على الرغم من أن قصته بسيطة، وليست جديدة سينمائياً؛ وجد «النمر الأبيض» (قصة الفيلم مبنيّة على كتاب بالعنوان نفسه للهندي أراڤيند أديغا) تفرّداً معيّناً من خلال نص حازم، يوضح بشكل مستفزّ العلاقة المهينة بين السادة والخدم. لمناهضة الرأسمالية، اختار المخرج الإيراني الأميركي رامين بهراني نهجاً رصيناً، ونغمة قاسية، لإظهار مدى هشاشة الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تحكم البشرية (هذه ليست المرة الأولى، ففيلماه Chop Shop و99 Homes خير مثال على التزامه اليساري). يمسك «النمر الأبيض» المشاهد بمخلبه ويسليه ويستفزّه ويضحكه من داخل الهند المجنونة. يروي الفيلم رحلة بارلام (أدارش غوراڤ) المضطربة من الأسفل إلى الأعلى. أكثر من ذلك، يركز على عقلية الهنود من الطبقة الدنيا الذين يفكرون دائماً مثل الخدم، وهدفهم الرئيسي خدمة وإرضاء أسيادهم، في علاقة تبعية نفسية. يوضح أن الغالبية العظمى من السكان الذين يعيشون في فقر، يعانون باستمرار من متلازمة استوكهولم تجاه أرباب عملهم الأثرياء. يكشف هذه الظاهرة في الهند المعاصرة في فترة ما بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، والعلاقة بين الهند والصين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. يجسد بارلام خضوع الفقراء للأغنياء، فهم مبرمجون على الطاعة. وتدريجاً، يقوم بتفكيك نفسه وهذا الجانب من شخصيته، ليدرك أنه هو نفسه يريد أن يصبح سيداً يوماً ما، وربما رائد أعمال في مجال التكنولوجيا، وهذا يعني أن عليه السير على خط رفيع للوصول، والنتيجة قد لا تكون أخلاقية ولا إنسانية بل همجية، ولكن في النظام الرأسمالي كل شيء له ثمن!

بكوميديا سوداء ساخرة وبعض الأجزاء الميلودرامية؛ يقدم الفيلم قصة ازدواجية الرأسمالية وعواقبها مع هجاء المجتمع الهندي. يكشف الفيلم مصير بارلام في بضع دقائق. لذلك كان التطوير مبنياً بطريقة محكمة لتبرير النهاية. نية بهراني بهذا الأسلوب السينمائي هي زيادة الفضول. في الفيلم، نناقش حقائق حياة بارلام، من خلال تفاعل خارج السرد. ولإضفاء العمق والمزيد من الواقعية للرحلة، يظهر صوت بارلام دوماً في الوقت المناسب لتوضيح أي شكوك، وتقديم انتقادات، وإلقاء المزيد من الضوء على دوافعه.

يجسّد خضوع الفقراء للأغنياء، فهم مبرمجون على الطاعة

إيقاع الفيلم ليس ثابتاً، تارة يتسارع وطوراً يصبح انعكاساً لشيء ويمشي ببطء، وفي بعض المرات يكسر الجدار الرابع. يستخدم الفيلم استعارات كثيرة، أكثرها لفتاً تلك التي تلخّص حالة الفقراء عند مقارنتهم بفكرة «قن الدجاج». النص لا يضفي طابعاً رومانسياً على الفقر، بل على العكس، يكاد يدين هذا الوضع والذين يتقبلونه. بارلام ليس ملاكاً نقياً، فالازدواجية في مواقفه تجعله بطلا مضاداً (Antihero)، وقد أضفت جاذبية الممثل أدارش غوراڤ وأداؤه الكثير. ولإبقاء الفيلم على المسار الصحيح، يتبع بهراني نهجاً مختلفاً للحديث عن عدم المساواة الاجتماعية. فالقصة مدروسة ومفصلية وأنيقة، بمعنى أن المخرج يفهم أن محتوى الفيلم ثقيل ومليء بالمعلومات، لكنه يمزجه ببعض الوسائط السينمائية التي تجعل القصة أكثر قبولاً وجاذبية لمجموعة واسعة من المشاهدين. «النمر الأبيض» هو تعليق ساخر مركب عن التفاوت والاحتكاك الطبقييْن في الهند (ولِمَ لا في العالم).

* The White Tiger على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا