لندن | يحظى صانع الأفلام والمخرج البريطاني كين لوتش (مواليد 1936)، بمكانة هامّة في فضاء السينما العالميّة، وتتمتع أعماله باحترام واسع مستحقّ في الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة بوصفها مدرسة في النقد السياسيّ والطرح الاشتراكي للقضايا الاجتماعيّة بأدوات السينما الحديثة، وحاز اثنان منها جائزة السعفة الذهبيّة لـ «مهرجان كان السينمائي» (2006، 2016) الأهم أوروبيّاً. وطوال عقود من الممارسة المهنيّة، كان دائماً مثقفاً ماركسيّاً ملتزماً ومنحازاً لقضايا الطبقة العاملة ونضالات الشعوب المضطهدة بما فيها الشعب الفلسطيني، ومعادياً للعنصريّة والنيوليبراليّة المتوحشة. وقد انضمّ منذ الستينات إلى حزب العمل (يسار الوسط) الذي يتكوّن من تحالف لنقابات العمّال ومجموعات متعددة التوجهات (فابيّون ويساريّون وماركسيّون ويهود وغيرهم)، قبل أن يتنقّل ــ إثر خلافات مع التيار اليميني الولاء في حزب العمل ـــ ليصبح شريكاً فاعلاً في كلّ مبادرة يسار جديدة في البلاد.

وقد أثارت مواقف لوتش الصريحة دائماً عداء اللوبي الصهيونيّ الفاعل في مختلف مفاصل الحياة الثقافيّة والسياسة البريطانيّة، لا سيّما بعد تأييده العلني لحركة مقاطعة «إسرائيل»، وجهوده الفاعلة ضدّ وجود جهات إسرائيليّة في المهرجانات الثقافيّة والسينمائيّة، ومواقفه بشأن اعتبار «الهولوكوست» مسألة من مسائل تاريخ الحرب العالميّة الثانية ينبغي أن تكون مفتوحة للنقاش والمراجعة، وفي السنوات الأخيرة لانخراطه الكامل في حملة جيريمي كوربن (الزعيم اليساريّ التوجهات لحزب العمل) الذي كان إسقاطه من قيادة الحزب ومن سباق الوصول إلى رئاسة الوزراء همّاً دائماً للمصالح الصهيونيّة واليهوديّة والإسرائيليّة في البلاد بما فيها سفارة الكيان لدى لندن.
ومع الهزيمة التامّة التي أصيب بها كوربن في الانتخابات العامّة الأخيرة، وتصفية أنصاره من الحزب واحداً تلو الآخر، بدا لوهلة أن الاشتباك اليساري – الصهيونيّ سيتراجع من النقاش العام، ويُستعاد إلى الأروقة الخلفيّة والكواليس. لكنّه ما لبث أن تجدّد وبلغ أشدّه نهاية الأسبوع الماضي بعدما دعت «كلية سانت بيتر» و«مركز جامعة أكسفورد للأبحاث» في العلوم الإنسانية (TORCH) إلى مقابلة افتراضية عبر تطبيق زوم بشأن صناعة الأفلام مع لوتش. إذ بعثت الجمعيّة اليهوديّة في الجامعة رسالة شديدة اللهجة إلى مجلس أمناء الجامعة شكت فيها عزم عميدة «كليّة سانت بيتر»، البروفيسورة جوديث بوكانان، تنظيم لقاء مع مخرج معروف بتعليقاته العديدة «المعادية للساميّة». وقد أرسلت الجمعيّة وفداً منها لمقابلة بوكانان وحثّها على إلغاء المقابلة، وتعرّضت الكليّة والجامعة لضغوط من جهات عدّة للغاية ذاتها من بينها رئيسة مجلس العمداء في أكسفورد، ماري فان ديرزيل التي نُقل عنها قولها «على مؤسسات التعليم العالي واجب رعاية طلابها، وهذا يجب أن يتضمّن بالضرورة سياسة عدم التسامح مطلقاً مع المعادين للسامية وأولئك الذين يقلّلون من شأن ذلك أو ينكرونه. لقد كنا على اتّصال مع الجمعيّة اليهوديّة في أكسفورد، ونؤيد من أعماق قلوبنا إدانتهم لهذا الحدث». وشنّت صحف الأقليّة اليهوديّة في البلاد (أقل من 1% من مجموع السكان) بدورها هجوماً لاذعاً متزامناً على المخرج والجهة المنظّمة معاً.
لكن البروفيسورة بوكانان رفضت تلك الضغوط، وأصدرت باسم الكليّة بياناً قالت فيه إنّها «تقف بحزم ضد جميع أشكال التمييز، وتسعى دائماً إلى دعم الطّلاب الذين يتعرّضون للتمييز». وأضافت أنه «على الرّغم من عدم اعتقادها بأن انعدام وجود منصة حوار هو السبيل لتحقيق أهداف مجتمع أكاديمي حرّ ومنفتح، إلّا أنها مع ذلك ملتزمة بدعم الطلاب الذين قد يجدون مثل هذه القرارات مؤلمة والبحث عن طرق لمعالجة هذه المسائل داخل الكلية، وكجزء من نقاشات واسعة ومستمرة». وكانت بوكانان قد أبلغت الوفد الطالبيّ اليهودي الذي زارها بأن المنظّمين لم يعتقدوا أن دعوة لوتش ستسبب كل هذا الجدل لا سيما أنها تتعلّق بنقاش أكاديمي مهنيّ محض، وأن الكليّة ما زالت على معارضتها القويّة لـ «معاداة السامية».

كتب روجر ووتر مسانداً لوتش: نحن نعرف ما هي معاداة السامية ومناهضة «إسرائيل» ليست جزءاً منها


وقد عُقدت المقابلة مع لوتش بالفعل مساء الاثنين الماضي ونُقلت عبر موقع يوتيوب مباشرة، وهي متوافرة للعموم الآن (راجع موقعنا)، وقد حظيت بمشاهدة كثيفة من قِبل الطلاب في الجامعة كما خارجها وعبر الفضاء السيبيريّ. وتحدّث كثيرون عن الحضور المتألّق للرجل الثمانيني ذي الروح الوثّابة والخبرة المهنيّة. أمر أثار حنق مؤيدي إسرائيل ودفعهم لإطلاق موجة تنديد واسعة وتعبير «عن خيبة الأمل البالغة» من مضي الكليّة قدماً في إجراء المقابلة و«تحدّيها لمشاعر اليهود». وقال رئيس الجمعية اليهوديّة في أكسفورد، صموئيل بنجامين إن المقابلة جاءت على «حساب رفاه الطلاب اليهود في الجامعة» في الوقت الذي عبّر فيه يساريّون كثيرون عبر صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن غبطتهم بهذا الانتصار الصغير. وكتب روجر ووتر، الملحن والموسيقيّ البريطاني المعروف وأحد مؤسّسي فرقة الروك التقدميّة «بينك فلويد»، تعليقاً على تويتر حول المقابلة: «لا تدعوا اللوبي الإسرائيلي يعيد كتابة قواميسنا بهذا التصفيق المكارثي، العنصريّ»، مؤكّداً «نحن نعرف ما هي معاداة السامية ومناهضة «إسرائيل» ليست جزءاً منها بالتأكيد».
وقد نفى لوتش دائماً اتهامات اللوبي الصهيوني المتكرّرة له. ووصف في عام 1987 قرار مسرح «الرويال كورت» في لندن وقف عرض إنتاجه لمسرحيّة جيم ألن المثيرة للجدل «بيرديون» (تُظهر بعض الصهاينة متعاوناً مع النازيين وهي حقيقة تاريخيّة مؤكدّة) بعد ضغوط كثيفة من اللوبي الصهيونيّ بأنها «رقابة على الفن»، واصفاً تهمة «معاداة السامية» بأنها أصبحت «طريقة كلاسيكيّة معروفة لإسقاط أي جدل ضد الصهيونيّة أو الممارسات الإسرائيليّة». وفي مؤتمر لحزب العمل في أيلول (سبتمبر) 2017، قال لوتش إنه «شارك في اجتماعات الحزب والنقابات والتيارات اليساريّة لأكثر من 50 عاماً ولم يسمع أبداً ملاحظات معادية للسامية أو عنصرية، على الرغم من أن مثل هذه الآراء موجودة بالتأكيد في المجتمع». وحول سؤال له بشأن الهولوكوست، عبّر عن قناعته بـ«أن التاريخ – بما فيه تاريخ الحرب العالميّة الثانية - لنا جميعاً لنناقشه. أليس كذلك؟ إن تأسيس دولة «إسرائيل»، على سبيل المثال، القائم على التطهير العرقي، موجود لنا جميعاً لنناقشه، لذا لا تحاولوا تخريب ذلك النقاش بإلقاء اتهامات كاذبة عن معاداة السامية» الجدير بالذّكر أن لوتش كان من بين ست شخصيّات بريطانيّة مرموقة شاركت في تقديم الكفالة لجوليان أسانج عام 2010 قبل لجوء الأخير إلى مقرّ سفارة الإكوادور في لندن خوفاً على حياته من استهداف المخابرات الأميركيّة، وهو يعيش مع زوجته في مدينة باث غرب لندن.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا