I ـــ في المدخل: تعريفٌ، وتحديدٌ لخط السير، وأهدافه.
1 ـ نحن مجموعة من المختصّين في البنيان، توافقوا على العمل معاً منذ نصف قرن. منَّا معماريُّون، ومنَّا مهندسون باختصاصات مختلفة، ومنا تقنيُّون. نحن اليوم، لا نعمل، ونستمرُّ بفتحِ المكاتب، ولكن من دون إنتاج. نداوم بانتظام، من الساعة التاسعة صباحاً، حتى الساعة الخامسة عصراً. إنه الحرص على الوجود المنتظِم في سوق العمل. أو إنه، أفضل من ذلك، الحرصُ على العيش في «وهم العملِ الممكن»، رغم وعينا، بأن العمل الجدّي في حقلنا، مستحيل، الآن، وفي المستقبل المنظور.
2 ــ أعيش إذاً بانتظام مع هذا الانضباط الطوعي الواعي. أستيقظ في الساعة السابعة، أُقلّب الصحف. أتناول فطوري، أحمل زادي إلى المكتب، حيث أبقى حتى الخامسة عصراً. أسكن منذ ربع قرن، في شارع المكحول في رأس بيروت. يستدعي وضعي الصحي أن أمشي كلَّ يوم نصف ساعة على الأقل. أما يوم الأحد، فهو يوم المشي الرئيس. ساعة، ساعتين وأكثر، أخصّصها أحياناً، لاكتشاف المفاجآت في شوارع رأس بيروت. شارع المكحول بدايةً، مع كنيسة سيدة النياح وساحتها، والمقبرة وأشجار السرو والشربين التي تدلُّ عليها. مصطفَّة مشهديَّة. تذكّرني باخضرارها الدائم، بشارع المكحول في منتصف الخمسينيات ومنتصف الستينيات من القرن الماضي، مع «السامغلرز إن»، وجورج الزعنّي ومهرجانه.



البرج الكارثي في المكحول

شارع جانّ دارك، بتقاطعه مع شارع المقدسي في أعلاه، يعود بي إلى المهندس بهيج الخوري المقدسي، وشقيقته وداد قرطاس، مديرة المدرسة الأهليَّة والسكرتيرة العامة في الأكاديميَّة اللبنانية للفنون الجميلة، حيث تعلّمت. وعند هذا التقاطع، المباني التي رسمها المعمار شارل شاير.
فـي صيـف عام 1957، ابتدأت حياتي المهنيَّة، في مكتب الثلاثي «بهيج خوري المقدسي»، و«شارل شاير»، و«واثق أديب». وهي مستمرَّة إلى الآن.
في هذا السرد، أراني منتقّلاً إلى شارع الحمراء، وفيه، مبنى «الهورس» شو لشارل شاير، ومبنى «سينما الحمراء» لـجورج ريس، ومبنى «البيكاديلي» لأستاذي، وليم صيدناوي.
3 ــ نهار الأحد هو للمشي الطويل، إذاً. وغالباً ما كنت أمشي، من شارع المكحول إلى «البلد»، عبر شارع باب إدريس الجديد، وشارع ويغان، وصولاً إلى ساحة الشهداء. ومنها إلى ساحة رياض الصلح. أعود بعدها إلى شارع المكحول، تعباً مرهقاً. يوم الأحد في 2 آب، الذي سبق الانفجار، حاولت الوقوف عند التحوُّلات التي تسبّبها، صدامات الحراك، مع قوى مكافحة الشغب، يدعمها الجيش.

II ــــ الجولة الأولى، قبل النكبة، الأحد في 2 آب 2020.
في شارع المكحول، لمن عرفه في منتصف القرن الماضي، التحوُّلاتُ مأسويةٌ، فجَّةٌ، صادمة. أسكن الشارع منذ ربع قرن. والمكان هو بداية طريقي نحو قلب المدينة «البلد». بداية الشارع، عند تقاطعه مع «شارع جان دارك»، لم تعد بوَّابته.
1 ــ في الزاوية الشمالية للتقاطع، بقي المبنى التقليدي، الذي يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بأقواسه الثلاثة، وقرميده الأحمر. يسكنه اليوم، زميلنا غريغوار سيروف. تحته مكتب المختار، ومقهى، وبار صغير. مبنى مرتفع متراجع، يقمع الرمز التاريخيَّ الجميل هذا. واجهته الجنوبيَّة من الألومنيوم الأسود، والزجاج المعتم. وفي تجويف واجهته الشرقيّة، زُرِعَتْ بانتظامٍ آليات التكييف.
2 ـــ في الزاوية الجنوبيَّة للتقاطع، قبالة المبنى التقليديّ التاريخيّ، هُدِمَتْ كل المباني. في المكان الآن موقف عملاق للسيَّارات. فراغ قامع فسيح، يفترش المكان هناك. ويجرّده من أي رمز، أو دلالة. إنه المجال القاسي، يبتلع التاريخ، ويقتلع الذاكرة.
وحده «البلونوت» الحانة والمطعم، تمسَّك بمكانه. وبقي، بمجاله، وبنكهته، وبنوافذه الخشبية العمودية، في الطابق الأرضيّ من مبنى جديد، ذي أربعة طوابق، احتلَّ جزءاً من واجهة الشارع.

أبراج سوليدير

3 ـــ أجلس على كرسيّ معدنيّ في شرفة منزلي، شرق «البلونوت». الشرفة في الطابق الثالث من مبنى جديد متراجع، تعلو قليلاً سطح الكنيسة، وتشرف على ساحتها. جدار الكنيسة قبالتي، بقي على حالته العتيقة، مكسوّاً بالحجر الرملي البيروتي. أقواس النوافذ نصف دائريَّة. وأقواس الرواق المضاف، نصف دائريَّة أيضاً. الكنيسة ذات مسطح مصلَّب. الصليب واضح في سقفها. في المقدّمة غرباً، حيث بوَّابة الكنيسة، ضلع الصليب الطويل. وعند التقاطع ثلاثة أضلعٍ متساوية. أُزيلت الأسقف المنحنية الحمراء، واستُبدلت بأسقفٍ نصف دائريةٍ، ملفوفة بالزنك الرماديّ القاتم. قتل الزنكُ روح الكنيسة المشرقيَّة، وأخرجها عنوةً وجهلاً، من تراث الكرسيّ الأنطاكيّ. انظُرْ إلى أديرة الكنيسة الأنطاكيَّة، المنتشرة في المشرق الدافئ! هل ترى في هذه الأديرة سقفاً من الزنك؟! إنها جريمة موصوفة، أن يُزرع الزنكُ الغربيُّ، أمام المقبرة الأنطاكية، المغروسة بالسرو والشربين.
4 ــــ إلى شرق شرفتي، كانت تنتصب عِمارة كولونياليَّة جميلة، بقامتها، وبشرفاتها، وبنوافذها. وبعد العِمارة، كان مطعم ومقهى «السماغلرز إن». هُدِمَ المبنى الكولونياليّ الجميل. وهُدِمَ المطعم المقهى. وغاب جورج زعنّي، ونشاطه الثقافي في الشارع، وقامت في المكان، عمارةٌ، ضخمةٌ، مرتفعةٌ خارج المقياس، في الشارعِ الهادئ المريح.

III ـــ قبل النكبة يوم الأحد في 2 آب 2020، من شارع المكحول، إلى قلب المدينة.
1 ــ تبدأ رحلتي، من الساحة، قبالة «كنيسة نياح السيدة». أجتاز الرصيف الجنوبيَّ، بمحاذاة الكتلة الضخمة. قبالتها، «كليَّة القديسة مريم الأرثوذوكسيَّة»، بشبابيكها الملوَّنة. وبعدها مبنى يعود إلى منتصف القرن الماضي. فيـه حوانيت صغيـرة. ثم مبان أخـرى، من عمـر المباني التـي سبقتـها. في واحد منها فرن صغير. يلي الفرنَ، دكَّان فسيح، كتب صاحبه فوق مدخله، بالإنكليزية المتقنة: «خبز وزبدة».
تذكّرت هنـا، الفاكهانـي في «بولفـار القنـاة 7» و«منطقـة عائشـة بكـار»، وقد كتـب فـوق واجهتـه: «جبنة وزيتونة»، متذكراً ربما أغنية الراحلة صباح «عالبساطة، البساطة».
لقد ارتأى صاحب «الميني ماركت» في المكحول، أن الجبنة والزيتونة، لا تليقان بمكان يبعد أمتاراً عن بوَّابة الجامعة الأميركية، فكتب بالإنكليزية، متماهياً مع ثقافة المكان، «خبز وزبدة».
في المقابل، المبنى الكارثة. قاعدة عريضة تخترق النسيج الأليف، وتُطل على شارعَي المكحول وبلس. القاعدة العريضة هذه، هي من طابق أرضي على منسوبين، المكحول وبلس، فوقه طابقان. وهي مكسوَّة بالألمونيوم الأسود. لباسها أسود. زجاجها أسود. كلُّها سوداء. يضاعف الوقْعَ الكارثيَّ للقاعدة، برج مبالغ بارتفاعه، مكسوٌّ بالألمونيوم الأسود. والشرفات المتراقصة فيه، تجويفاً ونتوءاً، مكسوَّة بالألمونيوم الأحمر الفاقع. عدائيَّة معماريَّة فجَّة، يرفضها سياق الشارعين، شارع بلس، وشارع المكحول. القباحة الجارحة هذه، نراها في مبنى آخر، يقوم بجانب «مؤسسة كهرباء لبنان»، قبالة المرفأ المنكوب. مبنى يحكي عدائيَّة مبنى المكحول – بلس ذاتها، مع المزيد من الحذلقة والافتعال. فطارت عن جسم المبنى المذكور بفعل الانفجار النكبة، كلُّ الادعاءَات الجماليَّة المكرَّرة، الألمونيوم الأسود، والزجاج الداكن، والأسقف التزيينيَّة المعلَّقة، والقواطع الداخليَّة الخفيفة. عرَّت النكبةُ المبنى من لباسه، ولم يبق منه، إلا الهيكل المُتحذلِق، المُفْتعل.

أبراج «بنك البحر المتوسط»


2 ــــ أُغادر شارع المكحول إلى شارع عبد العزيز. وعند انعطاف الطريق، يستمرُّ مساري إلى قلب بيروت. أجتاز شارع كليمنصو. يُطلُّ على الشارع اليوم، من زاويته، «مركز كليمنصو الطبيّ». بعده، بُني برجان سكنيَّان شبه فارغين. في آخر الشارع المبنى الرئيس الجديد، لـ «بنك البحر المتوسط»، قبالة مبناه الرئيس القديم. مبنى «الجفينور» قديم هناك، ومعه فندق «روتانا– جفينور». وقديمة أيضاً، المدارس. أذكر الشارع، وقد غمرته حياة صاخبةٌ، أثناء حرب تموز في عام 2006 . امتلأت المدارس حينها، بالنازحين من الجنوب. عائلات، بسيَّاراتها المحشوَّة بالأمتعة، على جانب الطريق. أطفال يلعبون وسط الشارع. أبواب المدارس مشرَّعةٌ، والناس يملأون ملاعبها. حياة صاخبة انتقلت مع النازحين، إلى طرف شارع كليمنصو في بيروت. ثلاثة وثلاثون يوماً، توقفت بعدها الأعمال الحربيَّة. وأطلَّ سماحة السيد حسن نصرالله، قائلاً لأهله النازحين، عودوا فوراً إلى قراكم، وبيوتكم. عودوا... إلى الأرض التي تنتمون إليها... عودوا إلى السماء التي التحفتوها... عودوا...
نزلت في اليوم الثاني إلى مجمَّع المدارس، فلم أجد أحداً ولم أجد سيَّارات مركونة إلى جانب الطريق ولا أطفالاً، ولا لعباً وسط الطريق. رحلوا جميعاً، ورحلت معهم الحياة من الشارع.
وفي المساء، عرضت شاشات التلفزة، أرتالَ سيارات العائدين. عاد الشارع إلى ما كان عليه، موحشاً، مهجوراً، كما عرفته، طيلة ربع قرن.
3 ـــ أمشي في شارع كليمنصو منذ عقدين، فهو طريقي الإلزامي أكرّر، إلى قلب المدينة. عرفته. ألفته. في ذاكرتي كلُّ تفاصيله. القديمة والمضافة. عرفته في كلّ تحولاته. فكيف تبدو صورة الشارع؟ ما هو الانطباع الذي يتركه في عمق مشاعرك، وأنت تعبره؟ الشارع موحشٌ، مهجورٌ، أجزم. تسير فيه، فلا تصادفُ أحداً. يفتح أحدهم دكَّاناً، فلا يلبث أن يقفله بعد أشهر.
في الشارع بعض المؤسسات التجارية التي صمدت، لكنَّها لم تُبعِدِ الوحشة، عنه. تشعر وأنت تمشي في الشارع، أن المجال العام الذي يحوطك، لا ناس فيه، ولا حياة.

IVــــ الأحد في 2 آب، العبور إلى قلب المدينة: حال الطريق، المشهدُ، وصورة المدينة.
1 ــ اجتزت شارع كليمنصو بسرعة الهارب من الجحيم. كلُّ ما فيه، يرغمك على الهروب. الفراغ، والكآبة، والوحشة، وغياب الحياة. أسوأ ما فيه، كثرة المجالات غير المبنية، وقد تحولت كلُّها إلى مواقف فسيحة للسيَّارات. تَمزَّقَ النسيجُ المبنيُّ جنوباً، وأصبح كتلاً متباعدة، أشبه ببقايا مهجورة. تشعر بانقباضٍ وأنت تحثُّ الخطى، فتتعثَّر عند طرف الشارع الشرقيّ. يقمعك هناك برجان معدنيَّان زجاجيَّان متقابلان. يتنافسان لاقتحام السماء، فعلاً لا قولاً. البرجان هما المبنيان الرئيسان لـ «بنك البحر المتوسط». قلتُ، قبل أن أتابع هربي، هل من مثالٍ أكثر صراحة!؟ عن وحدةِ السلطة السياسية، والريع المالي!؟
2 ـــ بمحاذاة «كنيسة مار الياس بطينا»، افتعل مصمّمو «سوليدير»، وهم يُدمّرون قلب بيروت، شارعاً يمتدُّ بموازاة وادي أبو جميل، ليصل إلى منطقة باب إدريس، أمام المبنى الرئيس لـ «بنك عوده». سلكت الشارع متمهّلاً. إلى الشمال، نموذج واحد من مبنى كولونياليّ، يتكرَّر ملتوياً، وصولاً إلى «مبنى زين»، التقليدي. في المنطقة، مبنى كولونيالي واحد، يعود إلى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، رُمّم بإتقان. مبنى كولونياليّ تاريخيّ واحد، في المجال. فلماذا أصرَّ القيّمون، على هدم النسيج المبنيّ التاريخيّ، واستبداله بنسيج، يصنعه نموذج كولونياليٌّ واحد؟ معمَّم؟ والمباني هذه، هي مهجورة، فارغة، تذكّرنا بالوحشة، التي تسكن شارع كليمنصو. وإلى الجنوب، نموذجٌ واحدٌ، من عمارةٍ تزعم أنها حديثة، تتكرَّر بموازاةِ العمارة الكولونياليَّة قبالتها. تتوقَّف هذه المباني عند مدرسة الراهبات الجميلة، هناك.
3 ــ بعد المدرسـة، مبنى رسمه راسم بدران. المبنى مكسوّ بالحجر الرملي. فيه أقواس، وكتل متناغمة. فيه أبراج دائريَّة عند الزوايا، ومشربيَّات من الألومنيوم القاتم. فيه شرفات مسقوفة بالمشربيَّات ذاتها. فيه بحث عن كتلٍ، تعيد الروح إلى الأمكنة. هناك مدخل محصَّن إلى الطريق المؤدّي إلى بيت الوسط. وهناك ضُمَّة من المباني الجديدة، نحتار في تحديد هويتها. تنتهي هذه الضمَّة من المباني، بمبنى مصمّم الموضة «الفاشن»، وراسم الأزياء الراقية، «العالمي»، إيلي صعب. الزمن الذي برز فيه إيلي صعب، هو زمن «سوليدير»، زمن ما سمّي بالأحادية اللبنانيَّة. زمن الخدمات اللبنانيَّة المميَّزة، قيل. الزمن الذي دفعت فيه قوى السلطة، إلى التخلّي عن كلّ ما هو منتِجٌ. الصناعةُ دونيَّة، والزراعة دونيَّة أيضاً، وكل إنتاج هو دونيٌّ بدوره. وعلينا أن نعزّز خصوصيَّتنا، وفرادة قدراتنا الإبداعيَّة، قيل أيضاً. في هذا الزمن، كان إيلي صعب، وزهير مراد. في هذا الزمن، نُسِجَ كلُّ ما يؤسّس لهزائمنا الحاليَّة، ولمآسينا الاقتصاديَّة والماليَّة.
الدين، ثم الدين، ثم الدين. الاستهلاك، ثم الاستهلاك، ثم الاستهلاك. الاستيراد، ثم الاستيرادُ، ثم الاستيرادُ، لنستطيع الاستهلاك بالنهم الفاقع المعروف.

قرميد السراي وأبراج نورمن فوستر (الصورة لأسامة كلاب)


V ــــ قبل النكبة مجدداً: السياق، المشهد، وصورة المدينة في قلبها.
1 ـــ يحتلُّ المبنى الرئيس لـ «بنك عودة»، شارع باب إدريس التجاري سابقاً، بكامله. من أعلى المكان، أمام كنيسة الكبوشية، إلى الزاروب، الموصل إلى الشارع التجاريّ الخلفيّ، وإلى وادي أبو جميل. المبنى التاريخي الجميل قبالة الكبوشية، هدمه «بنك عودة»، وأعاد بناءه كما كان، وأهمله. أما المبنى الرئيس للبنك، فهو تحفة «كَفِنْ داش»، كما يروي مالك البنك.
«كَفِنْ داش»، استجاب لرغبة المالك، فرسَمَ المبنى بامتداد الشارع. فالتهمه، وقتل هُويته التاريخيَّة، ووظيفته التجاريَّة. المبنى الممتدّ مقفل. أمامه رواق لا وظيفة له. في المبنى واجهة زجاجيَّة عملاقة، فيها البوَّابة الرئيسة. قاتلنا في الهيئة المعماريَّة العليا (المديريَّة العامة للتنظيم المَديني)، لاعتماد مقاربة أخرى، تُعزّز علاقة المبنى بالشارع أمامه، وتعيد الشارع إلى ما كان عليه، تجارياً، حيّاً، نابضاً بالناس، فلم نُفلح. مات الشارع. المجال، حتى الرصيف قبالة أسواق بيروت، معتم، مقفر، مهجور، تسكنه الأشباح. أما الشارع الخلفي، والذي نصل إليه عبر درج حجري قبالة كنيسة الكبوشية، فهو خال كلياً من الناس. غابت الدكاكين الصغيرة، التي كانت مزروكة هناك. ولا نجد اليوم في المكان، سوى الفراغ المفزع.
2 ــ من أعلى الشارع الميت، قبالة المبنى التقليدي الفارغ، بخشب واجهاته، وبزجاجها الشاهق الارتفاع الذي يؤكّد أن المبنى تسكنه الأشباح منذ عقود، من المكـان ذاتـه، قبالـة المبنـى التاريخـيّ بحجـره الرملـيّ العتيق، وبالبرج الدائريّ في زاويته، (في المبنى المذكور البنك الأهلي الأردني، ومصمم الأزياء الراقية زهير مراد....).
من التقاطع، مع الشارع الذي يوصل كنيسة الكبوشيَّة، ببوَّابة السنطية في أسفل الأسواق العتيقة، من هناك أمشي، باتجاه مقر بلدية بيروت. رصيفٌ فارغٌ، خالٍ من المشاة طيلة أيام الأسبوع. سرت على هذا الرصيف مراراً، ولم أر فيه دكاناً واحداً مفتوحاً. في واجهات الدكاكين، بعض المعروضات. لا بيع ولا شراء. بعض الزجاج كسرته حجارة مجموعات الحراك. و«روش بوبوا» الذي يُطلُّ على شارع المعرض، استبدل زجاجه بصفائح حديديَّة سميكة. «باتشي» قبالته، حذت حذوه. وامتدَّت الأشرطة الشائكة مستديرة، متَّصلة، متتابعة، من الجامع العمري الكبير، حتى جامع الأمير عساف، حيث يحمي كشكُ عناصرِ قوى الأمن الداخليّ، المدخل الوحيد، إلى ساحة النجمة.
3 ـــ ساحة النجمة مقفلة كلياً. إنها القلب، الذي أريد له، أن ينبض بذاته، بعيداً عن صخب الحراك والمتظاهرين. خلفنا، في الأعلى، الطريق الشعاعيُّ، الذي يوصل إلى ساحة النجمة عبر شارع المصارف، مقفل بالكتل الخرسانية السميكة المرتفعة، ذات القواعد الغليظة. الطريق الشعاعيُّ هذا، مقفل، عند بناية «عبُّود عبد الرزاق» بحجرها الكلسي الأبيض، وأعمدتها الإغريقيَّة المضلّعة. أذكر، أن جريدة «الاتحاد» اليوميَّة، صدرت طيلة شهرٍ، من مكاتبها في هذا المبنى، ثم توقَّفت. ورحل ناشرها بعد حين. خلفنا أيضاً، شارع المصارف، مقفل بكامل عرضه، بجدار معدنيّ سميك. ومحالّ «مون بلان» الموجودة في الزاوية، نقلت بابها وواجهاتها إلى شارع باب إدريس، قبالة أسواق بيروت. شارع المعرض مقفل في واجهته الرئيسة، بالألواح الخرسانية ذاتها. وهو مقفل أيضاً عند إطلالته على شارع أللنبي، الممتدّ داخل الردم المقابل. كل محالّ الشارع على جانبيه، مقفلة، محصَّنة. يخيّم الموتُ على مجالات الشارع. غادرَتْه الحياةُ، منذ مدة طويلة. الألواح الخرسانيَّة، تقفل أيضاً الشارع المؤدي إلى وزارة المال. أستطيع القول، إن كل الطرقات، والزواريب، والفتحات، التي قد توصل إلى ساحة النجمة، هي مقفلة بإحكام. يتجمَّع خلفها، حرس المجلس النيابي، تحسُّباً لأي اختراق. المحالُّ التجاريَّة، والدكاكين، في مبنى البلديَّة، كلُّها مقفلة، إذ عادت، إلى الأمكنة هناك، الصدامات المسائية، بين مجموعات الحراكِ، وقوى الأمن الداخلي، يدعمها الجيش. كلُّ المقاهي، والمطاعم، التي ازدهرت خلف مبنى بلدية بيروت، أُقفلت، ورحل أصحابها إلى غير رجعة.
وحده «البلونوت» الحانة والمطعم، تمسَّك بمكانه، وبقي بمجاله ونكهته ونوافذه الخشبية العمودية


ازداد الحصار، وازداد الضغط الأميركي بالعقوبات وبقانون قيصر. فنزلت بعض مجموعات الحراكِ إلى الشوارع. نزعوا الحجارة عن الأعمدة، وكسروا زجاج الواجهات التجاريَّة، ووسَّعوا دائرة الاتهامات. صرخوا وشتموا. شتموا خاصة. واصَطدموا مع قوى الأمن، لساعة أو لأقل منها. تراجعوا بعدها، باتجاه بيت الكتائب، أو اختفوا في زواريب منطقة الصيفي.
4 ـــ حال الأمكنة في مثل هذا المناخ المفتعل، نتخيَّله بدون صعوبة. ففندق «لوغراي» المقابل لمبنى جريدة «النهار»، مقفل في بابه الرئيس، وفي كل واجهاته. في المطعم عند الواجهة، بعض الروَّاد قبالة جريدة «النهار». ولا أحد في القسم المواجه لساحة الشهداء. لأن الساحة فارغة، قاتمة، مفزعة، هي. لا سيَّارات، في الطرقات الرمادية التي تزنّر وسط الساحة، الرماديّ بدوره، رغم بعض العشب الأخضر يحوط نصب الشهداء. لا مشاة على الأرصفة. ولا مشاة في وسط الساحة. لا حياة في المجالات الرمادية. إنه فراغ الموت المؤَكَّد. واجهة فندق «لوغراي» سليمة لجهة الساحة، ولا وجود لأحد داخلها. واجهة «دنكن دوناتس»، في الطابق الأرضـي مـن تحفـة بهجـت عبـد النـور «سينمـا الأوبـرا»، محطَّمــة. كمــا هي الحـال فـي مبنـى «أراتا إيسوزاكي» هناك. وحده الضريح سليم، برخامه الفخم. وهو يطلُّ على مكان الحديقة المنتظرة منذ عقود، أي حديقة «السماح».
ونسأل اليوم، كما سألنا منذ عقود، من يسامح من؟ في حديقة «السماح»؟ ربما بقي مكان الحديقة حفرة، في طرفها الجنوبيّ، عامودان كورنتيَّان رومانيَّان من الغرانيت الرماديّ، لأن القيّمين على إنشائها، لم يستطيعوا الجواب على السؤال الذي طرحناه، ولا نزال. من؟ يسَامح من؟ في حديقة «السماح»!؟

في زمن «سوليدير»، نُسِجَ كلُّ ما يؤسّس لهزائمنا الحاليَّة ومآسينا الاقتصاديَّة والماليَّة


5 ـــ يستريح البعض، على درج جامع الأمين. قبالتهم على الرصيف المقابل، شجرة وحيدة. موقف السيَّارات، شرق مبنى العازارية فارغ، ما يعيد الشعور بالفراغ. واجهات المحالّ التجاريَّة في مبنى العازارية محطَّمة. وفي غمرة الكتابات الهابطة، على جدار كنيسة مار جرجس المارونية، بدِّي... أمَّك، بدِّي... أختك... وإلخ. في عجقة هذه الكتابات الدالَّة بداهة، على انحطاطٍ خلقيّ واجتماعيّ، لفتني شعارٌ فاضحٌ، سأورده بكامله: /بدنا نسقّط عَهْدِ العرصْ/ كرمالك يا كارل ماركس/. لقد هبطت قيمة كارل ماركس، عند المبدع الشاعر، إلى منزلةٍ يكرَّمُ فيها، بإسقاطِ عهدٍ ما، لعرصٍ ما. جميلٌ... جميل... أكرّر. لم أرَ ، في حياتي الطويلة، من يكرّم كارل ماركس، بجعله، مهتماً بإسقاطِ «العرصات». صدَقَ الذين يكرّرون، أن الذين /استحوا، ماتوا/... خسئوا...
6 ـــ بنك لبنان والمهجر عند بوابة شارع المعرض، استبدَلَ واجهاته الزجاجيَّة، بالألواح الحديديَّة السميكة. نجتاز الشارع، بين مبنى العازاريّة وكنيسة مار جرجس المارونيّة. لا قيمة فعليَّة للأضرار التي سبّبها الحراك هناك، في صدامه مع قوى الأمن. وكل القيمة هي، لساحة رياض الصلح، بذاتها. فهي، في الجوهر، مكان تجمّع، ومكان اعتراض. وهي راهناً معزولة، كليّاً عن المدينة، مرتبطة فقط بشقيقتها الكبرى ساحة الشهداء. الأسلاك الشائكة المتراصّة، تزنّرها: تفصلها، عن شارع المصارف. تفصلها، عن الشارع المحاذي لسور السراي، والمؤدّي إلى الكبوشيَّة وباب إدريس. تفصلها، عن الدرب الصاعد نحو شارع موريس باريس، وزقاق البلاط. تفصلها عن الطريق الذي يحوطُ مبنى الإسكوا، ويتجه نحو نفق سليم سلام. تفصلها، خاصّةً، عن كلّ المسارب التي تؤدّي إلى ساحة النجمة. الساحة، تعيش عزلتها، وكأنها أسْقِطَتْ هناك بالمظَّلات، لتُضيف عتمتها، إلى عتمة الأماكن في قلب بيروت. ولتكون، آخر السّبحة، في الشعور بالوحشةِ، لكل متوجّهٍ، سيراً على الأقدام، إلى قلب المدينة، عبر شارع كليمنصو، وباب إدريس، والمجالات أمام مقرّ بلديَّة بيروت. لقد سقطت السماء على الأرض هناك. واستقرت العتمة فيها.

* معمار لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا