من فيض مما أنتجه هنري حاماتي، فكراً وثقافة وأدباً ومسرحاً ونضالاً منقطع النظير، نستذكره، في السنة الثانية لرحيله، وأكثر ما أذكره، هنا، قوله لي قبل أشهر معدودة من رحيله وقد كان يوقّع كتابه الأخير «كلمات للعاصي» في مقهى على كتف العاصي، في الهرمل، قال لي: «أحنّ إلى أنطاكية (وقد ولد فيها وعاش لخمس سنوات فقط قبل أن يحتلها الأتراك عام 1939)». لقد ذكّره العاصي بأنطاكية، وردّد على مسمعي ومسمع جميع الحاضرين، على العاصي، في تلك الأمسية: «أنطاكية سترجع إلى سورية، ولو بعد ألف عام، وستزهو، عندها، بطريركية أنطاكية وسائر سورية (لا سائر المشرق، كما يزعمون)»!
هنري حاماتي هو هذه المحطات كلها، وهذه العناوين كلها، وهذه الأسماء كلها، وهذه الإبداعات كلها، أحييك!

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا