الثالوث الباسكي جون غرانيو، ايتور أرّيغي، خوسي ماري غويناغا يروون تاريخاً لم يروَ من قبل. «الخندق الأبدي» (2019) قصة نضال صامت ومقاومة وخوف وكثير من الوحدة. يخلق المخرجون مساحة حميمية جامدة تتصدع تدريجاً، عندما تفقد معارك الماضي معناها بمجرد مرورها بالروتين والإحباط والملل. رواية تاريخية تطوّرت خلال الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الثانية وديكتاتورية فرانكو، في مساحة صغيرة، مساحة غرفة، وأقل. هنا يختبئ رجل مضطهد بسبب أفكاره. قصة رجل وزوجته تصبح استعارة لديكتاتورية فرانكو نفسها، ومعها آلاف الأشخاص الذين عاشوا مدفونين حرفياً بين عامي 1939 و1969.

الفيلم مبني على قصص حقيقية، خلال النظام الايبيري الذي حكم إسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي وانتهى بالحرب الأهلية وما تلاها. بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1939، وتنصيب فرانكو على رأس السلطة السياسية للدولة، قرر أولئك الذين لم يتحمّلوا خسارة الجمهوريين أن يأخذوا الأمور بأيديهم ويشنوا حرباً أخرى ضد النظام القومي، أطلق عليهم اسم «ماكيز». أكثرهم سافر إلى فرنسا وواصل قتال العصابات، وبعضهم الآخر الذي يفتقر إلى الحماس العسكري ويخشى القبض عليه اختفى خلف زنازين منازله عن طريق الاختباء تحت الأبواب أو في ممرات سرية داخل الجدران، وقد أطلق عليهم اسم «توبوس» أي «الخلدان». بعضهم استسلم، وقلّة منهم بقيت مختبئة لأكثر من ثلاثة عقود. فقط بعدما أصدر فرانكو مرسوم إعفاء عام 1969، خرج «الخلدان» من منازلهم، بعدما بقي بعضهم ما يقرب ٣٨ عاماً في عزلة.
انطلاقاً من معتقداته اليسارية وكفاحه السياسي لصالح الجمهورية؛ تطرق الحرب مباشرة باب إيهينيو (أنطونيو دي لا توري) الذي يمكن أن يكون خوان، أو بابلو أو واكين أو آلاف الأسماء الأخرى، أسماء النقابيين والجمهوريين الذين أصبحوا أعداء بين ليلة وضحاها. تهتز الكاميرا بين أزقة القرية عندما يركض إيهينيو هرباً من النار، والموت. يرجع إلى البيت عند زوجته روسا (بيلين كويستا) ويعيش مثل الخلد في حفرة في الأرض وبين جدران المنزل. قريب جداً وبعيد جداً عنها. يتابع الحرب وأمور البلاد السياسية، ومع الوقت تتلاشى آماله. من الجانب الآخر من الجدار، روسا أرملة في الخارج وزوجة في الداخل. يروي الشريط قصة طويلة عن الداخل والخارج. ساعتان ونصف.. وأكثر من ثلاثة عقود.
«الخندق الأبدي» أكثر من مجرد قصة معارضة وسياسية ودراما وجودية. أراد المخرجون الثلاثة سرد قصة عائلية، مهما كانت غريبة أو مستحيلة، تتعلق بتقديم رؤية مشتركة لقضايا مثل الكرب والخوف والوحدة. يُروى الفيلم بأكمله من وجهة نظر رجل حكم على نفسه بالحبس. الحياة تستمر وفي بعض الأوقات يشعر إيهينيو بأن التاريخ سيمرّ عليه. عبقرية الفيلم هي في إشراكنا في حبس إيهينيو، في تحويل العزلة إلى تجربة مشتركة، جميعنا مع الزوج والزوجة في انتظار شيء يمكن ألا يأتي أبداً. ما يهمّ هو الخوف، الذعر الذي نشعر به، العبث الذي يتخلل كل إيماءة، والفراغ الذي يمكنه فعل كل شيء. وهنا، خلدان أم لا، نحن جميعاً نعيش في مكان ضيق ونشعر بأن الحياة الخارجية لم تعد موجودة.

رحلة عاطفية كثيفة حول القمع السياسي والضعف البشري واليأس والحب


لا يسرد الفيلم أحداثاً بقدر ما يسرد مصائب. يترك الكاميرا دائماً في المقدمة. وبدون إخفاء شيء؛ يترك الأمر للشخصيات لإنقاذ نفسها مع كل حركة بائسة. وبهذه الطريقة، تمكّن من الحفاظ على النغمة الخانقة، التي تظهر بشكل خاص خلال الدقائق الأولى من القصة ولكنها لا تختفي أبداً طوال الفيلم. عبقرية المخرجين الثلاثة مرة أخرى هي في الاهتمام بالتفاصيل. «الخندق الأبدي» لا يتحدث عن الحرب كما لو كانت لوحة كبيرة، بل يسردها من عزلة من خارج الميدان. المهم ليس ما يُرى ولكن ما يصل من الضوء الذي يخرق ثقب الحائط ويغرق في الدماغ. الفيلم درس في كيفية تقديم أكبر تأثير دراماتيكي في مكان واحد صغير. إيقاعه يهدأ مع مرور الدقائق، ونتجه شيئاً فشيئاً نحو تأثير الموقف ومرور الوقت على الزوجين، بخاصة عندما تبدأ التشققات في حبّهما بالظهور.
«الخندق الأبدي» هو الفيلم الأفضل حتى الآن للمخرجين الثلاثة. معه استعادوا تلك العلاقة الحميمة التي رأيناها في «زهور» (2014) والرؤية الفنية الدقيقة في «عملاق» (2017). قدموا فيلماً يجبرنا على التعود على الحياة مع إيهينيو وروسا، إلى درجة أنّه يصبح تهديداً شخصياً لنا لأننا قبلنا بوضع إيهينيو، مع أنه يمكن أن يهرب ويبدأ حياة في أي مكان آخر. لذلك الفيلم هو رحلة عاطفية كثيفة حول القمع السياسي والضعف البشري واليأس وبالتأكيد الحب.

* The Endless Trench على نتفليكس