لم يكن يوماً عادياً بالنسبة إلى مصّور ومحرر إحدى المجلات الفنية اللذين رافقا أيقونة السينما العالمية آنذاك مارلين مونرو. كان ذلك في أحد أيّام نيويورك المشمسة من سنة 1955 قرب محطة القطارات. فرغم الازدحام الشديد، لم يلحظ أحد الممثلة الشهيرة وهي تتمشى بينهم. علماً أن الكاميرا كانت تلمع ملتقطة صوراً علنية لغواية التمثيل تلك الأيّام. بالغت حينها الممثلة الشهيرة بالحالة، وركبت إحدى العربات من دون الجلبة التي ترافق خطوات المشاهير، ولو كانوا أقّل منها حظوة، كأنها كانت تريد القول صراحة بأن الأمر عائد لقرارها: إما أن تكون مارلين صاحبة الشهرة الصاخبة، أو تعود نورما جين بيكر المواطنة العادية التي لا يعرفها أحد. بعد ذلك، أشفقت على استغراب محاورها، وسألته إن كان يريد رؤية نجمة السينما حاضرة في المكان؟! وما إن هزّ رأسه، حتى أتت بحركة استعراضية مسيجة بالإغراء، ثم أفلتت شعرها واستحضرت هالتها الساحرة. وبلمح البصر، باتت تحتاج مساعدة المصور والمحرر لتهرب من جموع المعجبين الذين أحاطوا بها من كلّ صوب. إنها إذا أسطورة الكاريزما التي يطوّعها بعض المشاهير ليقتنصوا حصّتهم الوافرة من الأضواء الساطعة! هذه الكاريزما هي التي تميّز ممثلاً عن آخر. وهي التي تسم حضور عدد من ممثلي الدراما السورية اليوم، الذين صعدوا سلّم المجد متسلحين بها حتى قبل الموهبة.

يمكن القول بأن النجم السوري محمد الأحمد وسّع لنفسه مكاناً بين نجوم الوطن العربي، وعلى هواء كبرى المحطات الفضائية، بما يملكه من وسامة وكاريزما وموهبة. كأنه في ما يتاح له من فرص وبطولات مطلقة في المسلسلات التلفزيونية، يلعب بربع موهبته، وبكلّ ما يملكه من كاريزما. سيكون جوابه عن باقي مفرداته في صياغة السوية الأدائية، بأنه عمّر لنفسه أرشيفاً مترفاً في السينما. بعد محاولات متعثرة في دراسة الأدب العربي والعمل ضمن مجالات عدّة، سلك درب المعهد العالي للفنون المسرحية وتخرّج منه سنة 2005، وقدّم العديد من الأدوار التلفزيونية العادية، لكنّه كان يحوّط نفسه بالقيمة الفنية الرفيعة عندما يجسّد بطولات سينمائية عديدة بشراكة رفيق دربه المخرج جود سعيد منها: «مطر حمص» و«رجل وثلاثة أيّام» و«درب السما» و«نجمة الصبح» الحائز جائزة الجمهور في «مهرجان قرطاج السينمائي» سنة 2019. فيلم شاهده الجمهور السوري في عرضه الخاص الأوّل قبل أيّام في دمشق، حيث يقدّم الأحمد اختلافاً جذرياً على مستوى الحالة الشكلانية والبنية الجوهرية بالنسبة إلى فنّ الأداء. الشريط مادة فنية مؤثرة، تقدم حلولاً بصرية جذابة، وبراعة مذهلة في حركة الكاميرا، واللغة الإخراجية، تتفوق على كلّ ما قدمه مخرج الفيلم من قبل، ولعّلها تتجاوز عتبة ما قدمته السينما السورية بصرياً خلال السنوات الأخيرة. تأخذ على عاتقها مهمّة التوثيق للحرب السورية بلغة منطقية جديدة، تتباين فيها الكوميديا السوداء، مع المأساة العميقة، وتطرح الأحمد ممثلاً من العيار الثقيل يعرف كيف تُبنى الشخصية بتصاعد يحبس أنفاس مشاهده، من دون أن يتعبه بأيّ نوع من التصنّع أو المبالغة الأدائية. الشريط إلى جانب المخزون السينمائي، حمى الممثل السوري الوسيم من هلهلة أيّ خيارات تلفزيونية تجارية، طالما أننا نسير في طريق تحكمه بشراسة مطالب المحطات وإملاءات المعلن. سيجمع الأحمد من حوله المعجبين في «عروس بيروت» (سيناريو نادين جابر وبلال شحادات وإخراج التركي إيمره كاباكوساك) كما فعل من قبل في «مقابلة مع السيد آدم» (كتابة وإخراج فادي سليم) وكذلك الأمر مع المقترح الأدائي المبهر في «غرابيب سود» (كتابة لين فارس وإخراج حسام الرنتيسي وعادل أديب وحسين شوكت). المسألة بالنسبة للنجم السوري عصا يمسكها بإحكام من المنتصف، فلا هو يتخلى عن عمق مادته الفنية، وتضمينها الرسائل العميقة التي تخصّ قضايا الناس الصغرى والكبرى، وفي هذا قد يتنازل عن كلّ شيء مقابل فيلم يحضر فيه المهرجانات والمحافل الكبرى ودور العرض السينمائية، ولا يساوم في الجماهيرية العريضة التي تقدّمها له أدواره التلفزيونية، ولو اضطّر أن يعتمد فيها على هيأته البرانية أوّلاً، وأسلوبية أداء موحدة، والكاريزما التي تشّع بمجرّد حضوره أمام الكاميرا. في سنة 2014، كان الأحمد على وشك تغيير مهنته، والبحث عن مشاريع بعيدة عن التمثيل، لولا أن أتيحت له فرصة قول ما يشاء من خلال الشاشة الكبيرة. لكن الأدوار التلفزيونية ستتهافت عليه تباعاً، انسجاماً مع ما يحققه من قبول جماهيري وخطف صريح لقلوب محبيه الذين باتوا ينتظرون حضوره التلفزيوني بلهفة معلنة!

يشارك في مسلسل «ع الموت» الذي سيعرض في رمضان


حالياً تسوّر الفرص حياة محمد الأحمد المهنية، فما أن انتهى من تصوير دوره في الجزء الثاني من «عروس بيروت» حتى طار إلى دمشق قادماً من تركيا ليباشر تصوير دوره في مسلسل «خريف العشّاق» (كتابة ديانا جبّور وإخراج جود سعيد وإنتاج إيمار الشام). في هذا العمل يلعب دور بدر الشاب القادم من محافظة نائية، يحرمه انتماؤه لمنطقته الجغرافية من الارتباط بفتاة أحلامه، فيقرر أن يأخذها خطيفة، لكنّ الحياة ستلاحقه بأقدارها وتحرمه العيش اليسير، لحين سفره إلى بريطانيا ومتابعة الدكتوراه، ومن ثم تورّطه في دروب موحلة تبعده عن زوجته، وتجعل خواتيمه السردية مختلفة عن المتوّقع. وقد اعتذر الممثل المعروف عن عدم أداء دور البطولة في مسلسل «داون تاون» (سيناريو وحوار محمود إدريس وإخراج زهير قنوع وإنتاج «فالكون فيلمز») واختار أن يكون حاضراً مع شركة «إيغل فيلمز» (جمال سنّان) في دور بطولة إلى جانب ماغي بو غصن ودانيلا رحمة ضمن مسلسل عنوانه «ع الموت» (كتابة نادين جابر) ومن المفترض أن يبدأ التصوير ليعرض على محطات مهمة منها mbc في رمضان المقبل.
يبدو محمد الأحمد كأنه يعيش عصره الذهبي على مستوى المهنة. كأنه صيّاد ماهر، لا يفلت فريسة من يديه، ليحيلها إلى مائدة جمهوره على طبق من بلّور، يزيّنه كمن يرسم عليه بالرمل بكل ما أتيح له من موهبة وكاريزما وحضور طاغ!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا