منذ الطفولة، اعتقدت إليانور ماركس أن أعظم فضيلة هي قول الحقيقة. بهذه القناعة، خاضت الابنة الصغرى لكارل ماركس معاركها الاجتماعية والنسوية في مسيرة حياتية مُضنية. حياة عُرضت في «مهرجان البندقية» ضمن المسابقة الرسمية عبر فيلم «الآنسة ماركس» للمخرجة الإيطالية سوزانا نيكاريللي التي قالت خلال المؤتمر الصحافي: «إنّها شخصية أثرت عليّ كثيراً. امرأة لجأت للمرة الأولى في القرن التاسع عشر إلى الاشتراكية لمعالجة قضية المرأة». وأكدت المخرجة أنها حصلت على عدد كبير من وثائق إليانور الشخصية، مثل رسائلها ودفاترها التي لا تزال محفوظة (معظم الحوارات مستقاة من تلك المصادر). وشدّدت على أن التحدّي الأكبر كان «الاتصال بشخصية حقيقية تبدو في تلك النصوص قريبة جداً منّا وحديثة». «القرن التاسع عشر أقرب مما نعتقد» شدّدت المخرجة التي فازت بجائزة أفضل فيلم في قسم «آفاق» في المهرجان قبل ثلاث سنوات عن فيلم «نيكو، 1988».

إليانور (رومولا غاراي) كانت تُسمى توسي، وُصفت بأنها «أشجع» بنات كارل ماركس الثلاث. هي التي حملت إرثه. ذكاؤها وطبيعتها القتالية جعلاها الشخص الأنسب لإبقاء شعلة والدها الفكرية حية. هي التي ناضلت من أجل حقوق العمال، والمساواة بين الجنسين، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل والاقتراع، وكذلك كانت ضد عمالة الأطفال. مثقفة محبة لشكسبير، وشيوعية حتى العظم، كانت أول من ترجم أعمالاً مثل «مدام بوفاري» إلى اللغة الإنكليزية. نسوية بالفطرة، مناضلة وعاطفية، لكنها اختارت الرجل الخطأ ليكون شريك حياتها. لم تكن إليانور شديدة الوضوح والتصميم في حياتها. يمشي الفيلم على خط سردي مزدوج: حياتها العامة، ونشاطها الفكري والسياسي والنسوي، وعلاقتها مع إدوارد أفلينغ (باتريك كينيدي) الذي هو في الواقع مخادع، غامض، مفلس لم تستطع التخلص منه. وعندما علمت أنّه تزوج سراً من ممثلة شابة، كان الألم أكبر من أن تتحمله، فانتحرت بتسميم نفسها في سنّ الـ 43. يعمل الفيلم على جبهات عديدة: النضال ضد اضطهاد الرجال للنساء، ومن أجل الثورات والتغييرات المطلوبة، وأيضاً صعوبة التأقلم مع الذات والوعي الذي يكشف عن تردّد إليانور في وضع حدّ لعلاقة سامة.
تعرّض الفكر الماركسي للكثير من الانتقادات من النسوية التي أخذت عليه أنّه ركّز على الرأسمالية في أوروبا من خلال عمال المصانع، على حساب المشاكل الاجتماعية والعائلية، مثل الأعمال المنزلية وتربية الأطفال. ولكن ماركس أشار في مناسبات عدة إلى الاضطهاد الذي تمارسه الرأسمالية على النساء، وتحدث عن العبودية الكامنة في الأسرة، واضطهاد المرأة في العائلات البورجوازية. على مدى عقود، حاولت النسوية التوفيق بين النظرية الماركسية ومتطلباتها. فيلم نيكاريللي يخبرنا كيف يمكن لمصالح النساء والطبقة العاملة أن تسير جنباً إلى جنب... لقد فعلتها إليانور.
الفيلم هو تجسيد للصراع بين العقل والشعور، إليانور فتاة مصممة على الأفكار الثورية والنسوية ولكنّها هشة في المجال العاطفي، غير قادرة على تحرير نفسها. كتاباتها خالدة مثل كل كتب النضالات من أجل التحرر وحقوق والإنسان. هذا التطرف في الصراع تحوله المخرجة الإيطالية من الأحرف إلى السينما، وتنفجر غاراي في تقديم الشخصية مع موسيقى البانك التي تبدو غير مناسبة للأجواء ولكنها متناغمة تماماً مع الطاقة التي تضيء الروح المضطربة لإليانور. يبدأ الفيلم بموت كارل ماركس (فيليب غرونيغ)، وبخطاب وداعي تلقيه ابنته، وأيضاً يبدأ بتحررها من الثقل الهائل والضخم لشخصية والدها.
حازمة هي نيكاريللي في عكس صورة إليانور القوية، الاشتراكية والناشطة، وهي تصرخ في الرجال «النساء لم يعدن عبيد الرجال»، كما صورتها وهي تلقي الخطابات النارية. هي امرأة هضمت جيداً النظرات الاقتصادية والسياسية لوالدها، وفي الوقت نفسه محاصرة بعلاقة حبّ حزينة ومخيبة للآمال. الصراع الحقيقي للفيلم هو بين البيئة التقدمية والفكرية التي وُلد وترعرع فيها كارل ماركس، والصعوبات الحقيقية للتغيرات البشرية الداخلية والخاصة التي تجسّدها إليانور. كيف يمكن أن نحدث ثورة من دون وعي كامل بالعلاقات الحقيقية بين الناس أو من دون تغيير جذري في واقع النساء المضطهدات؟ في «الآنسة ماركس»، ستبقى إليانور عالقة في هذا السؤال.
على الرغم من قوة الفيلم والإنتاج الضخم، إلا أنه لا يوجد خطأ أكبر من امتلاك مواد مناسبة وعدم معرفة كيفية استخدامها، أو استعمالها بطريقة غير مناسبة. حياة إليانور ماركس تستحق التعمق أكثر، لمتابعة تلك المُثل التي حركت والدها وجعلتها واحدة من المتحدثين باسم الاشتراكية التي وُلدت وترعرعت في ظلها. امرأة برجوازية ناضلت من أجل الطبقة البروليتارية، لكنّ هذه العقيدة حصرها الفيلم بخطابات قليلة لم تكن كافية، بل جاءت مخيّبة للآمال قليلاً. على الرغم من أن سينما نيكاريللي قوية ونسوية جداً، إلا أنها أظهرت في معظم الأوقات أن إليانور خاضعة لشريك حياتها. كأنها تخلّصت من نظام «أبوي» متمثل في والدها، وانتقلت إلى نظام ثان يشبه الأول متمثل في أفلينغ، إلى جانب تصويرها في معظم الأوقات على أنها امرأة بائسة وغير واضحة. اختارت المخرجة أن تطغى علاقة الحب المختلّة على المسار الثاني من الفيلم أي النضالات السياسية والاجتماعية، وهذا أمر مفهوم. أظهرت التناقض بين ما تفكر به إليانور وبين حياتها الشخصية، لكنها لم تظهر الحجج والمثل التي كافحت من أجلها. حتى إنّ الفيلم استحال سطحياً، إلى درجة عجزه عن خلق تلك الزوبعة الضرورية لجعل المشاهدين يؤمنون بفكرها. مقدار التبعية والتركيز السيّئ عليها، جعل نوايا السرد عديمة الجدوى وهمّش ما كانت الشابة تريد القيام به.

يبدأ الفيلم بموت كارل ماركس وبخطاب جنازة ألقته ابنته


سوزانا نيكاريللي مخرجة واضحة للغاية في ما تسعى اليه وتحكيه وتصوّره. هي مباشرة من دون زخرفة، ودقيقة في حركة الكاميرا واختيار الممثلين. أظهرت الكلمات الحقيقية التي قالتها إليانور، ووجّهتها مباشرة إلى المشاهد. شاهدنا الشابة تستهلكها النضالات السياسية والنقابية، رأيناها جنباً إلى جنب مع عمال الموانئ والغاز الذين لا تكفيهم أجورهم لعيش حياة أسرية سليمة. رأيناها مع نساء يبحثن عن مكان لهن واحترام وتقدير. رأيناها مع كثيرين، ولكن دائماً وحيدة أو مع إدوارد أو في انتظاره. قالت المخرجة: «مع التناقض الواضح بين البعدين العام والخاص، فإن قصة إليانور ماركس تفتح هاوية على تعقيد الردود البشرية وعلى هشاشة الأوهام وسموم بعض العلاقات الرومانسية. تعني حياة إليانور الحديث عن موضوعات حديثة جداً إلى درجة أنها لا تزال ثورية حتى اليوم، بعد أكثر من قرن. في الوقت الذي أصبحت فيه قضية التحرر مركزية أكثر من أي وقت مضى، تحدد قصة إليانور جميع الصعوبات والتناقضات: أنا أعتقد أنه من الملائم أكثر من أي وقت محاولة فهم بعض سمات العصر الذي نعيش فيه».
تصريح واضح وحقيقي ولكن هذا ما لم نره في الفيلم، الذي غرق في التناقضات الكبيرة لهذه المرأة. صوّرها كأنها تعيش في جسدين وروحين. هناك شيء خاطئ في الفيلم، تعليمي إلى حدّ ما. أدارت نيكاريللي دفة الشريط إلى حيث تبرع، وهذا ذكاء منها ودقيق. قدمت القصة بأناقة ورومنسية. لكنّنا كمشاهدين أردنا أن نرى إليانور ماركس بعمق أكبر، وأن نعرف عنها أكثر من ذلك بكثير. هناك طاقة مكبوتة في الفيلم، على الرغم من بعض الانفجارات الموسيقية التي ذكرناها. اقتصر الشريط على السمات الأساسية لشخصية كنّا نتمنى رؤيتها في خضم الانتفاضات البروليتارية، ونضالها الشرس في المناقشات والاضطرابات الطبقية التي دافعت عنها. لا يمكن اعتبار الشريط سيئاً، لكنه نسخة باهتة لامرأة لا نعرف عنها في نهاية الفيلم أكثر مما كنا نعرفه في مستهلّه. فيلم بحاجة إلى نضج أسلوبي لا يجعلنا نأسف إذا قلنا بأنّه ليس فيلماً ثورياً حقيقياً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا