يعتقد «المتنورون» في بلادنا (على اختلاف تنوّراتهم) أنّ مصطلح «الرجل الأبيض» الذي يستخدمه الفريق المعادي للاستعمار، هو عبارة جوفاء تسهّل نقد الغرب كغيرها من أدوات ما يسمونه «اللغة الخشبية». لكن الكلمة ظهرت أولاً في أوروبا نفسها في أكثر من مكان مع بداية التوسع الميركانتيلي حوالى سنة 1500 للدلالة على الفروقات بين الأوروبيين والشعوب التي التقوا بها في ترحالهم. لقد «لوّن» الأوروبيون الشعوب ووسموا هذه الألوان بـ «مراتب» حضارية وأبعاد نفسية واجتماعية وفلسفية تتغير وفق المستعمِر، ولا علاقة لها بالشعوب التي يصِفونها: أبيض عقلاني، أحمرٌ غاضب، أصفر نوستالجي، وأسود متوحش. ليس هذا التصنيف الوحيد، لكنه الأقدم والأكثر تأثيراً لأنه صادر عن المرجع العلمي البيولوجي كارولوس لينايوس الذي نستخدم نظام تصنيفاته للمخلوقات لغاية اليوم (taxonomy).

قبل سنوات، أذهل فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية المحلّلين السياسيين وخبراء الاستطلاعات وغيرهم من النخب التي تدور في فلك سياسة الحزب الديمقراطي. السبب الأساسي لذلك كان خلخلة معتقدات أدمنوا على الإيمان بها مثل عقلانية الناخب الأميركي، وبراغماتيته، وعدم انجراره لخطاب ترامب العنصري. بسخرية لاذعة، صوّر الكوميدي دايفيد شابيل ليلة فوز ترامب على أنها تحطّم وَهم النخب التقدمية البيضاء في اسكتش لـ Saturday Night Live. في المشهد، شابيل الأسود الوحيد بين مجموعة أصدقاء بيض ليلة إعلان نتائج الانتخابات. بعد إعلان فوز ترامب، تقول الرفيقة البيضاء بذهول: «يا إلهي، أميركا قد تكون عنصرية». يجيبها شابيل: «نعم، أخبرني جدّي شيئاً من هذا القبيل وذكر كلمة تشبه عبودية». مفاد المشهد أنّ العنصرية التي أدّت إلى انتخاب ترامب، ليست مستجدّة لأنها لم تختف يوماً ولم تفاجئ من يعيش حقيقتها يومياً: الأميركي الأسود و«حقيقته» المختلفة عن وَهم المساواة.

باري بليت ــ الولايات المتحدة

دفع فوز ترامب في المرة السابقة هذه النخب إلى محاولة فهم ما حصل، فخرجت بالكثير من المبرّرات: الفقر، وانخفاض نسبة التحصيل العلمي في الولايات ذات الأكثرية البيضاء (رغم تصويت أكثرية البيض من النساء والرجال من ذوي الشهادات الجامعية لترامب)، الهوّة الثقافية بين سكان الساحل والمدن الكبرى وسكان الولايات الريفية الداخلية.... ضمّت هذه النخب مصطلح الـ post-truth إلى مجموعة من التبريرات، وأعطته زخماً بعد أن كان يُناقش هامشياً، بل استخدمته للقول بأنّنا في زمن «ما بعد الحقيقة» حيث مجموعات كبيرة من «الناس» أصبحت لا تصدّق العلم (مثلاً تُنكر التغيّر المناخي، والأخطر الآن أنها تنكر وجود وباء كورونا) وتؤمن بسياسات نازية-فاشية حول المهاجرين وذوي البشرات الداكنة...
حتى لو فاز بايدن في الانتخابات الأميركية الحالية، لن يكون السبب أنّ المتطرفين البيض «أدركوا» حقيقة ما، أم لأن الشعب الأميركي أصبح متنوراً فجأة. يظهر ذلك في حملة بايدن التي ركّزت سهامها على أداء ترامب خلال وباء كورونا وليس حول عنصريته. أدركت النخب الديمقراطية الليبرالية أنّ فوز بايدن الذي يعتمد جزئياً على استقطاب البيض في الضواحي والذين انتخبوا ترامب في 2016، لن يتحقّق إلا للشعور بخطرٍ يهددها (الفيروس) وليس أي نوع خطاب حقوقي كـ Black Lives Matter. فهل يعني هذا اعترافاً ضمنياً من قبل هذه النخب بعدم عقلانية الثقافة اليورو-أميركية كصفة جوهرية لدى جميع أفرادها؟ وهل تترتّب على ذلك مراجعة ذاتية حول إمكانية قبول تجارب الثقافات الأخرى وبالتالي «حقائقها»؟
أزعم هنا أن اندفاع هذه المجموعات العنصرية واكتسابها شرعية من خلال الانتخابات في أميركا كما في الدول الأوروبية وكما في التصويت الإيجابي على البريكست، لا يجعلها تهدّد سوى «حقيقة» النخب الليبرالية الغربية، كما صورة الغرب «الحضاري العقلاني الإنساني» التي بناها بنفسه ولنفسه، وليس لنا كسكان مستعمرات سابقة ما زلنا نختبر حقيقة «إنسانيته» حتى اليوم. أزعم أيضاً أنه فصل من صراع قديم ومتجدّد في نفس النموذج المتمحور حول الاستعمار والرأسمالية منذ القرن السادس عشر، تتخلله نقاشات حول الطبيعة الإنسانية في جوهرها تعتمد على العرق والإثنية، وحول كيفيّة «إدارة» الشعوب المغايرة، أي من لون مختلف، سواء داخل الحدود أو خارجها. فلا حقيقة مجرّدة نحلّلها فلسفياً في هذا الإطار، ولا نملك كمجموعات درجة ثانية حسب الترتيب العنصري، ترف السذاجة وحسن النية. علينا فهم «الحقيقة» هنا (كما العقلانية و«الحضارة» وجميع المصطلحات ذات الصلة) من خلال استخدامها التاريخي والسياسي-الثقافي-الاجتماعي، غالباً ضدّ مصالحنا وعلى حساب حياتنا.
في كتابه «الفلسفة الأفريقية»، يخصّص الفيلسوف إيمانويل ايتزي فصلاً بعنوان «لون العقلانية» يعرض فيه أفكار إيمانويل كانط العنصرية حول الطبيعة البشرية. وجد إيتزي أنّ نقد فوكو لدراسات كانط الأنثروبولوجية ـــ التي تتعدى كمّاً وتأثيراً اجتماعياً ــــ كلّ كتاباته الفلسفية، لم يتوقف بما فيه الكفاية عند أفكار كانط العنصرية حول الطبيعة البشرية. لم يكن هدف إيتزي تحقير فكر كانط أو تعرية كامل فكره من قيمته، بل توضيح الارتباط العضوي لمفهومه عن العقلانية بتبرير السياسات والممارسات العنصرية واستحالة استمرار الواحد منهما دون الآخر حتى يومنا هذا. لم يقدَّر لايتزي أن يعيش زمن ترامب، لكنه كدايفيد شابيل توقّع فوز العنصرية، وهو النيجيري الأسود الذي يعمل في مجال 65% من خريجيه من البيض، و65% منهم من الرجال (خريجي مادة الفلسفة في أميركا، إحصائية من سنة 2016)، فكان كتابه الأخير «العقلانية في عالم من الصراعات الثقافية والعنصرية» (2008) ليس لهدم فكرة عالمية العقلانية، بل لتنقيتها من صبغتها اليورو-مركزية والخروج بـ«عقلانية إنسانية» يتقاسم إمكانياتها كامل الجنس البشري.
أهدف هنا إلى ضمّ «لون الحقيقة» إلى تحليل إيتزي: فمن يمتلك «الحقيقة» كمن يمتلك «العقلانية»، هو يستطيع «تلوينها» وتوزيعها عرقياً (وطبقياً وجندرياً)، وهو الذي يتمتع بالسلطة على مؤسسات العلم والمعرفة، كما القوة الناعمة والخشنة لفرض مفاهيمه حول الحقيقة والعقلانية، وبالتالي يقرّر من يُرَحّب به في الكوزموبوليتانية المَدَنية العالمية التي تعتنق قِيَم الديمقراطية.
التطوّر الخطير في التصنيفات هو أنّه تمّت مأسَستها وإضفاء شرعية علمية عليها. بالنسبة إلى أهم منظِّري العقلانية كانط، لا يمكن لغير الأبيض (والرجل الأبيض تحديداً) تطوير فكر إنساني، لأن غير الأبيض لا يتمتّع بملكات الوعي الذاتي والعقلانية والخير الموجود في الطبيعة الإنسانية. ويقول كانط بأن الأسود (والسواد/العتمة) هو الشرّ والنقيض الأخلاقي للأبيض الخيّر. كما أنّ العرق الأبيض هو نفسه الإنسانية بالنسبة إلى الفيلسوف ديفيد هيوم، وهو الأذكى بحسب مورتون، والأبيض هو الوحيد القادر على حكم وإدارة الأعراق الأخرى لأنه الوحيد القادر على إنتاج «حضارة راقية» بحسب آرثور شوبنهاور.
أهمية استعادة هذه النظريات تكمن في ضرورة شرح ارتباطها بتبرير السياسات العنصرية الاستعمارية من تجارة الرقيق إلى محاولات إبادة سكان أميركا الأصليين. فمن السذاجة الاعتقاد بأنها أفكار بريئة حين نعلم أن شكسبير الذي صوّر شخصية المسخ كاليبان (نتيجة تزاوج الطبيعة المتوحشة والشرّ، أي الـ«الأفريقي») في «العاصفة» (The Tempest) على أنه وقح ومتمرّد ويجب السيطرة عليه واستعباده، كان يملك أسهماً في شركة لإنتاج القطن في ولاية فيرجينيا في شمال أميركا تستخدم رجالاً ونساءً سُلبوا من عائلاتهم في أفريقيا لتأمين اليد العاملة لمؤسسة العبودية الأوروبية-الأميركية. ولم يتوقف كانط عند توصيف «شخصية» الأعراق، بل أرفق كتاباته بدليل لضرب العبيد بهدف السيطرة عليهم. إنّه الوحشية بعينها إن حاولنا قراءته.
لم تكن المحرقة خلال الحرب العالمية الثانية النتيجة الأولى للعلوم المستندة إلى «علم الأعراق»، بل سبقها ملايين الضحايا، نذكر منهم ضحايا المجاعات المتتالية في الهند في القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين وقد برّرتها السلطات البريطانية على أنها نتيجة طبيعية لتكاثرهم، معتمدةً على نظريات مالثوس للتطور السكاني ونظرية داروين حول «البقاء للأقوى». ما عنى للبريطانيين أنّ الهندوس عرق ستتخلص منه الطبيعة لأنه ليس قادراً على الاهتمام بنفسه. يومها، قال وينستون تشيرشل في هذا السياق عام 1945: «الهندوس عرق فاسد لا يحميه من قدر الانقراض سوى تكاثره السريع». تصل أعداد الهنود الذين قتلوا في هذه المجاعات حدّ الستين مليون، ومنها 5.5 ملايين قتلوا في مجاعة الهند الكبرى (1876-1878) المتصلة مباشرة بالحكم البريطاني. كما قضى 3 ملايين في مجاعة البنغال عام 1943 تحت حكم وينستون تشرشيل. والأمثلة لا تُحصى، بدءاً من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى حركة الـKKK في أميركا.
يرى كانط أنّه لا يمكن لغير الأبيض تطوير فكر إنساني لأنه لا يتمتع بملكات الوعي الذاتي والعقلانية والخير!


بعد فظاعات الحرب العالمية الثانية التي أرعبت الأوروبيين (لأنها ربما الأقرب جغرافياً، وليس لأنها الأولى أو الأفظع)، أجمع العلماء والجامعات والأمم المتحدة ابتداءً من ستينيات القرن العشرين على أن لا أساس علمياً لفكرة «العرق» وأن كل التصنيفات العرقية لا أساس لها من الصحة وهي مبنية على معلومات مغلوطة. فلماذا إذاً ما زلنا نناقش تاريخها؟ لم يصبح الأوروبيون تجار رقيق لأنهم عنصريون، بل أصبحوا عنصريين لأنهم كانوا تجار رقيق، لأن التوسع والتراكم الرأسماليين كانا ليكونا مستحيلين من دون التبريرات العنصرية المرتبطة مباشرةً بمن يُعتَبَر عقلانياً لاستعباد الغير واحتلال أراضيهم واستغلال ثرواتهم. فاستمرار التفكير العنصري يعدّ من الضرورات الأيديولوجية والمادية لاستمرار النظام الرأسمالي العالمي لغاية اليوم. وإن كانت الرأسمالية تغيرت مع الزمن ولم تعُد تشبه رأسمالية القرن التاسع عشر، فكذلك العنصرية. نظريات المؤامرة المنتشرة بين أعضاء اليمين الأميركي والأوروبي اليوم لا تتعلّق بنوع من الحقيقة الأكاديمية الفلسفية ونقيضها أو نقدها، بل إنّ معظمها مبنيّ على أجزاء «مؤامرات» ضد العرق الأبيض. مثلاً: محاولة منع دراسات العرق النقدية من قِبل إدارة ترامب لأنّها تريد تدمير الحضارة وتحويل البيض إلى مستضعفين، وأنّ اليهود في الأكاديميا يمنعون الدراسات حول تميز العرق الأبيض، والنسويات في الأكاديميا يحرّضن على الرجال بهدف تفتيت «العائلة البيضاء» ومنع الإنجاب (وهي تتصل بفكرة أن المهاجرين يتكاثرون بسرعة فائقة الآنف ذكرها)، وأن هدف علماء المناخ من الحديث عن الاحتباس الحراري، هو منع الرأسمالية من التطور وبالتالي حرمانها من الوظائف، وغيرها العشرات من النظريات المشابهة. مجمل هذه النظريات تعبّر عن أزمة هوية جوهرها ثقافي-طبقي في الدول التي تنتشر فيها هذه النظريات من فرنسا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة وحتى بعض دول أوروبا الشرقية التي انتخبت حكومات يمينية متطرفة مثل هنغاريا وبولندا، سرّعتها وفاقمتها الهجرة والانهيار الاقتصادي في 2007-2008.
لم يكن هدف مشروع ايمانويل ايتزي الفلسفي القول بأنّ لا عقلانية مطلقة. كما أنّ النقاش هنا ليس حول وجود أو عدم وجود حقيقة «علمية» مطلقة. النقاش هنا هو حول سياق تاريخيّ أبقى شعوباً بأكملها خارج إمكانية الأخذ بعقلانيتهم أو بحقيقتهم. فحين يزهو كثيرون بنقد نظريات هيردر وبلومنباخ العنصرية، لم ينكر هيردر أو بلومنباخ أنّ جميع الشعوب تقدم مساهمات حقيقية ومهمة للإنسانية، وأنّ العرق تصنيفٌ مريح علمياً وليس جوهرياً. في المقابل، تقوم نظرية كانط حول الكوزموبوليتانية التي يعتمدها الليبراليون على نظرة أنّ لكل عرق جوهراً لا يتغير. وبالتالي، على عكس هيردر وبلومنباخ، أقفل كانط بذلك إمكانية مساهمة الأعراق الأُخرى في الثقافة الإنسانية. يظهر تأثير ذلك في تعامل النخب الليبرالية مع النخب الليبرالية في العالم الثالث: أبوية، منظمات غير حكومية تفرض برامج عمل على المحليين، وإجمالاً عكس فكرة «مختلفون لكن متساوون» أي مماثلون لنا بالأفكار، لكن غير متساوين إلى ما لا نهاية!

* باحثة أنثروبولوجية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا