في الطريق إلى مقرّ الجريدة، كان يحثّ خطاه منشغل الفكر بما أسماه «الخبر الطازج» الموجود في حقيبته. يطبق عليها بذراعيه كأنّهما في لقطة سينمائية.

يسرع، يتعثر، ينهض. يفاجأ بزميل، يبدّل مساره. يرنّ هاتفه تباعاً، لا يجيب. تراوده أفكار خارج السياق، يهزّ رأسه هزّات متسارعة لطردها.
يعاند جوعه، شدّة الحرّ، رغبته بسيجارة، ويحدّث نفسه بما سيكون عليه هذا المساء بعد نشر الخبر. «أكل وشرب ولا بدّ من سجائر حشيش».
لم يفرح فرحاً مماثلاً منذ مدّة طويلة. هو يعمل في الصحافة منذ نحو عشر سنوات، مسيرته عادية، لا شيء يميّزها، فضلاً عن أنّه غير مبال بمآلها أصلاً. كان جالساً في المقهى، يراقب الشارع ساهماً كعادته. لا ينتظر شيئاً ولا يعتقد أنّ حياته تخبّئ له المفاجآت بعدما صار في الأربعينيات من عمره. فجأة، رصد خبراً يولد وسط الزحام.

أنتون فان دالن ــ «بورتريه شخصي وأرنب يقفز من الكمبيوتر» (زيت على كانفاس ــ 2014)

لوهلة ظنّ أنّه يهذي، لكن سرعان ما أدرك أنّه يعيش لحظة تاريخية. اتجه صوب الخبر وقلبه يخفق بطريقة لم يعهدها من قبل. حمله بين يديه، متأكداً هذه المرّة أنّ عينه عينٌ صحافية بامتياز.
كان ثملاً يشعر بأنّه سدّد لكمة انتقامية إلى ماضيه المبعثر بين مساحات سكن اليأس غالبيتها، وأخرى إلى التردد الذي لازم شخصيته منذ المراهقة. أحسّ أيضاً بأنّه أخيراً يصدّ «كرة لعينة» لم ينس طيلة سنوات كيف باغتته ودخلت مرماه في آخر دقائق مباراة فريقه المدرسيّ النهائية.
حين صار على مسافة أمتار من مقرّ الجريدة، تنهّد مفعماً بالأمل. فكّر أن لا ضير من إلقاء التحية هذه المرّة على موظف الاستعلامات «المدّعي» وعلى من يتعثّر بهم في طريقه إلى الغرفة الأخيرة.
احتفظ بابتسامة مصطنعة على محياه أثناء صعوده أدراج المبنى. ظلّ على هذا الحال إلى أن نزلت يده بشدّة على مقبض الباب. وجدهم جالسين حول الطاولة المستديرة، المتّصفة بنتوء مربّع حيث كرسي مستشار التحرير. ألقى التحية بأنفاس تكاد أن تنقطع ومرّر كفّه بنعومة على هرّ رئيسه.
لهيئة التحرير طقوس غريبة وبعضها سرّي، وتصعب الإحاطة بها خاصةً أنّ صديقنا لا يأبه لها وكان يكتفي بشتمها فحسب حين يتذكرها، دون أن ينقل أي شيء عنها.
فوجئ الجميع بحضوره إلى الغرفة بعدما قاطعها لشهور، وظنّ صديقه أنّه أخطأ كعادته بين أبواب الجريدة الكثيرة. سبق أن اشتهر مثلاً باشتباه الأمر عليه مرّة، دافعاً باب غرفة أكثر صحافيات الجريدة اعتداداً بالنفس ظنّاً منه أنّه باب المرحاض وكان قد شرع في حلّ زر سرواله، دقائق بعدما قضى على زجاجة نبيذ مخبّأة في درج مكتبه.
كانت هذه «الغبية» موجودة بين أعضاء الهيئة في الغرفة أيضاً. جلس جوارها عن غير قصد، فتح الحقيبة بهدوء رغم دقات قلبه المتسارعة، لم ينتظر دوره في الحديث وأخرج الخبر.
كانوا يقولون إنّهم سمعوا لتوّهم عنه، وأذهلتهم رؤيته أمامهم على الطاولة.
كان الخبر كغيره، لكنّه ملتبس بين كونه جنيناً أو دمية خشبية مثل بينوكيو. تعابيره جليّة، حجمه كبير ويشعّ بياضاً.
«لم أرَ مثيلاً له منذ زمن»، هتف مستشار التحرير.
ارتفع منسوب الأمل لديه.
«لا بدّ أن يكون مانشيت اليوم التالي»، أكد نائبه.
غمره الأمل.
طلب سكرتير التحرير من أحد المحررين مساعدته لأخذ المقاسات وتفحّص ما إذا كان الخبر ينبض.
بلغ الأمل ذروته.
أما الخبر فقد بدت عليه أمارات الدهشة. أرادت تلك الصحافية أن تلمسه، فأولى الخبر وجهه الجهة الأخرى.
أقرّ صديقنا أمام الجميع أنّه كان متردداً بين الجلوس في مقهاه المعتاد أو الذهاب للمشاركة في الحدث الذي أوفدته الجريدة لتغطيته، وأنّه أخيراً اختار الجلوس في المقهى حيث عثر على الخبر.
«دسسته في حقيبتي خلسة، دون تردد ودون مقاومة منه».
أثنى مستشار التحرير الذي كان يمسك هرّه خشية انقضاضه على الخبر


أجمع الحاضرون على أنّهم لم يروا مثله من قبل، وأثنى مستشار التحرير الذي كان يمسك هرّه خشية انقضاضه على الخبر. قال إنّ أستاذه كان ينبهه دوماً من هرب الأخبار، من انتشارها قبل أن تعلم بها أي جريدة. أخذ بعد ذلك يحدّثهم عن تصوّره لكيفية نشره، وعن الثياب والألوان التي ستُعطى لهذا «السبق الصحافي».
قرّر أنّ الأزرق يليق به، وشدّد على أنّه لا يمكن إلباسه بدلة رسمية وياقة، «وإنّما من الأفضل أن يخرج إلى العلن فجر غد بمظهر شبابي لطيف». قال إنّ على روح المدينة أن تتجدّد.
كان الملتفون حوله يصغون لمداخلته، بعضهم هزّ رأسه موافقاً وبعضهم رغب بالإضافة. رأى سكرتير التحرير أنّ «اللون الأزرق يرمز إلى مدينتنا المحاطة بالبحر، لكنّ الناس تعبون وعيلنا أن نصنع التراجيديا عبر إعطائه اللون الأسود».
لفت آخر إلى أنّه «لا بدّ من الإشارة إلى الخبر ذي اللون المشابه الذي قيل إنّه ولد ميتاً في البلد المجاور، وهذا يعني الكثير لو تعلمون».
كانوا يتحدثون بلغتهم، وكانت المدينة بدأت تعيش على وقع الشائعات المنبثقة عن الخبر. صار شغل أهلها الشاغل، لا شيء سواه الآن وسط جهلهم بأنّ الخبر اليقين قد يظهر بعد ساعات على ورق جريدة.
بعد دقائق بدت طويلة، شرع الخبر يأكل أول عدد من الجريدة، تاركاً أطراف الأوراق البيضاء. أما صديقنا، فكان يتأمله ويكتشف أن لا مؤخرة له. ينظر إليه ممدَّداً يترقب مصيره في هذه الغرفة الأشبه بمشرحة.
مع احتدام النقاش، شعر بخبره يتململ، فتدخّل سعياً للتهدئة: «اسمحوا لي، مع عدم تقديري لآرائكم، وأشدّد على عدم تقديري لها، فإنّي أقترح إما أن يُنشر عارياً أو مفكّكاً، وهذا أضعف الإيمان». وقد سارع إلى التوضيح أنّه يعرف مدى التضحية بهذا الكائن لو جرى تفكيكه.
«قد يكون نشره كقطع بازل أفضل طالما أنّكم تصرّون على إهدار الفرصة التاريخية».
أثارت مداخلته جدلاً واسعاً وصخباً. سرعان ما انخفض منسوب الأمل لديه وتردّد بشأن خطوته المقبلة. لكن بصمت، حمل خبره وقرّر أنّه سيسهر معه الليلة. أراد أن يجالس بعضاً من حاضر مدينته ولو لليلة واحدة.
باستثناء تلك «الغبيّة»، لم ينتبه أحد لخروجه والحقيبة بيده. لحقت به، بيد أنّه لم يلتفت إليها ولم يكترث إلى ما تقول.
غادر المبنى مذهولاً بالبياض المتفشي في الخارج. وعند أوّل منعرج أخرج الخبر رأسه من الحقيبة وتقيّأ كلّ الحبر الأسود الذي أكله في الجريدة.

* نقلاً عن مدونة «المراسل»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا