منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، وليس منذ عرضه الأول عام 1941، اعتبر الجميع أنّ «المواطن كين» هو أفضل فيلم في تاريخ السينما. هو غالباً ما يتصدّر القوائم في المجلّات السينمائية. لستُ من مؤيّدي الإجماع، فغالباً ما يكون في القرارات المنسجمة شيء من الغموض والاستسلام الفكري. اختيار الفيلم أن يكون أعظم أفلام التاريخ يبدو جريئاً بعض الشيء. ولكن هناك العديد من العوامل التي اجتمعت في وضع هذه التحفة من السيلولويد، خاصّة تبلور مختلف الابتكارات الفنية والسردية والتصويرية والتاريخ المهم الذي صنعت فيها. فيلم بقوة سرديّة مسرحيّة، وصورة شديدة التباين تقدّر التفاصيل الصغيرة. الإصرار على عمق المجال والزوايا الواسعة في التصوير واللقطات المتسلسلة الطويلة، تحرك الكاميرا خارج الإطار والمونتاج واستخدام الصوت كأداة سردية، كانت ثورة في جماليات الفن السابع. ليس الفيلم سيرة ذاتية «لشخصية خيالية» فقط، ولكن أيضاً لمجتمع وعصر. تعقيده العميق وكمال تكوينه يجعلانه تحفة سينمائية لا جدال فيها.



سُمح لأورسون ويلز بإنتاج الفيلم، وإخراجه، ولعب الدور الرئيسي، وكتابة السيناريو، واتّخاذ قرار مستقل بشأن التفاصيل أمام الكاميرا وخلفها، كما بشأن النسخة النهائية، وكيف يجب أن تنقل إلى السينما. كان لويلز ظهور ونضوج تعبيريّ غير عادي في تاريخ السينما. كان يبلغ 26 عاماً فقط عندما قدم قوة العلاقة بين السلطة والإعلام، وأظهر استخدام تشارلز فوستر كين (أورسون ويلز) جريدته لأغراض دعائية ولصالح حملات ومصالح شخصية وكأداة لتدمير الأعداء. يبدأ الفيلم مع موت كين في قصره الهائل «زانادو» وسط جنائن شاسعة، حيث أمضى سنواته الأخيرة وحيداً في قصره محاطاً بأعمال فنية والتماثيل. كان لكين كلّ مقومات القوة: المال، الشهرة، السلطة والإعلام. وعلى بعد لحظات من ملاقاة الموت، ينطق مع آخر أنفاسه كلمة «روزباد». ومن هنا يبدأ الفيلم في «فلاش باك» لحياة كين التي شكّلت لغزاً لكثيرين، وموته الذي أثار التساؤلات. فيقرّر الصحافي جيري طومسون (ويليام ألاند) البحث والاستقصاء لكشف سرّ كلمته الأخيرة.
بصرف النظر عن نصّه الذي لا تشوبه شائبة، والذي يتناول موضوعات مثل العبث، الحنين إلى الماضي، قيمة البساطة والطموح والحب والغرور، يعتبر «المواطن كين» نقداً لسلطة الصحافة، والتأثير الهائل للصحافة على المواطنين والسياسة. الفيلم قبل أيّ شيء هو رسم كاريكاتوري لرجل الأعمال والسياسي ومالك أكبر سلسلة صحافية في القرن العشرين ويليام راندولف هيرست. كان الأخير يسيطر على الصحافة، عجّل عام 1898 في إعلان حرب الولايات المتحدة ضد اسبانيا. في ذلك العام، غرقت بارجة تابعة للبحرية الأميركية في خليج هافانا. أرسل هيرست الصحافي رسام الكاريكاتور فريدريك ريمنجتون إلى المكان، الذي تأكد بمجرد وصوله بأنّه لا يوجد شيء غريب، وأنّ الغرق لا يستدعي الحرب. أرسل برقية إلى هيرست، قال فيها: «كل شيء هادئ، لا مشاكل، لن تكون هناك حرب، أتمنى العودة». لكن جاءه الردّ: «من فضلك ابقَ. قُم بتجهيز الصور، وسأقوم أنا بتجهيز الحرب». مثل هيرست، كان طموح كين الصحافي يعتمد فقط على كمية الصحف التي يمكنه بيعها. ذهب كلا الرجلين إلى الادّعاءات واختلاق القصص المثيرة للنجاح أكثر من نقل الأخبار الواقعية. أدّت نتيجة هذه الممارسات إلى خلق نوع جديد من الصحافة يسمّى «الصحافة الصفراء». قوة هيرست انعكست على الفيلم. لم يكن التصوير مهمّة سهلة. حاول توقيف التصوير ونجح بالفعل أكثر من مرة، ثم تأجّل العرض الأول بسبب ضغوط من قطب الصحافة القوي الذي كان يهاجم الفيلم في وسائل الإعلام ويحاول منع توزيع الفيلم. اتُّهم ويلز بأنه شيوعي. وعند عرض الفيلم، لم ينجح تجارياً.
«المواطن كين» هو كل شيء، هو جوهر الحياة، وتقلبات السنين. صنع الشاب كين اسماً لنفسه عندما تولى إدارة صحيفة متعثرة. اغتنم فرصة لإحداث فرق، بدافع من المُثل الاشتراكية، أراد أن يكون مواطناً مثل أيّ شخص آخر. يُظهر الفيلم تأثير الرأسمالية على كل شيء. قوة كين دفعته إلى السياسة وبناء إمبراطورتيه بلا ضمير. خان مُثله العليا وعزل نفسه عن أصدقائه. كان شخصاً يحتاج إلى الحب، لكنه لم يستطِع منح الحب. «المواطن كين» ليس مجرّد تاريخ سينمائي. السينما في أميركا قبل 1941 ليست كما بعدها.
يظهر الفيلم تأثير الرأسمالية على كل شيء

لا يمكن تجاهل قوة الصور العديدة في الفيلم. قوة لا تقلّ على مر السنين، بل تكتسب كثافة وغموضاً. عالم كين وويلز الباروكي المفرط مثالي للحديث عن العديد من المواضيع. قوة الصحافة، البحث، البراءة، النفاق السياسي الأميركي، جشع البنوك، واستخدام الأموال في النظام الرأسمالي الشره... وكل هذا من دون فقدان البعد الإنساني كالأصدقاء، والخيانة، والحب، وكفاح رجل واحد لتغيير العالم وكيف هزمته الحياة بلا رحمة. وما يبدو للوهلة الأولى كأنه محاكاة ساخرة لوحش صحافي، يتحول لاحقاً إلى أسطورة أخلاقية، ثم ميلودراما ساحقة، وأخيراً سينما بكل ما في الكلمة من معنى، مثل الحلم. أحلام القوة والطموح، والعودة إلى ماضٍ بعيد مستحيل، حيث كانت السعادة ممكنة بفضل زلاجة خشبية فقط.
لم يظهر ويلز أبداً كمبتدئ في السينما في فيلمه الأول. عرف استخدام السينما وكل نقطة ضوء. في كل مشهد، هناك شيء مرئي مبكر يقلب مفهوم التسلسل الدرامي رأساً على عقب ويحتوي على أفكار أو أحاسيس ذات عمق عاطفيّ أو نفسيّ. في الفيلم، الظلّ أهم من الضوء. المشاهد كثيفة، القصر الكبير بجدرانه وأبوابه الضخمة، يعمّق المجال ويعود إلى الجذور الدرامية للمسرح. يسمح للحياة بكلّ تعقيداتها أن تخترق شقوقه. مشاهدة «المواطن كين» اليوم لا يعطي انطباعاً بأن تسعة وسبعين عاماً مرت على ظهوره للمرة الأولى، بل لا يزال هناك تسعة وسبعون عاماً أخرى قبل أن يتم فهمه واستيعابه بكلّ عظمته الجمالية والأخلاقية والفكرية والفلسفية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا