من شبه المستحيل أن نعبّر بالكلمات عما يمكن أن نشعر به عند مشاهدة «في مزاج للحب» (2000). ينشأ الفيلم في الأجواء الأكثر قمعاً للمشاعر. قصة تتسم بالوحدة كقاسم مشترك. حسرة جراء خيانة سعادة الحياة اليومية بصحبة الشريك. محور لإدخال الغضب والألم وخيبة الأمل والشوق والكآبة والاكتئاب والوحدة والرغبة في الحب. الفيلم هو عن قلوب مكسورة، الحب فقط يمكن أن يصلحها.

نحن في هونغ كونغ الستينيات، عندما أسست إمكاناتها الاقتصادية على الصناعة التحويلية، وعدلت الدوامة السياسية للرأسمالية الاستعمارية طريقة حياة السكان المحاصرين أيضاً بالقوة المتنامية لشيوعية ماو تسي تونغ. حلقة فقدت فيها الصين هويتها خلال الثورة الثقافية التي أنكرت ماضيها، وأغلقت معظم المعابد البوذية والطاوية وحاولت استعادتها من بقايا لغتها.

مشهد من «في مزاج للحبّ»

في هونغ كونغ، ولد المخرج وونغ كار واي، وقدم للسينما الحديثة أفلاماً لا يمكن نسيانها. عشرون عاماً مرت على تحفته «في مزاج للحب» الذي يدخلنا في الرغبات التي لا تجد لها مخرجاً. ننطلق مع الفيلم في رحلة إلى أرض الضياع والاستحالة. الحزن الجماعي لهونغ كونغ وإحياؤه هو الروح التي تخترق الشخصيات: تشاو مو وان وسو ليزين، جاران يكتشفان أنهما مخدوعان من قبل شريكي حياتهما. استأجر تشاو مع زوجته شقة في نفس اليوم الذي استأجرت فيه سو ليزين وزوجها. تشاو وسو موظفا مكتب، ويبدو أنهما سعيدان لمشاركة الحياة مع أحبائهما. هي سكرتيرة لشركة شحن، وتشاو محرر في صحيفة محلية. ولكن لأسباب تتعلق بالعمل، يتركهما شريكاهما لفترات طويلة. في نفس الوقت، وفي تلك اللحظة بالتحديد، تسببت الصدفة في تقاطع مصير كليهما. غالباً ما يلتقي تشاو وسو في ممرات المبنى الذي يعيشان فيه، في الشوارع حيث يمشيان بعد ساعات من العمل. وفي مصادفة توحدهما أكثر؛ يدركان خيانة شريكيهما. هنا الانهيار وهنا الخسارة والعجز الأول: الخيانة. خيانة لتلك السعادة على أساس الحياة اليومية والعادات. يبدآن صداقة مرتبطة بالمعاناة والذكريات السيئة. يبدآن في قضاء المزيد من الوقت معاً، يتكلمان عن مأساتهما. وبما أنهما يريدان البقاء وفيين لشريكيهما الخائنين، فإنهما يلجآن إلى النشاط المفضل للإنسان لإعادة بناء الواقع: الخيال. التعايش بين القلبين المكسورين يعزز العلاقة بينهما ويتحول تدريجاً إلى قصة حب هادئة عذرية ومستحيلة. تلفّ الفيلم هالة من الذنب والارتباك والغضب والرغبة والحنان والكبت المسيطر. ويؤسس الاثنان إمبراطورية عواطف لا يمكن البوح بها.
الفيلم يتحرك دائماً ببطء، يحفّز الإحساس بالنعومة والشهوانية للشخصيتين. نشاهدهما دائماً من الخلف أو من خلال انعكاسات المرايا والنوافذ. كأننا نشاهد شيئاً محرماً بكاميرا ثابتة تنظر من مسافة إلى الشخصيتين، والأماكن التي يمران بها، والمواقف اليومية، كما لو كنا نراقب ما يحدث خلف الإضاءة التي تسلَّط على ثقل الحنين. يخبرنا وونغ كار واي قصةً بهذه الطريقة. عندما ننتظر ظهورهما معاً في السرير؛ تجمع الصورة بطلي الرواية معاً... لكن فقط من خلال انعكاس المرآة. ما زالا منفصلين جسدياً. عندما نريدهما أن يعبرا الجدار الذي يفصلهما، فإن الكاميرا هي التي تفعل هذا. تظهرهما متكئين على الحائط الذي يفصلهما، وهي مساحة لم يتغلبا عليها أبداً. ولولا التفاصيل الصغيرة، لكان من المستحيل التمييز بين الأيام والأسابيع، والأشهر، والساعات... كل شيء يمر كالحلم، كأنّ الباقي غير موجود.
بصورة حسية، يفيض الفيلم بالعواطف. كلاهما يقع في حب الآخر، ولكن يتظاهران بأنهما ما زالا عاشقين لشريكيهما، حتى فوات الأوان. بعد 20 عاماً، لا يزال هذا الفيلم حزيناً ودافئاً، حسياً وبارداً، غادراً ومخلصاً. «في مزاج للحب» تحفة غامضة إلى درجة أنه قادر على إخبار أعظم قصة عشق وفي نفس الوقت توضيح أنها لم تحدث أبداً. ونبقى نحن والمخرج والعشاق نحارب من أجل رغبة لم يتم إشباعها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا