بعدما أمضت عقداً في التجوال في الشرق الأوسط، عادت الأميرة فيتوريا ألياتا (1950) إلى صقلية، لتستقرّ قي قصر العائلة العائد إلى القرن الثامن عشر، في مدينة باغيريا (شرق باليرمو). يضمّ هذا القصر مكتبة ضخمة تطل ألياتا من خلالها على العالم الذي لطالما ناضلت من أجله. عالم فيه احترام الآخر المختلف، قانون لا يقبل التجاوز، وهي التي عرفت في حياتها كبار الشخصيات من ملوك وأمراء ورجال ساسة ومثقفين كأمبرتو إيكو وياسر عرفات، وكمال جنبلاط، ونزار قباني، وموسى الصدر... بمعرفتها لهؤلاء واحتكاكها بكل ما هو عربي، وهي الحاصلة على شهادات في اللغة العربية وعلى دكتوراه في الشريعة، أرادت أن تقول للعالم إنّ البلاد العربية مختلفة عن الصورة التي تروّج لها، وإنّ للمرأة العربية ما يميزها ويجعلها متفرّدة وليست كما صوّرها الغرب. من هنا جاء كتابها «حريم: مذكرات عربية لأميرة صقلية» (1980) الذي أثار ثورة وجدلاً واسعاً، كما أنها نشرت كتاباً آخر عن البيوت والحديقة الإسلامية. ألياتا أيضاً صحافية تحدّت الكثير من أجل ما آمنت به من أفكار، فالكلمة القوية أيضاً سلاح ساري المفعول إلى ما بعد الحياة. اشتغلت كذلك في مجال الترجمة، كما أنّها قارئة عارفة آمنت بأفكار محيي الدين بن عربي، فهي كما تقول اعتنقت أفكاره مذهباً، ما جعلها أكثر تواضعاً، فيما ألهمتها أفكار الأمير عبد القادر الجزائري، و«أنقذتها من المافيا الإيطالية» على حدّ تعبيرها. خصّتنا الأميرة فيتوريا ألياتا بهذا الحوار الذي تشعّب إلى قضايا سياسية وفكرية وثقافية راهنة في العالم العربي.


فيتوريا ألياتا: تاريخ الجميع الذي خرَّبه الاحتلال الصهيوني، معرَّضٌ لخطر التخريب الكامل إذا اختفى من لبنان وسوريا (جيل ماري زيمرمان)


كيف تنظرين إلى ما يحدث في لبنان؟
ــــ أحبُّ أن أذكر ما ردَّدتُه دائماً للغرب في ما يخصُّ الشعب اللبناني، الذي بفضله وبفضل الشَّعب السوري والمقاومة الباسلة طيلة سنوات حرب فُرضت عليهم من الخارج، فهم قطعاً لا يستحقون العُنف الممارس عليهم. علينا نحن أن نشعر بالامتنان تجاه هذا الشَّعب، الغربُ والمتوسط وأوروبا لا بدّ من أن يشكروه؛ لأنه إذا استسلمت المقاومة -وهذا ما لا نتمناه- سنتدمَّر، وستجتاحنا موجة من الوحشية والتعصُّب الديني، ستُدمَّر كل سُبل التعايش المشترك المستمر في المتوسط، بالرغم من الحروب والحملات؛ التي شهدها ولم تكن كالحروب الشاملة؛ التي تقودها الإمبراطورية الأميركية. للأسف لن نصلَ أبداً إلى برِّ الأمان إذا سيطرتْ علينا الفوضى. إذاً فمقاومة الشَّعب اللبناني هي دفاع عن حضارتنا وعن الحضارة الغربية والأوروبية أيضاً. لذا علينا أن نثمِّن ما يقوم به، وأن لا ننسى ما يمثِّله لبنان وسوريا للغرب ولنا جميعاً، وكذلك تثمين الغربُ المسيحيُّ لدور فلسطين في تاريخ المسيحية؛ لدورها الروحي؛ لدورها في علم البحث اللاهوتي؛ في تقاليد الرهبان آباء الكنيسة. إذاً فتاريخ الجميع الذي خرَّبه الاحتلال الصهيوني العنيف، معرَّضٌ لخطر التخريب الكامل إذا اختفى من لبنان وسوريا. لقد دُمِّر العراق والكلدانيون سُحقوا تقريباً! وبالتالي، حضور هذه القوى الروحية الباقية- التي ما زالت واقفة في لبنان وسوريا و فلسطين- هو الأمل لإنقاذ حضارتنا جميعاً.

هلّا حدثتنا عن حبّك للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي؟!
ـــ كنتُ قد نظَّمتُ في صقلية عام 1988 أوَّل ملتقى عالمي للتعريف «بالشيخ الأكبر» جمع خيرة الباحثين من الشرق والغرب؛ المهتمين بالدراسة والترجمة والتعليق على أعمال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي، تحت إشراف البروفيسور الكبير (المعروف) المختص في دراسة ابن عربي المرحوم ميشال شودكيفيتش الذي كان وقتها يشغل منصب المدير العام لـ «منشورات لوسوي»

ماذا تمثل أفكار الأمير عبد القادر للأميرة فيتوريا ألياتا؟
يجبُ أن نعترف أنَّ التنوير في فكر الأمير وحياته يمثل انعكاساً لقمَّة مظاهر الإسلام الحديث. الأمير رجلٌ كاملٌ، مسالم ومثقف، نبيلٌ، ذو فكر ورؤى ثاقبة، مثال لكلِّ المسلمين وخاصة المسؤولين السياسيين، أن يستدلوا بتجربته كرجل دولة. كما لا يجب أن ننسى الدور المزدوج الذي لعبه كمحارب وكرجل متواضع عندما وضع السلاح.
للأسف! أُتلفت كُتبه أثناء فترة المعاناة القاسية والطويلة التي قضاها بالسجن، مات عددٌ كبير من عائلته، وقد ذهب إلى دمشق بعد احترام نابليون الثالث لوعده، حيثُ أصبح هناك أكثر من ذي سلطة روحية. موَّل وساهم- كذلك- في نشر كتاب الفُتوحات المكيَّة لابن عربي، إذ بدأ بإعطاء دروس علنية وشروحات لهذا الكتاب، وكُتب «الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي».

ما هي اهتمامات الأميرة «فيتوريا آلياتا»؟
ــ في حقيقة الأمر، مهتمة بقراءة ودراسة النصوص الروحية؛ القديمة والتاريخية، وبقراءة كل ما له علاقة بعلم النباتات والطب التقليدي. أما الروايات فلستُ مهتمة بها، عدا الكُتاب الكلاسيكيين الكبار؛ الذين قرأتهم في صغري ودرستهم من أجل الترجمة، وهذا ما قادني إلى إتقان اللغات وآداب كل تلك الدول. كما قرأتُ للكُتاب الشعراء والروائيين العرب كأحلام مستغانمي التي طالعتُ كل أعمالها بمتعة. أحلام مثالٌ للسيدة المثقفة الجميلة، إذْ تمثِّل عكس الصورة النمطية للمرأة العربية والمسلمة؛ التي روّج لها الغرب. أنا شغوفة بالسينما أيضاً، والثقافة والتقاليد الصقلية والكتابات، والطبخ. بصراحة أنا امرأة فضولية، أجدُ متعةً كبيرةً في اكتشاف كلّ شيء جديد، أرى أن العالم يهبنا روائع، والله خلق هذا الكون لنستمتع بكلِّ يومٍ فيه؛ لأنه هبة ربانية.

هل لكِ أن تخبرينا عن صقلية وعلاقتها بالثقافة العربية؟
ـــ سؤال تصعب الإجابة عنه في عجالة، بخاصة أنّ هذا الموضوع يشغلني منذ سنوات. صقلية هي المكان الذي التقتْ فيه الحضارات أكثر من الأندلس؛ لأن صقلية ليست فقط المكان الذي التقى فيه الشرق والغرب، الشمال والجنوب، بل ذابا فيها. مثلاً، الفن القوطي هو نتيجة هذا الالتقاء بين المعماريين والحرفيين المسلمين ومنافسيهم النورمانديين. من هنا تبرز صقلية للعالم كمعلمٍ جمالي للمعمار وإرث إنساني للفن. كمثال، نرى أنّ عباءة وزخرفات معاطف الإمبراطور الروماني المقدس، والألبسة التي ارتداها الإمبراطور الكاثوليكي عبر العصور هي ملابس عربية، من قماش وتطريز قام به خياطون وحرفيون مسلمون في القصر الملكي في باليرمو. كما أنّ مطبخنا مليء بالأسماء العربية، ذات تأثير حاضر للغاية اليوم من المطبخ العربي.
المصطلحات الفلاحية المتعلقة بالري وتوزيع المياه وحفظ المؤن (الأكل) كلها مصطلحات عربية. إنَّ الحضور العربي في الذاكرة الجماعية للشعب الصقلي قوي وراسخ، فهم يفتخرون بكونهم عرباً، ولربما هم العرب الوحيدون؛ الذين يفتخرون بانتمائهم العربي وتمسّكهم بماضيهم كجزءٍ من هويتهم لا يمكن الاستغناء عنه، في الوقت الذي نجد فيه أن معظم العرب يريدون التنصّل من تقاليدهم وهويتهم، فهم يريدون أن يصبحوا أميركيين أكثر من الأميركيين أنفسهم. الصقليون بالعكس يريدون أن يُصبحوا عرباً أكثر من العرب أنفسهم.
في الواقع، أنا شغوفة بالعمارة العربية، قضيتُ جزءاً مهماً من حياتي في اكتشاف الحضارة العربية والإسلامية. خلال رحلتي إلى الحمراء مع جدتي في عُمر العاشرة، أذهلتني حديقة «عريفة». ساعتها قرَّرتُ زيارة العالم العربي، وأردتُ دراسة هذه الحضارة. الانطلاقة كانت من هذه الحديقة الساحرة، وهي حديقة في غرناطة في الأندلس، ومن ثم اكتشافي لقصر «سرسق» المذهل في بيروت؛ الذي دُمِّر في الانفجار المأساوي. كنتُ شابة حين قابلتُ في بيروت إيفون سرسق كوكرن التي عرّفتني بالإرث المهم للفن الإسلامي وفن الشرق الأوسط. في تلك اللحظة من حياتي، بدأتْ معالم هذا الإرث تُرتسم على شخصيتي؛ نصوصي وأبحاثي إلى يومنا هذا. بدأتُ ألتقطُ الصور وأدوِّن كلّ التفاصيل، وأكتشف الأسرار، فكتابي حول المنازل العربية سنة 1980 هو أول كتاب يتناول المنازل والحدائق العربية في ذلك الوقت. بفضل المعماري الكبير حسن فتحي، استطعتُ اكتشاف رموز وألغاز وأسرار العمارة الإسلامية، ومعه كذلك بدأتُ كمرشحة في المغامرة الرائعة التي اسمها «جائزة الآغا خان للعمارة والفنون اليدوية الإسلامية». وهي موجودة لغاية الآن وتشجع المعماريين ومخططي المدن والحرفيين اليدويين في العالم بأسره عبر السنوات الثلاثين من إنشائها، وقد استحقها بجدارة حسن فتحي وقد حضرتها عندما كنت معه في القاهرة في ذلك الوقت.
التنوير في فكر الأمير عبد القادر وحياته يمثل انعكاساً لمظاهر الإسلام الحديث


أثَّرتْ العمارة الإسلامية في شخصيتي كثيراً لأنَّ العمارة الصقلية وحتى عمارة الباروك مثل قصري متأثرة كثيراً بفنّ العمارة العربية، لكن حافظتْ على أساس العمارة الإسلامية كقاعدة خاصة، في البناء مثلاً، شكل العرصات (الفناء)، حجم الحجارة، بالإضافة إلى الزخرفة، والخزف، لدينا الزخارف الهندسية العربية. والزخرف هو إرث زخرفة (الزليج)، ليس من شمال أفريقيا فقط، بل كذلك من الشرق؛ لأن التأثير في صقلية ليس كما يُعتقد أنه جاء من شمال أفريقيا، بل كان هناك تأثيراً قويّاً من الشرق، وتحديداً من بلاد فارس. إذ أنّ التأثير الفارسي في الفن أو ما بقي لنا من الفن الإسلامي في صقلية، مهمٌّ من الناحية الرمزية لخصائصه المنقَّحة. وبالتأكيد أنصح الجميع بزيارة التُّحفة المعمارية الإسلامية الأبرز في العالم أجمع؛ والمتمثلة في سقف كنيسة القصر الملكي في باليرمو، فهي أعظم تحفة فنية مصغرة للعالم الإسلامي. لا تزال موجودة إلى الآن في باليرمو، إلا أنها لم تحظَ بالعناية، فهي مهملة كتحفة معمارية. وعلى الرغم من ذلك، فهي تمنح لهذه الكنيسة الصغيرة المذهبة طرازاً يمنيّاً وآخرَ شرقيّاً لفرادتها بالعالم.

ما هي رؤية فيتوريا ألياتا للعالم بعد جائحة كورونا؟
ــ بالنسبة إلى الجائحة وتبعاتها، أرى أنه علينا المقاومة حالياً؛ ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل بمجابهة كل من يحاولُ محوَ الحضارة وتشويه الهويات الوطنية، تشويه الذاكرة، إذ يتحتَّم علينا الآن أن نناضل، حتى نتجنَّب إعادة تشكيلنا من جديد؛ عن طريق التداخل الجيني الذي يصبون من خلاله إلى تغيير الإنسان والتلاعب به عبر الذكاء الاصطناعي، هذا أمر شرحه يطول. هذا ليس خيالاً علميّاً كما كنتُ أتخيَّل سنتَي 1970/ 1971 عندما كتبتُ أول كتبي InDigest. إنّ وسيلة المقاومة الوحيدة لكلِّ هذا هي الله، والإيمان العميق به والعمل بتعاليمه التي جاء بها القرآن الكريم؛ من قيمٍ سمحاء تنظِّم حياة البشر وتقوّم سلوكهم.

مارأيك في تصريح الشيخة جواهر القاسمي الأخير؟
تُعتبر الشيخة جواهر القاسمي زوجة أمير الشارقة، واحدة مِن الأميرات العربيات المُحجَّبات، اللواتي لفتن انتباه الغرب في مجال النضَال؛ على الصعيد العالمي، ولا سيَّما مُساعداتها للأطفال المصابين بأمراضٍ خطيرة. وهو ما يتعارضُ تماماً مع «المحسنين» الغربيين المعاصرين؛ الذين يستخدمون المساعدات لتوسيع نفوذهم، وتجنّب دفع الضرائب. غيرَ أنَّ هذه السيدة المتواضعة تقوم بالأعمال الخيرية خُفية، وقد صرّحت هذه المثقفة الشجاعة عبر مقال بعنوان «فبركة الكره: الإسلام في المؤسسات التعليمية الإسرائيلية» قالت فيه إنّ «التلميذ الإسرائيلي يتعلَّم منذُ طفولته أنَّ جميع المسلمين والعرب إرهابيون، ويجب على القوات الإسرائيلية قتلهم. فَهُم هَمَجِيون ليس لهم جذور في هذا البلد». ولم تتردَّد الشيخة جواهر في التكلُّم عن المسيرة الدموية لوزير التربية والتعليم الحالي يوآف غالانت Yoav Galant المسؤول عن مجزرة مخيم «جنين» في الضفة الغربية و«قانا» في لبنان. كما أنها عدّدت النصوص والصفحات التي يقومون من خلالها بتدريس الأطفال كيفية تدمير المسلمين، حتى أولئك الذين لا يحاربون إسرائيل، وينصحونهم أن ذلك من باب الواجب الديني... من ذا الذي سيجرؤ أن يعطي هذه المرأة مكانتها ورسالتها المنشودة من خلال عملها، سواء أكان رئيس دولةٍ، أم منظمة دولية أم إعلاماً «حرّاً»؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا