عندما يتعلق الأمر بإعادة صنع فيلم لمخرج مثل ألفرد هيتشكوك، خاصة إن كان الشريط الذي نتحدث عنه أُنتج عام 1940 وترشّح لـ11 جائزة أوسكار، وحصد جائزة أفضل فيلم وأفضل تصوير سينمائي، ثم افتتح عام 1951 أول نسخة من «مهرجان برلين السينمائي»، فإن إعادة الصنع يمكن أن تكون موضع شك، أو على الأقل خطرة، لا سيما إذا أغرقنا الفيلم بالحشو، فيصبح كل شيء طناناً. وإذا أضفنا كمية كبيرة من الأناقة المزعجة، فيصبح كل شيء بلاستيكياً، ومحاطاً بوعاء زجاجي شفاف لئلا ينكسر من هشاشة المحتوى.

النسخة الجديدة من «ريبيكا» هي محاولة لإضفاء جوّ جديد على كلاسيكيات ألفرد هيتشكوك، مع العلم أن الفيلمَين مقتبسان من رواية بالعنوان نفسه للكاتبة الإنكليزية دافني دو مورييه (إضافة إلى «ريبيكا»، اقتبس هيتشكوك فيلمين آخرين من روايتين لها هما «جايميكا إن»/ 1939 و«الطيور»/ 1963). نعلم أنّ الفيلم مقتبسٌ عن رواية، وليس بالتحديد إعادة لفيلم هيتشكوك، وأن الكلاسيكيات غير مقدسة؛ ولكن من المستحيل عدم ربط الجديد بالفيلم القديم، خاصة أن الجديد لا يقدّم نهجاً أو رؤية جديدة، بل إنّ المشاهد متشابهة. النسخة الجديدة من «ريبيكا» أخرجها الإنكليزي بن ويتلي، وهو شيء يدعو للعجب، فالغرابة تكمن في إعطاء عمل بهذا الحجم لمخرج غزير الإنتاج ومتواضع وبتصوير سينمائي غير متّسق، بل إنّه لم يبذل أيّ جهد لإنشاء هوية له في نوع التشويق أو الرعب حتى في أفلامه السابقة («سلاح مجاني»/ 2016، «برج»/ 2015).
في «ريبيكا» تتزوّج امرأة شابة يتيمة وفقيرة (لي لي جايمس) من ماكسيم دي وينتر (أرمي هامر) الأرمل الأرستقراطي. تنتقل للعيش معه في قصره الكبير المسمّى «ماندرلي» في كورونال. عند وصولها، وجدت مدام دي وينتر الجديدة أنها تعيش في ظلّ مدام دي وينتر السابقة... ريبيكا، المحبوبة التي تركت فراغاً كبيراً بعد موتها المبكر في ظروف غامضة. تنزلق حياة مدام دي وينتر الخيالية نحو الجحيم بسبب أسرار الوفاة، وعجزها عن السير على خطى سابقتها التي لا تشوبها شائبة.
يواجه الفيلم الجديد نفس مشكلة مدام دي وينتر. لا يمكن بأيّ حال من الأحوال مجاراة تحفة هيتشكوك التي قدّمها قبل ثمانين عاماً. رواية دو مورييه، تنتمي إلى الأدب القوطي، وليست «قصة شبح»، يخرج ويمشي في الحجرات. ما يطارد مدام دي وينتر ليس شيئاً مادياً، بل فكرة، فكرة الزوجة والحبيبة السابقة التي لا يمكن مقارنة نفسها بها. وهذا ما فهمه وقدّمه هيتشكوك، لكن ما صنعه بن ويتلي هو كارثة.
الرواية والفيلمان يبدآن بنفس الجملة الشهيرة «الليلة الماضية حلمت أنني عدت إلى ماندرلي». استدرك هيتشكوك هذه المقدمة، ليقدّم عرضاً تقدمياً غامضاً قوطياً ومثيراً للقلق. ويتلي بدأ بالمقدمة وقدّم قصة متداعية وسريعة وصريحة تفسد أي إثارة. الفيلم الجديد مزيج من لا شيء وأي شيء.. مفكّك وغير متناغم. سواء كنا نفكر بالرواية أو بفيلم هيتشكوك؛ المرأة في قصر «ماندرلي» هي أول ما يخطر في بالنا... هذا الحضور الخفيّ لشخصية ريبيكا الذي يعدّ ضرورياً لإثارة الرومانسية والغيرة والجو الغامض العام. في النسخة الجديدة، كل شيء مفقود. الإخراج عقيم وعديم الخيال، الشخصيات باهتة، ماكسيم أقرب لزير نساء، ومدام دي وينتر تبدو كدمية محشوّة بلا روح، أو أميرة من أميرات «ديزني». «ماندرلي» ليس شيئاً عظيماً ولا صوفياً، حضور ريبيكا غير محسوس رغم مشاهد الأحلام غير الضرورية.

فيلم مدّعٍ ومفكّك، لصق مشاهد وصور من دون ذكاء سردي


تكمن قوة الرواية بشكل أساسي في مزاجها، لا حبكتها. الفيلم الجديد سريع الخطى. سحر ريبيكا القديم كان في وجودها غير المرئي، في التأني في تقديم كل مشهد. في فيلم هيتشكوك عندما قرّرت السيدة دي وينتر دخول غرفة ريبيكا؛ نراها تصعد السلالم، ببطء، تقف عند الباب، خائفة على وشك دخول الجحيم نفسه. رأيناها في الفيلم الجديد تخترق الباب كأنها فيل في سيرك. نراها في الفيلم الجديد معجبة بعطر ريبيكا والأشياء التي كانت تملكها، وهذا ليس له علاقة بالغيرة والشعور بالدونية والذنب. ريبيكا قصة تعتمد على الدقة وعدم اليقين والصمت حول شخصية الشخص المتوفى الذي يستمرّ في التأثير على حياة من هم على قيد الحياة. يتم ذكر ريبيكا في فيلم ويتلي كل عشر دقائق، المخرج أراد أن يُبقي ريبيكا في أذهاننا، من خلال اسمها لأنه عاجز عن جعلها تطاردنا. واحد من أجمل وأهم المشاهد في الرواية والفيلم القديم هو مشهد الحفلة والثياب، لكن في النسخة الجديدة بدت الحفلة كحفلة سندريلا! «ريبيكا» الرواية العظيمة والتحفة السينمائية أصبحت «الرجل المعذب والفتاة الساذجة».
فيلم بن ويتلي مدّعٍ ومفكّك، لصق مشاهد وصور من دون ذكاء سردي. من المستحيل الشعور بأننا محاصرون أو مخنوقون أو خائفون أو منزعجون. فيلم يفتقر إلى الأصل وبدون سياق، ليس له روح ويقتل الحبكة. هو مثل قصر «ماندرلي» في النهاية، غير مأهول، بجدران محترقة أو لعلّه مثل حلوى غزل البنات: ألوان وسكر بلا جوهر.

* «ريبيكا» على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا