في إحدى ليالي الصيف من عام 2010، كان نجوم الوطن العربي يصلون تباعاً إلى صالة ذات ديكور لافت، أُعدّت خصّيصاً على أرض «معرض دمشق الدولي» للاحتفال بجائزة أدونيا. في ذلك الاحتفال الكبير، كان حظّ السيناريست السوري هوزان عكّو، أن يجلس على طاولة أشرس نقاّد الدراما في سوريا! وبمنتهى البراءة، طرح عليهم سؤالاً حول رأيهم بمسلسلاته، بعدما كان قد أنجز النسخة الثلاثينية الجديدة من «أسعد الورّاق» (إخراج رشا شربتجي)، ويستعدّ لعمل ستيني بعنوان «دليلة والزيبق» (عن مغامرات كليلة ودمنة – إخراج سمير حسين). يومها، سمع تصويبات لا تُحصى. لكن يبدو أنه فهم اللعبة من أوّلها، فطالما أنه يقدّم مادة رأي عام، ينبغي له أن يكون منصفاً إلى حدّ كبير في الإصغاء لجميع الآراء، والتعلّم مما ينقصه، والإفادة من إضاءات على أشياء ربما تفوته. مع اندلاع الحرب السورية، وضّب عكو حقائبه ورحل إلى بيروت. أخذ وقتاً طويلاً قبل أن يلهب العالم العربي بمشروعه «الهيبة» (إخراج سامر البرقاوي). الجزء الأوّل حوّل المسلسل إلى ظاهرة، ويمكن القول بثقة بأن العمل بنى مجده الشعبوي، وصنع أربعة أجزاء لاحقة متكئاً على البراعة الكافية في حبك الحلقات التأسيسية من الجزء الأول. ورغم النجاح الجماهيري المدوّي، إلا أنّ عكو رفض قطعاً التورّط في اللعبة الربحية على حساب القيمة، واستثمار النجاح والاستمرار في إنجاز أجزاء متلاحقة. غرق «الهيبة» في بحر من الابتذال والتكرار والسذاجة والتعاطي بمنطق الربح لا أكثر، فيما كان هوزان يبحث عن مشروعه بهدوء شديد. وقبل أيّام، أبصر مسلسله «المنصّة» النور (إخراج رودريغو كريشنار ــ إنتاج منصور اليبهوني الظاهري ــ 12 حلقة) على نتفليكس، فيما باشرت قناة «أبو ظبي» عرض المسلسل تباعاً.

يترك العمل انطباعاً واضحاً بالاختلاف، والتجريب في مطرح خام وبكر، ثم يوحي بمحاولة ناضجة لمجاراة الدراما العالمية من ناحية الشكل، والمنطق البصري، والجاذبية المتعلقة بالصورة، والمكمّلات الجمالية، وأيضاً من جهة المنطوق الحكائي والسوية التمثيلية!
بيئة خلّاقة تمتاز بكل عناصر الجدّة، ينبش فيها «المنصة» ليراكم جوهره الدرامي، مدركاً بأن المطرح الذي ذهب إليه، بمثابة تربة قادرة على توليد الحدث، والتقاط المعطيات التي تصنع الدراما المشوّقة في كلّ مقوّماتها. الحديث هنا عن عالم الانترنت والسوشال ميديا التي باتت تحكم العالم!
ببساطة، يبدأ المسلسل من دمشق متسلسلاً إلى بيوت إحدى العائلات الدمشقية، التي يبدو واضحاً تورّط ربّانها (سلّوم حدّاد) في تنظيم إسلامي ترك داخل روحه منطقاً سادياً في التعاطي مع أسرته! سيقبض الأمن على المجموعة المتورّطة في عمل إرهابي من بينها هذا الأب، الذي يرمى في السجن لسنوات طويلة كفيلة بأن تجعل ابنه كرم (مكسيم خليل)، المقيم في لوس أنجليس، من أهم الاختصاصيين في المعلوماتية والمنطق الرقمي وربما «الهكرز». أما ابنه الأصغر آدم (سامر إسماعيل) فيعيش مع أمه (سمر سامي) وقد صار طبيباً. يتلقّفه من باب سجنه عند خروجه، ليعيده إلى البيت. بعد أيام، سيتم العثور على الأم مقتولة غالباً على يد الأب، بينما يواجه كرم خطر لصق جريمة قتل بظهره، بعدما كان على وشك زيارة صديق فيجده مقتولاً. يضطر لقبول دعوة ناصر أحد الناشرين الإماراتيين (عبد المحسن النمر) الذي دعاه لترجمة كتابه، فيجد نفسه أمام استثمار منصّته التي تنشر أسرار عصابات، وتجار، ومافيات، ومنظمات، وهيئات، وتفضح مخططاتهم، وتجرّدهم من هالاتهم من خلال قوة الاختراق التي يملكها كرم وسطوة الإعلام بمنظوره الجديد!
تسير الحكاية إلى خواتيمها المبدئية، وفق تكنيك مدروس بأن يكون التواتر بمنطق تصعيدي، والربط المشغول بعناية، فيما تتمحور الرواية عموماً حول فكرة منصة ربما تحاكي ويكيليكس لكنها تنفي عن نفسها تهمة التلصّص على الخصوصيات، أو اقتحام ما هو أضيق من الموضوعات التي تتعلق بالشأن العام. يمسك المحور الثاني للصراع الأصوليين مجدّداً، الذين تتزعمهم بعض الشخصيات الإسلامية ذاتها التي كانت تقود حراك الإخوان المسلمين ربما في ثمانينيات القرن الماضي في سوريا. طبعاً، يقع العمل في مطبّ المباشرة في تصدير الرسائل عن دولة الإمارات كونها حاضنة مشاريع وراعية خير. كذلك، يعجز ــ رغم مستواه البصري الرفيع ــ عن جلب ولو الحدود الدنيا من الجغرافيا السورية كونه لم يصوّر فيها، إذ يصوّر الحارة الشامية في بناء وحيّ فقير يعطي انطباعاً بأنّه عشوائيات مصر. كذلك تقف سيارة أجرة بأرقام أجنبية، وهو ما لا يمكن أن يحصل في الشام، فيما يعاب على النصّ القفزات الزمنية والتبديلات الجذرية على بنية شخصياته، من دون توضيح ما حصل أمام المشاهد، أو تبرير ذلك مع تلاحق الأحداث، عدا بعض الخلل في بناء العلاقات بين هذه الشخصيات. فكيف لأب غادر بيته شاباً، وعاد إليه مسنّاً ألا تكون علاقته في ذروة الإرباك مع ولده، الذي ينتمي ربما إلى فكره، لكنّه كان غائباً عنه؟

يترك العمل انطباعاً واضحاً بالاختلاف والتجريب في مطرح خام وبكر


على مستوى التكنيك الأدائي، يلعب أبطال العمل ببراعة واضحة، من سلوم حداد ومكسيم خليل وخالد القيش، إلى سمر سامي، ولو أنّها تطلّ في أربعة مشاهد يتيمة، إلا أنها تترك انطباعها الشخصي على مستوى فن الأداء. أما معتصم النهار، فيطلّ هنا خالعاً رداءه ومغيّراً جلده كلياً، هذه المرّة تناسى شكله، ليتكئ على التحكّم المدروس بعضلات وجهه وإطلاق ردّات فعل صائبة في غالبيتها، فيما تكشف خرّيجة «المعهد العالي للفنون المسرحية» لين غرّة عن فهمها المعاصر لفن التمثيل مرة جديدة، بعد تجربتها الناصعة في «مسافة أمان» (إيمان السعيد والليث حجو). هنا، تقدّم دور صبية تتقاذفها الأقدار إلى كمائن متناقضة كلياً، فتتصدّى لها بأداء موسوم بالدقة، والنأي الكلي عن الافتعال المبالغ، مع التركيز على الشغل الجوّاني العميق. وهي بالمناسبة تلعب بديلة لسلافة معمار التي اعتذرت عن عدم أداء الدور بعد خلاف مع المخرج مجدي السميري، إذ كان يراها أكبر عمرياً على الشخصية وهذا فيه وجهة نظر. لكن المخرج التونسي أُقصي كلياً عن المسلسل، بعد تصويره كامل المشاهد، ولم يمرّ اسمه ولو بشكل عابر على التتر. هكذا، استفرد بالمسلسل مخرجه الألماني، الذي أعاد الإخراج على المستوى التقني، أي ركّب المسلسل من جديد معتمداً على المونتاج. في كلّ الأحوال ما يؤخذ على المادة من ناحية التمثيل هو شغل ممثليها الثانويين، الذين بدت المسافة بعيدة بينهم وبين نجوم العمل، على صعيد السويّة الأدائية! لكن المادة الدرامية التي طُرحت، تُعد حقيقة بإمكانية تدارك الهفوات، والغوص أكثر في بناء جزء ثانٍ متماسك ومشوّق!

* «المنصة» على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا