عن الشريط الذي جعله يعيش خمس سنوات في المخيّم، وبداياته المهنية، ومشاريعه المقبلة التي تمتد من التعاون مع السينمائي المصري يسري نصرالله، إلى الإقامة في الهند لإنجاز شريط وثائقي هناك، يحدّثنا المخرج علي العربي في هذا اللقاء السريع:


لماذا «كابتن الزعتري»، كيف أتت الفكرة؟ وكيف بدأت العلاقة بينك وبين فوزي ومحمود؟
ـــ بداية حياتي العملية كانت كناية عن توثيق وصنع تقارير عن الحروب لمصلحة بعض القنوات التلفزيونية العالمية. في عام 2013، قررت التوقف لأنني اكتشفت أنّ القنوات تتعاطى مع ضحايا الحروب كأرقام وإحصائيات. أردت أن أتقرّب أكثر من هؤلاء البشر وأسمع قصصهم وأرى تحدياتهم واحتياجاتهم. قررت أن أبدأ بجولات في مخيمات اللاجئين لكي أفهم البشر هناك وكيف يعيشون بعد تجريدهم من حقهم كمواطنين. قابلت فوزي ومحمود في مخيم الزعتري، رأيت شغفهما وفضولهما للحياة وعشقهما لكرة القدم. وقتها، لم يخطر في بالي أن أصنع وثائقياً عنهما. في أحد الأيام، قال لي فوزي بأن المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني لست لاجئاً وأنني مثل أي شخص في العالم، هو داخل المستطيل الأخطر. ومن هنا بدأت القصة وقررت أن أعيش معهما خمس سنوات لأرى أحوالهما وحياتهما. استغرق التصوير ست سنوات، والمونتاج سنة ونصف سنة، وجمعنا في النهاية 700 ساعة من التصوير.

من السهل جداً الوقوع في فخّ السنتمالية في فيلم كهذا، كيف تمكنت من الابتعاد عنها وكيف ساعدك فوزي ومحمود في الابتعاد عن العاطفة الزائدة؟ والأهم كيف تمكنت من الابتعاد عن السياسة المتداخلة في كل شيء؟
ــ كنت أحاول طوال الوقت أن أسيطر على عاطفتي وحبي الشديد للشابين، وأن أكون محايداً كمخرج في قراراتي واختياراتي، وأن أتعامل معهما على أنهما شخصيتان في الفيلم. كان هذا صعباً جداً، لذلك أُجبرت بعد انتهاء التصوير أن أبتعد عن كل شيء، عنهما وعن المخيم وكل شيء له علاقة بالفيلم لمدة سبعة أشهر. وهكذا استطعت أن أصنع الفيلم بعيداً عن العاطفة الزائدة. بالنسبة إلى السياسة في الفيلم، المهم لي كان التلميح وليس التوضيح. قراري أن لا أستغل الأولاد أو المخيم أو أي شخص لأقول وجهة نظري السياسية. المشاهد ذكي، وفوزي ومحمود كذلك، لذلك نقلت كل شيء بشكل واسع وتركت الحكم للمشاهد.

الحوار، هل كان كله عفوياً أم أنّ بعضه مكتوب؟ هل شاركت في بعض الأحداث أو حاولت تغييرها؟ وماذا عن المشاكل اليومية في التصوير ومع الإدارات الرسمية في كلا البلدين؟
ليس هناك حوار مكتوب، ولكن كان هناك روتين يومي بيني وبين فوزي ومحمود، وكنا نتكلم كأصدقاء عمّا سنفعل في النهار. لم أتدخل في ما يقولونه أبداً، ولكن كانت هناك حلقات نقاش طويلة معهما ومع فريق العمل بعيداً عن الكاميرا، لمناقشة وجهات النظر العامة والخاصة. كنت أتمنى تغيير الأحداث في الفيلم وفي حياتهما، ومساعدتهما في احتراف كرة القدم. خلال السنة الأولى، عزّزنا الصداقة بين فريق العمل والشابين وأسرتهما، واستغرقني وقت طويل لكسر حاجز مجتمع متحفّظ. 80% من الفريق كان من البنات، وهذا ساعدني للدخول إلى البيوت وكسر الحواجز الثقافية. التحديات التقنية لا تنتهي بالطبع، كان هناك أكثر من كاميرا في المخيم. كلنا مسكنا الكاميرات وصوّرنا حتى مهندس الصوت والجميع. كان لدينا مصور أبكم، ولكن يقرأ الشفاه، علّمنا قراءة الشفاه، وهكذا استطعنا التواصل خلال تصوير المشاهد الحسّاسة. مفوضية شؤون اللاجئين ساعدتنا كثيراً، كنا نعمل على مشاريع ثانية، طوال مدة التصوير للحصول على التصاريح في المخيم وفي قطر.

هناك مزج بين نوعين من الفيلم، «الوثائقي الشعري» و«المراقبة الوثائقية»، كمخرج لماذا اخترت هذين النوعين بالتحديد والمزج بينهما، وكيف ساعد اختيارك في تقديم القصة كما شاهدتها أنت بالعين المجردة؟ وماذا عن المشاركة في «مهرجان صاندانس»؟
ـــ المشكلة أنّ المشاهدين معتادون على رؤية وثائقيات تشبه المقابلات التلفزيونية، أو مواقف للاجئين يطلبون فيها المساعدة. أردت أن أتقرب أكثر بأسلوب فيه صدق ومشاعر، ولغة سينمائية غير معقّدة وقريبة من الأفلام الروائية. «مهرجان صاندانس» أعاد لي الحماس الذي بدأت أفتقده. هناك خوف بالطبع لأنّ الفيلم لا يمثل فقط اللاجئين ولا سوريا ولا مصر بل الشرق الأوسط، مسؤولية كبيرة، متحمّس ولديّ إيمان كبير.

أين فوزي ومحمود اليوم؟ أخبرنا عن شغفهما الذي أبعدهما عن السياسة، والأهم حدود شغفهما في تحقيق حلمهما أو العودة إلى سوريا؟ وأين أنت اليوم بعد الوثائقي؟
- محمود وفوزي في المخيم، يدرّبان الجيل الأصغر منهما. أحلامهما وشغفهما ما زالا موجودين. فوزي تزوج الفتاة التي يحبها، ومحمود يعيش قصة حب مع فتاة تكلم عنها في الفيلم. يدرسان ويشتغلان، حصلا على بعض المنح بعد عرض الفيلم. بعد «مهرجان صاندانس»، أتخيّل أنّ هناك تغيّراً كبيراً في مستقبلهما. كرة القدم أبعدتهما عن السياسة، والأهم عن استغلالهما من جماعات إرهابية. ما زالوا خائفين من الرجوع إلى سوريا بسبب التجنيد الإجباري، يريدون العودة إلى سوريا التي تركوها وليس سوريا اليوم. أما أنا بعد الوثائقي كمخرج ومنتج، فقد اكتسبت ثقة كبيرة ولديّ فريق عمل أثق به. أعمل كمنتج على مشروع مع المخرج المصري يسري نصرالله، وعلى وثائقي في الهند، وسوف أعيش هناك لسنوات، وأكتب فيلماً روائياً طويلاً. سوف أصنع ما أشعر به، أريد الحرية في السينما.


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا