ما إن يحضر اسم أليخاندرو خودوروفسكي (1929) حتى تنفجر في الرأس قنبلة من الكرنفالات والألوان والصور. ولا يخفى أن الاستعانة بهذه الكلمات لتوصيف أعمال المعلّم التشيلي، تأتي من فشل اللغة في استيعاب دفق قصائد أفلامه البصريّة. إنه عجز، يقترب من أن يكون عجز اللغة عن قول اللاوعي، كما يخبرنا خودوروفسكي نفسه في بداية فيلمه التسجيلي الجديد «سايكوماجيك: فن للشفاء» (104 د). هذه التجربة السينمائية الجديدة، هي أقلّ عقلانية من أن تكون مدرسة علاجية رسمية، وأبلغ (مضموناً) من أن تكون مشاهد ولقطات تراها، تطفئ الجهاز وتنصرف بعدها. علاج فني؟ حتى هذه لن تفي بالمعنى أمام طرحه المتمرّد على مدارس العلاج النفسي التقليدية، ولو أنه توصّل إلى خلاصة تدعو الفن إلى التخلّي عن كلّ مهامّه مقابل الاحتفاظ بوظيفة مداواة الناس، خصوصاً في العصر الحالي الذي رسم ملامحه باكراً منذ فيلمه الطليعي والمدهش «الجبل المقدّس» (1973).

في هذا الشريط (يُعرض على منصّات إلكترونيّة عدة منها Vimeo)، يطرح خودوروفسكي مقدّمة لتياره العلاجي السحري الذي دشّنه قبل عقود خارج جدران العيادة النفسية. ممارسة علاجية لن تلاقي مطرحاً أو اعترافاً من أي من مؤسّسات التحليل النفسي. إنه لا يطلبها أساساً، وهي أضيق من أن تقدر على تحمّله. يأتي العمل نتيجة سنوات من ممارسة خودوروفسكي لهذا العلاج في لقاءات فردية وجماعيّة مع الجمهور في المسارح والمقاهي والشوارع، كما كان قد قدّمه مكتوباً في عدد من المؤلفات. والسحرية في هذا العلاج النفسي هي مزيج من المسرح والشعر الصور وأوراق التارو والحركيّة، التي تقترح سبلاً مختلفة، ملموسة غالباً للوصول إلى الذات وترميمها. يصقل الفنان أدواته بفهم نفسي عميق للنفس البشرية، بالاستناد إلى مؤلّفات عالم النفس الأميركي ميلتون إريكسون، وتعاليم البوذية اليابانية، والفلسفة الشامانية وتقاليد ساحراتها المكسيكيات. تأثرات تجد سبيلها عبر لغة بصريّة مدهشة لا تفارق الرأس بسهولة، ولا يمكن فصلها عن معظم أفلامه التي لم تتسع لها طموحات المنتجين. أمضى خودوروفسكي حياته السينمائية خارج اعتراف المنتجين به، فعل ذلك لحماية مخيّلته التي تبدو بجموحها كمخيّلة للخيال نفسه. اضطر بسبب ذلك إلى المكوث لعقدين من دون صناعة أي فيلم، ليعود سنة 2013 برائعته «رقصة الواقع». كرهه المنتجون أكثر ممّا كره لهاثهم خلف المال. كثيرون منهم أداروا له ظهورهم فجأة، أو أوقفوا عرض أفلامه لسنوات كانتقام على عصيانه لهم. لم يكن أمامه لاحقاً إلا الاعتماد على دعم جمهور المشاهدين، منهم جون لينون الذي موّل فيلمه «الجبل المقدّس» (1973) بمليون دولار بعدما كان قد أعجب بفيلمه El Topo سنة 1970. فيلمه الحالي كذلك، لم يكن ليبصر النور أيضاً، لولا التمويل الجماعي من جمهوره.
منذ بداية «سايكوماجيك: فن للشفاء»، يضع خودوروفسكي تيّاره العلاجي ضمن سياقه التاريخي: «اخترع فرويد التحليل النفسي وهي ممارسة متأصّلة في العلم، واخترع خودوروفسكي العلاج النفسي السحري (سايكو ماجيك) وهي ممارسة متأصّلة في الفن»، كأن الجملة تهوي كفأس على طيف فرويد، وهي في الوقت نفسه توسّع من أطر وحدود ممارسته الخاصّة. يظهر جودو في مراراً في الفيلم. رجل تسعيني حكيم، يفسّر قصور التحليل النفسي ببقائه محصوراً في الكلام، وفي أشهر طويلة من الثرثرة، بينما، في المقابل، يستطيع المعالج في تياره السحري أن يعتمد سبلاً فنية مختلفة أثناء العلاج، أهمّها الحركة واللمس بما يحملانه من حضور أساسي للجسد، بكلّ حالاته كجزء أساسي من رحلة الشفاء التي يقدّمها مجّاناً (فقط يطلب من بعض من خضعوا للعلاج أن يرسلوا له نصوصاً عن تجاربهم أو يكتفي أحياناً بالطلب منهم أن يكتبوا بأصابعهم عبارة «شكراً» على يده). يُرجع تخلّيه عن اللغة إلى فشلها غالباً في نقل اللاوعي، وحتى حين تبلغه، فإن الكلام يترك اللاوعي معلّقاً، وعاجزاً عن عبور الشفتين. ماذا بعد الكلام في العلاج النفسي؟ من هنا يمنح اللاوعي والأحلام والمخاوف لغة أخرى عبر شعريّة جسديّة تتبع خطى السورياليين الأوائل، يبلغ الفيلم مراحل متقدّمة من تجسيد صادم لهذه الدواخل.
ينزل الفنان الفيلسوف من برجه ليلمس ألم العالم، وفق تعبيره. يعين مرضاه على التخلّص من وجوه أهلهم أو من ترسّبات الماضي وصدماته. يمرّ الشريط على عدد من الحالات والمعاناة النفسية المختلفة، مقتطعاً المشاهد الأبرز والأكثر تأثيراً من هذه العمليّة التي تعتمد أساساً على قراءة متعمّقة لشجرة العائلة، بما تحمله من أمراض تتكرّر وتنتقل من جيل إلى جيل. قالب الفيلم بسيط. تتوالى هذه التجارب في تراتبية مشهدية، نتعرّف فيها إلى الصدمة، ثمّ إلى المشاهد العلاجية، والنتائج التي تظهر على المرضى بعدها. ومثلما فتحت أفلامه سبلاً لا متناهية لرؤية العالم بكامل أشكاله وكائناته وأطيافه الغرائبية، يمدّ مرضاه بسبل كثيرة للتعرّف إلى الذات، للغوص بصدماتهم والوقوع فيها. تقوم المشاهد العلاجية على ما يشبه الاستعارات الشعرية التي يدعو المشاركين إلى خوضها واقعياً، وتجسيدها كما لو أنه يبقر بطن هذه الهواجس ويضعها أمامنا. شابّة تتردّد وتعجز نفسياً عن خوض تجربة الحمل، ستمزّق ثيابها وتعيد تجربة الولادة مع أبوين (ممثلين) يساعدانها على إتمام خطواتها الأولى. سنرى الشابة نفسها بعد أشهر ببطن منتفخ، وقد استطاعت أخيراً أن تتخلّص من تجربتها المريرة مع أمّها. رجل حاول الانتحار سيُدفن حيّاً، قبل أن يطيّر سطوة والده ببالونات حمراء. مقابل سحر هذه الاستعارات والأفعال العلاجية التي يؤديها المتألمون، فإننا لن نعثر على صورة نظيفة تماماً. ذلك أن خوض الرحلة العلاجية يحتّم النزول إلى القعر وما يحمله من ترسّبات وتجارب مريرة. مفارقة جماليّة، تُخرج صوراً شعريّة بليغة من لبّ القباحة الصادمة، رأيناها مراراً في أفلامه وفي مشاهد يطيّر فيها العصافير من صدور القتلى المدمّاة.
يستثمر خودوروفسكي الحضور الجسدي إلى أقصاه، بشلله وقيامته وسوائله على السواء، في مشاهد تهزّ وتؤلم وتحرر في الوقت نفسه، وفيها، يستخدم الأزياء والألوان... امرأة تدفن فستان عرسها لكي تتخلّص من طيف حبيبها المنتحر قبل فترة من زواجهما، وستعيد قفزته لكن من الطائرة. شابّ قضى أربعين سنة من حياته مختبئاً خلف تلعثم لسانه. بعد قراءة شجرة عائلته، يقترح خودوروفسكي أنّ تلعثمه اللفظي هو تمظهر لحالة نفسية من الخصي الجنسي، أصابته بعد طلاق والديه. إنه لا يزال يشعر بأنه صبي في الثانية عشرة من عمره. لذا سيدعوه إلى قضاء نهار بثياب هذا الطفل، لكي يخرجه بالركض واللعب أمام الجميع، قبل أن يضغط على عضوه الذكري لاستخراج طاقته الجنسيّة الكامنة. بعدها ستصوّره الكاميرا مجدّداً لتدهشنا بطلاقته في الحديث. ربّما سيرى المشاهدون بعض الاقتراحات العلاجيّة كاختزال للحالات النفسية، خصوصاً حين يقدّم خطوات رمزيّة بسيطة للمرضى. لكن خودوروفسكي لا يدّعي امتلاك أكثر مما يستطيعه هذا العلاج. وهو بهذا يعبّر، بشفافية أحياناً عن العجز البشري الثابت أمام الألم والموت. كما يترك مجالاً وحقاً للمشاهد بأن يشكّك في كلّ ذلك، خصوصاً أنه لا يسعى خلف أيّ تبريرات منطقيّة، بل يستسلم إلى السحر الذي يتموضع في أكثر الإيحاءات بساطة مثل العناق، وفي لمس الألم، حرفياً، لا مجازيّاً.

يجعل من دماء الدورة الشهرية لدى النساء، سيلاً من الألوان من أجل أن يتقبّلن صورهن

طوال مدة الفيلم، يظهر خودوروفسكي برفقة أبطاله، يتقمّص دور المعالج والنموذج الأبوي والمخرج والمعلّم الملهم. في النهاية، ما هو العلاج النفسي السحري؟ لدى الفيلم سيل من التعريفات التي نراها حين يستبدل كرسي التحليل النفسي بمقعد في مدينة ملاهٍ. يضع الألم في أحشاء الحيوانات الميّتة. يمدّ السنوات الطويلة لإحدى المريضات بعمر شجرة تبلغ مئات الأعوام. يجعل من دماء الدورة الشهرية لدى النساء، سيلاً من الألوان من أجل أن يتقبّلن صورهن منذ أن مُنعن من دخول المعبد في عصر موسى. يدفن سنوات الألم مع سلاسل حديدية يجرجرها العاشقان وراءهما في الشارع. يمزج خودوروفسكي هذه المشاهد مع لقطات من أفلامه منها «فاندو وليز» (1968)، وEl Topo وفيلماه الأخيران «رقصة الواقع» (2013) ثم «شعر لا نهائي» (2015) اللذان جاءا كعلاج سحري للمخرج نفسه للتصالح مع تاريخ عائلته. لقطات سينمائية تتقاطع مع بعض مشاهد الشريط كما حين يقدّم علاجاً جماعياً لسكان المكسيك، ضمن كرنفال رثائي للتعبير عن الحزن على موت 70 ألفاً من الشعب في حروب المخدّرات. قد لا يجد بعضهم توصيفاً لهذا العلاج إلا الشعوذة، خصوصاً لدى شروعه بعلاج الحالات المرضية الفيزيولوجية مثل السرطان، كبديل لأساليب العلاج الطبية الطاحنة كما تصفها مريضة تخوض تجربة علاجية على أحد مسارح التشيلي مع خودوروفسكي. ما الدليل على نجاح ذلك؟ ربّما هذا آخر ما يجب علينا البحث عنه، ذلك أن خودوروفسكي يحترف محو الأدلّة كسائر السحرة وهم يقتنصون انشغال أعيننا بصورهم ومخيّلاتهم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا