في الجزء الجنوبي من سلطنة عمان، انطلقت في عام 1965 واحدة من أطول الثورات في الخليج، والثورة الشيوعية الوحيدة في العالم العربي، التي تأثر مؤسّسوها بالأفكار القومية واليسارية الاشتراكية وحركات التحرّر من الاستعمار والهيمنة الغربية لدول المنطقة والعالم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.


هدفت «ثورة ظفار» التي استمرت عشر سنوات، إلى محاربة نظام السلطان سعيد بن تيمور، والاحتلال البريطاني للسلطنة ووقف سيطرته على النفط العماني، في حقبة فرض فيها بن تيمور، على الأهالي وغالبيتهم من الفلاحين، الفقر الشديد والتخلّف والجهل في ظل انتشار القمع وارتفاع الضرائب، ومنع إنشاء المدارس، إلى درجة رفض السلطان مساعدة كويتية لإنشاء مدارس لمحو الأمية في البلد الشقيق، ما دفع العمانيين عامة وأبناء ظفار خاصة، إلى الهجرة إلى دول الخليج المجاورة. هناك تعرفوا إلى المدّ القومي المتأثر بجمال عبد الناصر وثورة يونيو في عام 1952، فكان تأسيس «جبهة تحرير ظفار» التي قامت ببناء نظام مجتمعي تعليمي واقتصادي وفكري، أرسى المساواة بين الرجل والمرأة. ثورة نسوية ألهمت فيها المناضلة البحرينية ليلى فخرو، الروائي المصري صنع الله إبراهيم، ليجعل منها بطلة روايته «وردة». ابنة العائلة البرجوازية حملت السلاح لمحاربة الظلم والطبقية والاستعمار، وفي المساء اجتهدت لوضع لبنة المدارس الثورية، مؤسِّسة للنظام التعليمي الحديث في السلطنة. حاربت الزواج المبكر في ظفار وختان البنات. وحتى بعد انتهاء الثورة، سعت «هدى سالم» (الاسم الحركي لفخرو)، إلى افتتاح المدارس الرسمية في كل عمان، من خيمة في العراء إلى تخريج طلاب تقلّدوا مناصب رفيعة، بدأتها بمناهج مكتوبة بخط يدها، فرضت فيها التعليم باللغة العربية، بخاصة أنّ الكبار والصغار من الظفاريين يتحدثون اللغة الحميرية والجبالية.
هذا ما سجّلته المخرجة اللبنانية هيني سرور في وثائقي «ساعة التحرير دقت» الذي عملت عليه عام 1971 وعرضته للمرة الأولى عام 1974. لعلّه الوثيقة الوحيدة التي كشفت بالصوت والصورة ما حدث في ظفار. وأعيد عرضه أخيراً عبر موقع «قافلة بين سينمائيات»، المبادرة السينمائية المستقلة والمجانية لعرض أفلام من صنع النساء التي انطلقت من القاهرة عام 2008 ، وتستمر في عروض الأونلاين في ظل جائحة كورونا.

«ساعة التحرير دقّت برا يا استعمار/ سوف يتحدى وجودك شعبنا الجبار»
تصدّرت هذه الأنشودة الفيلم الذي يوثّق الأحداث الثورية في «خليج النفط» كما وصفته سرور في إحدى مقابلاتها، مسجِّلة يومها حضور أول امرأة عربية في «مهرجان كان السينمائي». هي التي خاطرت بحياتها تحت القصف البريطاني، إذ قطعت 800 كيلومتر حتى «الخط الأحمر» الذي تنتهي عنده الأراضي المحرّرة وتبدأ عنده القواعد البريطانية التي تحمي النظام العماني من هجمات الثوار. كانت الناشطة سرور تعبّر عن خيبتها من اليسار اللبناني، المستمر يومها في رفض تناول القضايا النسوية وحقوق المرأة على حدّ تعبيرها. لكن حين سمعت من ممثل «الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل» قوله إنّ ثورتهم تحارب اضطهاد المرأة من قبل الإمبريالية والمجتمع والعائلة، سعت بكل طاقتها لصنع هذ الفيلم الذي أسهم في كشف كيفية عمل ونضال المرأة في الجبهة. تقول هيني سرور عن تلك المرحلة من سبعينيات القرن الماضي، إنّها شهدت في الذكرى السنوية لـ «عيد المدرسة» (خاصة أنّ مدارس الثوار البدائية، تبعد أكثر من 400 كيلومتر مشياً على الأقدام، تحت رحمة القصف البريطاني للوصول إلى المدرسة) طلبت «هدى سالم» مديرة المدرسة من الطلاب الصغار التحضير لعمل مسرحي، يصوّر هروب فتاة صغيرة يريد والدها تزويجها بالقوة برجل مسنّ. ينتهي بها الأمر بالبحث عن ملجأ لها في «مدرسة الثورة». وكانت رسالة المديرة المناضلة، هي حثّ الصبيان المتعلمين في مدارسها على إقناع أهلهم بإرسال أخواتهن البنات للتعلم، وإبعادهن عن مخططات الزواج القسري أو رعي الماشية للقبيلة. تقول المخرجة اللبنانية: «أثبت فيلمي أن ما يُسمى الشعوب المتخلّفة أكثر نضجاً تجاه قضايا النسوية والديمقراطية من مواطني الدول الصناعية».
في الجانب السياسي، تلقّى السطان سعيد بن تيمور دعماً كبيراً من إيران الشاه، وبريطانيا، والسعودية لاحقاً في زمن الملك فيصل آل سعود، في محاولة منه لوقف المدّ القومي المحاصر لمملكته في مصر واليمن الجنوبي، اللذين دعما الثوار الخليجيين بكل الإمكانات مادياً وإعلامياً، وتخوفه على مستقبل نظم الحكم الملكية في الخليج، بخاصة بعد إعلان «جبهة ظفار» في مؤتمرها الثاني قرار عدم اقتصار الثورة على ظفار العمانية عام 1968 مع تغيير اسمها من «الجبهة الشعبية لتحرير ظفار» إلى «الجبهة الشعبية لتحرير الخليج المحتل».
استمرت حرب الكرّ والفرّ بين بن تيمور والثوار، حتى انقلاب قابوس على والده بمساعدة البريطانيين عام 1970، لتبدأ عملية سياسية جديدة شملت العفو عن الثوار وضمّهم للقوات السلطانية النظامية، وتطوير الجيش العماني، من خلال استقدام ضباط إنكليز لشغل المناصب العسكرية مع استمرار العمليات القتالية من قبل الظفاريين ضد السلطان الجديد، أطلق خلالها السلطان الشاب، الوعود ببدء عملية التحديث والتطوير للمناطق المهمّشة ومنها ظفار. وساعده انتهاء الدعم العربي للثوار وتسليم أبرز القادة أنفسهم للجيش السلطاني، وكثرت الاغتيالات بين الثوار والخلافات. أمر استطاع معه السلطان قابوس للمرة الأولى السيطرة على كامل الأراضي في ظفار «المحرّرة» عام 1975.
الثورة التي حرّرت العبيد، وحاربت الأمية والجهل والشعوذة والخرافات في المجتمع الظفاري، وقضت على التمييز القبلي ضد المرأة، ونشرت التعليم والمدارس، وحاولت تقليل نسب الأمية، حاربها الجميع لتنتهي بتصفيتها بالوسائل السلمية والعسكرية، وتوقّفت «الجبهة الشعبية الديمقراطية العمانية» كما باتت تسمى، بعد مؤتمرها الرابع منتصف عام 1992، لتكون بذلك الثورة الشيوعية الوحيدة في المنطقة والخليج التي رمت حجراً في بحيرة الحكام الرجعيين والعادات والتقاليد الظالمة.