البندقية | لم يصوّر المخرج الإيطالي جيانفرانكو روسّي مشاهد المعارك، ولكنّ الجروح التي خلّفتها الحرب يتردّد صداها في كل زاوية، داخل وخارج اللقطة. «ليل» (Notturno) وثائقي يحكي عن عالم وبشر يعيشون في ليل دائم، أي في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا والعراق وكردستان. ثلاث سنوات أمضاها المخرج الإيطالي مع الأشخاص الذين يعيشون حيث ينتهي شيء ويبدأ شيء آخر. في الشرق الأوسط، حيث أمضى روسّي سنوات عدة التقى خلالها ببشر يعيشون في مناطق حرب، ولكنه رغب في سرد قصص وشخصيات على هامش الصراع. بقي بعيداً عن الخطوط الأمامية. ذهب إلى حيث يحاول الناس إصلاح حياتهم. نقل الحياة اليومية إلى من يعيشون على طول الحدود التي تفصل الحياة عن الجحيم. صدى الحرب هنا. شعرنا بوجودها القمعي في المباني المهدّمة، في قصص الأطفال، في بعض رسائل «الواتس آب» المرعبة التي تبعثها امرأة سجينة عند «داعش»، في طلقات الرشاشات التي تُسمع من بعيد. تُظهر كاميرا روسّي عالماً اجتماعياً يعيش في بؤس شديد، ندوبه ظاهرة. عمالة الأطفال متفشّية. الرجال والنساء الذين نجوا من الحرب والإرهاب يحملون مأساتهم ولا يمكنهم التفكير في المستقبل. في هذا العالم، لا مجال حتى للغضب. مكان مجنون، ومواقف لا تُصدق تبدو عادية جداً لمن يعيشون هناك. وعلى الرغم من كل شيء، هناك بوادر أمل صغيرة: في منزل صغير يقوم الأولاد والبنات بواجبهم المدرسي على الأرض، في التمثيل المسرحي الذي يقدمه معالج في المصحّة النفسية، حيث يثبت الفن مكانه السياسي. في مونولوجات مرضى المركز الصحي، التي تتحدث عن الأحلام الفاشلة لذلك الربيع العربي... عن التعصّب الديني الذي ذبح كل شيء.

ينتمي جيانفرانكو روسّي إلى المدرسة الإيطالية في صناعة الأفلام الوثائقية. هذه المدرسة التي قدّمت على مدى العقد الأول من القرن العشرين، مساهمة أساسية في تغيير ماهية الفيلم الوثائقي وما يمكن أن يفعله. المدرسة الإيطالية تُدخل في الوثائقي تقنيات السرد القصصي للسينما الروائية. والنتيجة صور موثّقة حقيقية ولكن تمّ تجميعها وتركيبها واستخدامها لتحكي قصصاً من خلال المشاهد أكثر من الكلام أو وضع أحد أمام الكاميرا للحديث. على الرغم من أن جيانفرانكو روسّي غير معروف جداً خارج أوروبا، إلا أنّه من بين أربعة أفلام أنجزها، فقد حصل على جائزة الأسد الذهبي في «البندقية» عام 2013 عن فيلم Sacro GRA (أول وثائقي يربح جائزة في «البندقية»). كما حصل على الدب الذهبي في «مهرجان برلين» عام 2016 عن فيلم «حريق في البحر» (وضع الحياة الخطيرة للمهاجرين العرب في البحر على خلفية الحياة العادية لسكان جزيرة صقلية). واليوم ينافس بفيلمه الخامس على جائزة الدب الذهبي من جديد.
شاعرية هي أفلام روسّي. بعضهم ينتقده بدعوى أنّه يتخطّى القانون والأخلاق ويستغل من هم بحاجة إلى نقل واقعهم في أفلامه من أجل المتعة الجمالية البحت. ولكن روسّي ينقل الحقيقة، والحقيقة مرّة. وإن كان بعض أصحاب البشرة البيضاء، لا يمكن أن يصدقوا أن ما يحدث أمامهم هو شيء حقيقي، فالمشكلة عندهم وليس في أفلام روسّي. «ليل» هو عن الحروب الأهلية المستمرة والديكتاتوريات الشرسة والغزوات والتدخل الأجنبي، كل ذلك حتى نهاية «داعش».
تعمّد روسّي مراوغتنا. لا يمنحنا طريقة لمعرفة أين نحن أو المكان الذي يصوّر فيه، ومن هم هؤلاء الأشخاص وماذا يفعلون. لا تعليقات ولا معلومات تساعد على فهم ما نراه على الشاشة، معظمها قصص تُروى من خلال الصور. والهدف خلق شعور موحّد في المجتمع، ولو أنّها من دول مختلفة. الروايات والقصص تتخطّى التقسيمات الجغرافية، ما يحدث على الحدود بين لبنان وسوريا هو نفسه ما يحدث بين سوريا والعراق. في كل مكان علامات عنف ودمار. ولكن في المقدمة هناك الإنسان، في فيلم مضيء في هذا التاريخ المظلم. كلّ الناس ينتمون إلى مجموعة واحدة، أولئك البعيدون عن الجبهة ولكنهم يعيشون في ظل حروب مستمرة وحداد.
لمسة روسّي ظاهرة طوال الفيلم. في الطبيعة، هناك مشاهد فظيعة، ولكن المشاهد الأخيرة، ربما تكون أقوى لحظات الفيلم. عندما نفهم أنّ الأطفال في المدرسة شاهدون على أشياء فظيعة حصلت أمام أعينهم. الأطفال المصابون بصدمات نفسية هم قنابل موقوتة. نحن لا نسمع القصص ولا روسّي يدع الأطفال يخبروننا عن تلك الفظائع. بدلاً من ذلك، يصفعنا بالرسومات التي خطّها هؤلاء الأطفال والمعلقة على جدار المدرسة، كجزء من الديكور. جزء من واقع يرونه كل يوم، يكشف ما رأوه من دون أن نراه ونسمعه. رسومات منمنمة ملوّنة بالدم والأسلحة والموت.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا