بدأت الحفريّات الأثريّة في موقع جبيل على الساحل اللبناني في أعوام ١٩٢١-١٩٢٤ تحت إشراف بيار مونتي واستؤنفت في أعوام ١٩٢٦- ١٩٧٣ بإشراف موريس دونان وتمّ نشر مُكتشفاتهما ودِراساتهما في مُجلّدات عدّة. مع ذلك، نحن نجهل الكثير عن هذا الموقع وسُكانه القدامى وأمامنا الكثير من العمل كي نكشف أسراره. ما أٌقدّمه هنا هو نتاج بحث طويل يتناول الطقوس الدينية الممارَسة في العصر البرونزي الوسيط في أحد معابد المدينة من خلال مجموعة من التماثيل الصغيرة ذات الشكل الحيواني، كانت مدفونة تحت أرضية المعبد.

أظهرت الحفريّات في جبيل وجود الكثير من المعابد والمباني ذات الطابع الديني. اللافت أنّ أرضية هذه العمارات تَحوي الكثير من المتاع الأثري المخُزَّن بمعظمه داخل جِرار فخارية دُفنت في حُفر تحت أرضية هذه المعابد. دَفنُ الأغراض تحت الأرضية طقس مارسه كثيرون من سكان بلاد الشام في العصر البرونزي الوسيط أي ما بين عامَي ٢٠٠٠- ١٦٠٠ ق.م. مثلاً في مدينة إيبلا الأثريّة الواقعة في شمال غرب سوريا، وُجِدت العديد من هذه الحُفر المعروفة باسم favissa والمليئة بتماثيل وأوانٍ فخارية تحت أرضية المعبد. لكن اللافت في جبيل هو كثرة هذه الحُفر من جهة ونوعية المتاع المدفون داخلها من جهة أخرى. فقد حَفر الكنعانيون في جبيل حوالى أربعين حُفرة في أرضية أربعة معابد ووَضعوا بداخلها أغراضاً مصنوعة بأغلبيتها من موادّ ثمينة، وهي كناية عن أعداد كبيرة من التماثيل البرونزية الصغيرة ذات الشكل الإنساني وأنواع عديدة من السلاح المصنوع من البرونز، إضافةً الى أساور من ذهب ومجوهرات وأغراض أخرى. لكن لماذا أتعب الجبيليون القدامى أنفسهم في جمع هذا المتاع ووضعه في جِرار ودفنه تحت أرضية المعابد؟ بما أنّنا داخل مكان مقدّس، فلا بد من أن تكون هذه الممارسة جزءاً من طقس ديني. هناك فرضيتان قُدمتا لتفسير هذه الظاهرة: الأولى تعتبر هذه الحُفر بمثابة إيداع تأسيسي لتشييد المعبد، أي أنّ هذه الأغراض دُفنت في الأرض عند البدء بأعمال البناء وهي قرابين قُدّمت للآلهة كي تحمي عملية البناء والمبنى معاً. أما بالنسبة إلى الفرضية الثانية، فهذه الحُفر تحتوي قرابين وهدايا قدّمها المؤمنون للآلهة في مناسبات مختلفة ووُضعت في المعابد. ولمّا ازداد عددها وضاق بها المكان، جُمعت هذه القرابين التي هي ملك للآلهة، ودُفنت تحت الأرضية لتبقى ضمن المكان المقدّس المُعتبر بيت الآلهة، وتتأمّن بالتالي مساحة لاستيعاب قرابين جديدة. لكن هل تَتطابق هاتان الفرضيتان مع رمزية ووظيفة هذه الأغراض جميعها؟ بمعنى آخر، هل يمكننا افتراض أنّ هذه الأسلحة والمجوهرات والتماثيل الصغيرة وغيرها كانت ــ بالنسبة إلى الكنعانيين الجبيليين ـــ كلها قرابين لحماية المعبد أو هدايا مقدمة للآلهة؟ سنطرح هذه الأسئلة على مجموعة صغيرة من هذا المتاع دُفنت في حفرة تحت أرضية معبد «المسلات». نعم نطرح السؤال على المتاع الأثري، فعلم الآثار هو كناية عن حوار مفتوح مع الأغراض القديمة الأثرية. تتعدّد أساليب هذا العلم ومنهجياته، ولكن الهدف واحد وهو استنطاق الحجارة، لعلّها تخبرنا.

معبد «المسلّات»
تضُم هذه المجموعة حوالى مئتين وستين تمثالاً صغيراً ذا شكل حيواني، تُمثّل أنواعاً حيوانيّة عدّة كالقرد بصنفَيه البابون والسعدان، فرس النهر، الكلب، القطة، إضافة إلى القنفذ والفأر والحمل والبقرة وكذلك الدب والأسد. هي تُمثل هذه الحيوانات بوضعيات عفوية وطبيعية: البابون متربّعاً، القردة تضم صغيرها إلى صدرها، فرس النهر ماشياً أو سابحاً، الكلب مستلقياً، الفأر ينقر الطعام، القطة متمدّدة، البقرة مستلقية مع صغيرها. أما الأسد فيظهر منتصباً على ساقيه بوضعية استثنائية. هذه التماثيل الخزفيّة معروفة أيضاً بالفَييانزيّة (faïence)، وهي مغلّفة أساساً بغلاف زجاجي لونه أزرق لمّاع، لكنها خسرته مع الوقت وأضحت بلون تُربة السيليكا البيضاء-الرمادية التي تكونها من الداخل. وُضعت هذه التماثيل مع أغراض أخرى داخل تجويفة حُفرت تحت أرضية معبد «المسلات»، وهو أحد أهمّ المعابد في مدينة جبيل. بَنى الجبيليون هذا المعبد في أوائل العصر البرونزي الوسيط (حوالى ٢٠٠٠ ق.م.) على أنقاض معبدهم القديم الذي دُمّر أواخر العصر البرونزي القديم أي في أواخر الألف الثالث ق.م. الجدير بالذكر هنا أنّ تدمير المعبد القديم ترافق مع ظهور العمّوريين وانتشارهم في بلاد الشام ويُنسب إليهم تدمير مدينة جبيل وإعادة بنائها، كما يُنسب الحكم في المدينة في البرونز الوسيط إلى الأسرة العمّوريّة. في بداية الأمر، أدى انتشار العمّوريين إلى تصادم يبدو أنّه تحوّل سريعاً إلى نوع من الانصهار في المجتمعات المتمدّنة.
المهم أنّ الكنعانيين-العمّوريين أعادوا بناء المعبد وفق المخطّط المعروف في المنطقة في تلك الفترة وهو يتألف من ثلاثة أقسام أساسية: رواق أمامي وهيكل ومحراب، كما أُضيفت إليها من الجهة الشرقية دار فسيحة. تضم أرضية هذا المعبد ثمانية تجويفات مليئة بالمتاع، حُفرت في الرواق والهيكل والدار. يحتوي الهيكل على حفرتين: واحدة منهما تحوي التماثيل الفَييانزيّة ذات الشكل الحيوانيّ. وكانت هذه التماثيل موضوعة مباشرة في الأرض مع أغراض فَييانزيّة أخرى منها أوان وتماثيل ذات أشكال إنسانية، إضافة إلى حاويتين فخاريتين تضمّان متاعاً متنوّعاً أغلبه تماثيل برونزية. أما الدار، فتشتمل على حُفر عدة، إضافة إلى أربعين نصباً حجريّاً. هنا لا بدّ من التنويه بأنّ اسم المعبد، «المسلات»، مستمدّ من أشكال هذه الحجارة المُنتصبة التي تُذكِّر بالمسلّات المصرية. فالمسلات المصرية عبارة عن حجارة ضخمة مَصقولة من الجهات الأربع يعلوها هرم مُذهّب، غالباً ما كانت تُنصب داخل المعابد وهي تُجسّد أشعّة الشمس. الحجارة المُنتصبة داخل دار المعبد في جبيل تُذكِّر من حيث الشكل بالمسلات المصرية، فسُميت بـ «المسلات» رغم أنّها لا تحمل المعنى الديني الرمزي المنسوب إلى المسلات في مصر، ما يستلزم وضع كلمة «المسلات» في جبيل بين مزدوجين.
هذه الحجارة المنتصبة ليست العنصر الوحيد الذي يَستحضر الآثار المصرية، فالتماثيل الفَييانزيّة الصغيرة نفسها تُصوّر أشكالاً حيوانيّة شبيهة إلى حدّ التطابق أحياناً مع الأيقونغرافيا الحيوانية الدينيّة المصرية، ما حدا ببعض علماء الآثار للافتراض بأنها مستوردة من مصر. لكنّ أشكال وأصناف الحيوانات المُتمثِّلة بفَييانزيّات جبيل، تُظهر فُروقات كثيرة عن مثيلاتها المصرية، ما يُرجّح فرضية صُنعها محلياً أو مناطقياً من قبل حرفيين كنعانيين متأثرين بمظاهر الفن المصري الفرعوني. لا تُشكّل هذه التماثيل ظاهرة استثنائية أو فريدة، بل هي جزء من الفن الذي يُعتبر على النمط الـ égyptisant أي مُتأثر بالصور الفنيّة المصرية لكنه مصنوع محلياً. وقد لجأ علماء الآثار إلى هذا التصنيف لكثرة وجود منحوتات، في بلاد الشام، تُصوِّر أشكالاً فنيّة مصرية. إذاً، تماثيلنا الصغيرة ذات الشكل الحيواني لها مثيلاتها المصرية، لا بل إنّ هذا الصنف من التماثيل ظهر أولاً في مصر، ومن ثم أنتج الكنعانيون شبيهاً له في محترفاتهم، وهذا نوع من التقليد أو الاقتباس.

التماثيل المصريّة والانبعاث
لقد صُنعت واستُخدمت هذه التماثيل في مصر خلال حقبة المملكة المصرية الوسطى الموازية للعصر البرونزي الوسيط في المشرق. تَوقف استخدامها بعد ذلك، إذ أنّها ارتبطت بالذهنية الدينية التي كانت سائدة في تلك الفترة في بلاد النيل. في أوائل حقبة المملكة المصرية الوسطى، تمّت «دمقرطة» الحياة الأبدية أي أنّه أصبح للجميع حقّ الحصول على حياةٍ بعد الموت بعدما كانت حقاً حصرياً للفرعون وعائلته، فالفرعون لم يكن ملكاً فحسب، بل كان إلهاً في مخيّلة الشعب المصري القديم. تحرَّرت الحياة الأبدية من القيود التقليدية بعد أحداث تاريخية لن نتوقف عندها هنا، وأصبحت نظرياً حقاً للجميع. لكن لكي يحصل الإنسان المصري على الاستمرارية بعد موته، ينبغي له أن يؤَمِّن مقبرةً وتابوتاً، وأن يُخلّد اسمه من خلال حَفره، ويحفظ صورة وَجهه عبر تمثال أو يحفظ جسده عبر التحنيط، ذلك لأنّ «الأرواح» التي ستبقى منه (الإنسان، في الفكر الديني الفرعوني، مكوّن من جسد وعدّة «أرواح» لكل واحدة ميزاتها) بحاجة إلى مُرتكز مادي تعود إليه، وبغياب الجسد يجب تأمين مُرتكز آخر مُستمد من الميت نفسه وهو بمثابة صورة عنه. بغياب هذه الصورة الماديّة، يختفي الإنسان نهائياً بعد موته وتتحول «أرواحه» إلى عدم. لذا، أصبحت الحياة الأبديّة في متناول من لديه الإمكانات الماديّة لتأمين تابوت وتماثيل وإلخ. أي أنّها أصبحت في متناول الأغنياء، فالفقراء كانوا، على الأغلب، يُدفنون داخل حُفرة رمليّة ويختفون إلى الأبد.
لقد شرع الأغنياء في تلك الفترة من تاريخ مصر بالاهتمام بآخرتهم وخاصة بالمُتاع الجنائزي الذي، إلى جانب صورتهم المادية، سوف يساعدهم في الوصول إلى الأبدية. بعد الموت، تبدأ الرحلة، وهي مليئة بالمخاطر والمغامرات الصعبة، وعلى الميت اجتياز كل هذه الصعاب للوصول في النهاية إلى هدفه. وهدفه واحد من اثنين: إما الوصول إلى مركبة الإله رع، إله الشمس، التي تدور إلى ما لا نهاية في السماء خلال النهار وفي أسفل الأرض في الليل، فينضم إليها للأبد. وإما أن يصل إلى مملكة الإله أوزيريس ويجتاز امتحان المحاكمة ويحظى بالأبدية. إنّهما عقيدتان دينيتان مختلفتان لم تلغ الواحدة الأخرى، بل تعايشتا وتقاربتا إلى حد الاندماج أحياناً، فاكتسب الإله أوزيريس مع الوقت صفات شمسية مرتبطة بالإله رع. المهم أنّ الميت يحتاج إلى مساندة لتخطّي المصاعب في رحلته، وهذه المساعدة كانت تتأمّن له بشكل رمزي وسحري عبر المُتاع الجنائزي، ومعظم الأغراض المَوضوعة داخل المقابر هي نوع من تعاويذ للحماية ومن أهمها هذه التماثيل الفَييانزيّة الصغيرة التي تُصور أشكال حيوانات باللون الأزرق البرّاق الذي يُذكِّر بلمعان الشمس.
كذلك، كانت للحيوانات المتمثّلة رمزيتها الخاصة، فالهرة مثلاً كانت حليفة الإله رع في معركته الكونية ضدّ أفعى الفوضى والظلام التي كان عليه أن يهزمها كل ليلة، ليعود ويظهر كل صباح في السماء، والهرة حليفته كونها تصطاد الأفاعي فعلاً في واقع الحياة، فرمزية هذه الحيوانات مستمدّة من صفاتها الواقعية. القردة البابون تتجمّع عند الفجر وتتربع في انتظار ظهور أشعة الشمس لتُدفئ أجسادها وتُصدر نوعاً من النهات التي اعتبرها المصريون تهليلاً لظهور الشمس، فأصبحت هذه الحيوانات مرتبطة بالشمس ورموزها. كما أنّ صورة البابون كانت تُمثّل عدّة آلهة مصرية، خاصةً الإله تحوت إله الكتابة والمعرفة، وهو أيضاً المقاتل في باخرة رع وحامي عين الشمس الليلية والمدافع عن الميت من أعدائه. الجدير ذكره أنّ الآلهة المصرية كانت تُرسم بأشكال مقوننة ومتعددة، وكان من الممكن أن يأخذ الإله أكثر من مظهر ويُقدَّم أحياناً على شكل إنسان وأحياناً على شكل حيوان وأحياناً أخرى على شكل جسد إنسان ووجه حيوان. من هنا كانت صور الحيوانات تلعب دوراً مهماً في الفكر الديني المصري، وكانت هذه التماثيل الفَييانزيّة الموضوعة داخل مقابر الأغنياء في طيبة وأبيدوس ومدن أخرى تؤمّن الحماية الرمزية-السحرية للميت وتساعد على إعادة إحيائه ليتنعّم بالحياة الأبدية، فهي بالتالي أغراض تساعد على انبعاث الحياة من جديد.

طقوس جنائزيّة
في جبيل، لم تُوضع هذه التماثيل الصغيرة داخل القبور بل وُضعت في حُفرة داخل المعبد. هذا ليس تفصيلاً، فوجودها داخل معبد يُشير الى أنّ الكنعانيين منحوها بعداً آخر ووظيفة مختلفة. لقد اعتبر علماء الآثار هذه القطع المستوحاة بشكلها من الأيقونغرافيا المصرية، قرابين لحماية المعبد أو هدايا مقدمة للآلهة (كذلك مجمل الأغراض المدفونة تحت أرضيّة المعابد في جبيل). ولكن من الصعب الأخذ بهاتين النظريتين، إذ لا يمكننا فصل هذه الفَييانزيّات الحيوانيّة عن رمزيتها المرتبطة بالموت في بلاد النيل، كما لا يمكننا تحميلها معانيَ لا ترتبط بها. إن الإيداع التأسيسي يُدفن عند المباشرة بالبناء، ومعبد «المسلات» أُعيد بناؤه في القرن العشرين ق.م. بينما تمّ استخدام هذه الفَييانزيّات في القرنين الثامن والسابع عشر ق.م. وبالتالي لا يمكنها أن تكون إيداعاً تأسيسياً للحماية، وهي قد وُضعت تحت الأرضية بعد الانتهاء من بناء المعبد بقرنين على الأقل. أما الوظيفة الثانية أي القرابين المقدمة للآلهة، فهي لا تتطابق مع هذه الفَييانزيّات لأنّ الحيوانات التي تُمثّلها ليست رموزاً للآلهة الكنعانية. لقد تخيّل الكنعانيون آلهتهم وصوّروها على شكل إنساني فقط. الآلهة الكنعانية مثل آلهة بلاد ما بين النهرين، ليست لها أشكال حيوانيّة بل هي تُرسم على صورة إنسان، وقد تُرافق بعض الآلهة رموز حيوانيّة كالأسد المتربع عند قدمَي الإلهة عشتار (لكنه ليس أسداً منتصباً على ساقيه كما الأسود المتمثّلة بفَييانزيّات معبد «المسلات»). في حال كانت القرابين الإلهيّة تماثيل ذات شكل حيواني، يجب أن تُصوِّر الحيوانات-الرموز المرتبطة بهذه الآلهة. لكن القرود وفرس النهر والقنفذ والهررة وأغلبية الحيوانات المتمثلة في فَييانزيّات معبد «المسلات» لا تمت بصلة إلى الرموز الحيوانّية الإلهيّة المعروفة في المشرق. هي ليست رموزاً لآلهة كنعانية معبودة في جبيل، فلا يمكن لها إذاً أن تكون قرابين للآلهة.
لا بدّ من أن هذه التماثيل احتفظت في جبيل برمزيتها المرتبطة بالموت، ودفنها تحت أرضية المعبد هو فعل له علاقة بالطقوس الجنائزية الكنعانية. فهي، رغم شكلها المتأثر بالفن المصري، مرتبطة بنظرة الكنعانيين وفهمهم للموت ولحياة ما بعد الموت. نظرتهم إلى هذه المسائل كانت مغايرة تماماً لميتولوجيا الموت والأبديّة الفرعونية. إنّ الفكر الديني والخيال الميتولوجي لدى الكنعانيين هما أقرب إلى عالم ما بين النهرين، وتصوّرهما للحياة بعد الموت مشابه لميتولوجيا الموت في بلاد الرافدين. الموت عند المشرقيين مختلف عن الموت عند الفراعنة (وهنا نستخدم كلمة مشرق بمعنى الشرق الأدنى القديم). نهاية الحياة ليست نهاية مطلقة، فالعدم لا وجود له في مخيلتهم.

تماثيلنا الصغيرة ذات الشكل الحيواني ظهرت أولاً في مصر، قبل أن ينتج الكنعانيون شبيهاً لها

بعد الموت، يتحلّل الجسد ويعود إلى التراب الذي صُنع منه. أما «الروح»، فتذهب إلى عالم الآخرة أو العالم السفلي وتستمر إلى ما لا نهاية في حالة من الوجود الباهت الحزين، لا تعرف العذاب ولا تعرف الفرح. يتوجه إلى هناك جميع الموتى بدون استثناء ويثبّتون إلى الأبد في عالم الموتى من دون أن يخضعوا لحساب أو مساءلة أو محاكمة. كل الموتى، الصالح والفاسد، الغني والفقير، لهم مصير واحد هو الاستمرار الكئيب والمضجر في عالم ما بعد الموت. عالم مظلم، مليء بالغبار والوحل، فلا يجد الموتى ما يأكلونه أو يشربونه فيه سوى التربة الموحلة. لذا، فإن أهمّ الطقوس الكنعانية الجنائزية تتمحور حول تقديم الماء للموتى وسقيهم لكي يرتووا، وتقديم الأضاحي لهم والقرابين الغذائية لتحسين ظروف وجودهم في ذاك العالم. في المقابل، يؤمّن الموتى المكرّمون للأحياء نوعاً من الحماية ومن التأثير الإيجابي على حياتهم. هذا ما تُخبرنا به ميتولوجيا بلاد ما بين النهرين وما تُظهره الشواهد الكتابية والأثريّة المُكتشفة في مواقع بلاد الشام بما فيها المدن المشرقيّة المتوسطيّة. إنّ الخيال الميتولوجي لمجتمعات المدن الواقعة على الشاطئ الشرقي للمتوسط هو جزء من الفكر الديني-الميتولوجي المشرقي رغم تلقيه العديد من التأثيرات الآتية من العالم المصري. وهذا ما يشكّل إحدى خصوصياتها ضمن العالم الشرقي القديم، ففكرها الديني الكنعاني يبقى ثابتاً في العمق رغم تجليه أحياناً في أشكال مستوحاة من الحضارة الفرعونية. تُجسّد فَييانزيّات جبيل هذا الواقع، وتقدّم بأشكالها الفنيّة المصرية طقوساً جنائزية مشرقيّة ومحليّة جبيلية. أما أهم الشعائر الجنائزية السائدة في المشرق، خاصة في بلاد الشام، في العصر البرونزي الوسيط، فكانت طقوس تكريم وتمجيد الأسلاف.
كان لكل عائلة أسلافها، وهذه الطقوس تُكرّم مجمل الموتى ليس الأجداد فحسب بل الأسلاف جميعاً. هكذا يُمجِّد الأحياء من العائلة الموتى الذين يعرفونهم وعايشوهم كما الموتى الذين لم يعرفوهم يوماً، فيَعُودون بالذاكرة إلى الأسلاف الأساسيين الذين تَحدّرت منهم العائلة، يكرّمون الأصل وجذورهم المشتركة. كان لتلك الطقوس تأثير قوي في أفراد العائلة الكبيرة، فتعزز روابطهم وتضمن التكافل في ما بينهم من خلال إعادة التذكير بأصلهم الواحد. تُشكّل السلالة الملكية صلب هذه العائلات ومُرتكزها الأساسي، إذ أنّ الوظيفة والمسوؤلية المَلكية تقتضيان تأمين الاستقرار والاستمرارية للمجتمع، وكانت بالتالي طقوس تكريم الملوك-الأسلاف هي الأهم، إذ تطاول المجتمع بأكمله، تُذكِّره بتاريخه الجامع وتُقوّي اللحمة بين أهله، كما تُثبّت سلطة السلالة الحاكمة. كذلك، ترمي طقوس التكريم لاستجلاب اهتمام الملوك-الأسلاف، فيبسطون رعايتهم ويصبحون القوّة الحامية والضامنة لازدهار المدينة. وصلتنا من مدينة إيبلا، في العصر البرونزي القديم، العديد من الكتابات التي تَذكر احتفالات تمجيد الملوك-الأسلاف، وتُخبرنا هذه المصادر عن القرابين التي كانوا يُقدّمونها للموتى. كانت تتمحور تلك الطقوس حول فكرة المائدة وتقديم الطعام والشراب للموتى ومشاركتهم بها، فتصبح المائدة مشتركة بين الأحياء والأموات، كذلك تتضمّن هذه الشعائر تَقديم الهدايا للموتى. تُقام شعائر تكريم الملوك-الأسلاف داخل المقبرة الملكية وأيضاً داخل المعابد. في إيبلا مثلاً، هناك معبد، يعود إلى البرونز الوسيط، مخصّص لهذه الشعائر التي كانت تتضمّن دَفن الهدايا المقدمة للأسلاف. أما في مدينة قطنا، حالياً قرية المشرفة في الشمال الشرقي من مدينة حمص، فقد مورست هذه الطقوس، في العصر البرونزي الوسيط والحديث، داخل المقبرة الملكية المحفورة في أسفل القصر الملكي ووُجدت مع البقايا العظميّة للموتى قرابين وهدايا من بينها تمثال فَييانزيّ صغير على شكل فرس النهر مشابه لمثيلاته في جبيل.

الفكر الديني والخيال الميتولوجي لدى الكنعانيين هما أقرب إلى عالم ما بين النهرين


تظهر هذه الشواهد أنّ الكنعانيين لم يُجرّدوا هذه الفَييانزيّات من رمزيتها الجنائزية، بل دمجوها ضمن طقوسهم ومعتقداتهم. ومن المُرجح أنّ الكنعانيين الجبيليين استخدموا الفَييانزيّات الحيوانيّة خلال طقوس جنائزية كانت تُمارس داخل معبد «المسلات» في جبيل، فدُفنت هذه التماثيل في سياق هذه الطقوس، وهي هدايا مُقدمة للأسلاف. من جهة أخرى، لا تُشكل هذه التماثيل داخل المعبد العنصر الوحيد المرتبط بالرمزية الجنائزية، فبعض علماء الآثار اعتبر أنّ «المسلات» نفسها هي شواهد لذكرى الموتى نُصبت خلال احتفالات تكريم الموتى-الأسلاف. وقد انتشرت هذه الاحتفالات في العصر البرونزي، وذُكرت في أرشيف مدينة ماري الواقعة على الضفة الغربية من الفرات وأُشير اليها باسم «كيشبو». كذلك مورست في مدينة أوغاريت خلال البرونز الحديث، وفي كلٍّ من هذه المدن اتخذت طابعاً خاصاً.

* أكاديمية وباحثة في الأركيولوجيا
• مراجع هذه المقالة كثيرة، لم يتم ذكرها هنا. يمكن مراجعة المجلة العلمية «بعل»:
Abi Zeid L., BAAL 2018, p. 305-345

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا