في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 2020، يُضيء ناصيف نصّار شمعته الثمانين، ويشاركه المتفلسفة العرب في إضاءة هذه الشمعة/ الشعلة التي هي، في الحقيقة، احتفاء بالفلسفة العربية المعاصرة التي كان نصّار سبّاقاً في وضع مرتكزاتها الأولى، بدءاً من أطروحته الجامعية عن ابن خلدون (1967) إلى كتابه الطليعي «نحو مجتمع جديد» (1970) فكتابه «طريق الاستقلال الفلسفي» (1975). هذه الكتب الثلاثة أسّست، مجتمعة، للقول الفلسفي بالعربية، القول الذي حرّر الفكر العربي من قيود الماضي الثقيلة، كما حرّره من التبعية العمياء للفكر الأجنبي، راسماً حدود الفصل والوصل ما بين الفلسفة والأيديولوجية، في إطار فهم جديد للعلاقة الجدلية ما بين الكونية والخصوصية، والعالمية والمحلية، والأممية والقومية.

وتزامناً مع هذه اللحظة النصّارية، صدر كتابان جديدان عن نصّار وفلسفته: الأول، باللغة الألمانية، لمؤلفه مايكل فري، حمل عنوان: «الليبرالية والحسّ السليم، فلسفة ناصيف نصّار السياسية في السياق اللبناني» (2019)، حاول فري الإجابة، فيه، عن سؤالين كبيرين، هما: كيف يمكن لمثقف أجنبي (أوروبي)، مثقل بالإرث الفلسفي، قراءة الفلسفة العربية المعاصرة؟ وماذا يمكن أن تتعلم أوروبا، «المحتكرة» أصلاً للفلسفة، من هذه الفلسفة العربية؟
أما الكتاب الثاني فصدر حديثاً (حزيران/ يونيو 2020) بالعربية، عن «مركز دراسات الوحدة العربية» (في 320 صفحة من الحجم الكبير) لمؤلفه الباحث المغربي المتميّز عبد الواحد أيت الزين ويحمل عنوان: «الإنتاج الفلسفي في الفكر العربي المعاصر في أطروحات ناصيف نصّار». يفهم اللبيب من الإشارة التي يشي بها العنوان، أن أطروحات نصّار تمثّل نموذج الإنتاج الفلسفي المعاصر الذي يعتدّ به المتفلسفة في دنيا العرب، وهو ما دفع الباحث الزين إلى أن يتناول، بالدرس المعمّق، الأطروحات الرئيسَة في هذا الإنتاج، ولا سيّما ما يتعلق منها بالإبداع الفلسفي، مأخوذاً (أي الزين) بأفكار نصّار الجريئة، مؤرخاً بها لحقبة جديدة في الفكر العربي يمكن اختصارها بمعادلة: ما قبل نصّار وما بعد نصّار!
يتألف الكتاب من مقدّمة يحدّد فيها الباحث أربعة اعتبارات حكمت اهتمامه بأعمال ناصيف نصّار: الأول أنّ نصّار، كفيلسوف، ما حظي، في المغرب، بما يستحق من اهتمام أسوة بمجايليه، كالعروي والجابري وأركون، ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن الباحث- مع أنه وصف نصّار بفيلسوف «غير عادي» وأنه بدراسته هذه عنه «يؤدي واجباً فلسفياً تجاهه»- فإنه في قوله بندرة مؤلفات نصّار وقلة الدراسات عنه، لا يعفيه، كباحث، من أن يفتش عنها، فهي موجودة وسيجدها حكماً (وقد وجدها، بالفعل، وأعدّ لنا هذا البحث الجليل). ربما يكون نصّار غير معروف كفاية في المغرب العربي، كما يحاول الباحث أن يُشيع، وهو يبحث عن مؤلفات نصّار غير المتوافرة في دائرته الثقافية، الأمر الذي أشكّ فيه بدليل ما أعرفه وتابعته عن قرب من تكريم كبير حظي به نصّار، في العقدين المنصرمين، في كل من تونس والمغرب الأقصى، تحديداً، والذي يذكر الباحث الزين، نفسه، بعضاً من محطاته. ولو عكسنا الآية وافترضنا أن الزين جاء المشرق، يوماً، باحثاً عن الفلاسفة المغاربة، ممن ذكر، لكان حصد، تماماً، النتيجة نفسها وقال فيهم وعنهم ما قاله في نصّار. إنها جدلية الكونية والخصوصية التي ربطت، هنا، الكونية، في إطلاقيتها، بالمغاربية، في خصوصيتها.
الاعتبار الثاني الذي حدّد اهتمام الباحث بنصّار هو الحاجة إلى دراسة الفلسفة النصّارية في ظلّ ما أسماها «النزاعات السجالية» التي أطلقتها كتابات نصّار الأولى، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حول مسألة الإبداع الفلسفي. فنصّار، في هذه الكتابات التأسيسية، لم يبقَ، كغيره من المتفلسفة، حبيس ما يُسمّيها الباحث «أمية زائفة» تطمئن إلى «أحكام استبدادية قاطعة» لناحية «إثبات» سمة الإبداع الفلسفي العربي أو «نفيها». كما أن نصّار لم يسلّم قطعاً بالأحكام الجائرة التي تبخس المنجز الفلسفي العربي المعاصر حقه في سياق الأكذوبة القائلة بأن الفلسفة منجز غربي، بل دمغة غربية خالصة ومسجلة.


الاعتبار الثالث هو اعتقاد الباحث بأن الإرهاصات الأولى لمشروع نصّار الفلسفي ما فارقت أياً من مؤلفاته، على مدى خمسين عاماً، بل استمرت فيها، فاعلة تتبلور من تأليف إلى آخر، بدءاً من دراسته الطليعية عن ابن خلدون إلى مؤلفه «الذات والحضور» وما بعده، مشيراً فيها إلى وشاجة، بل إلى وثاقة الروابط، بين التأليف الإبداعي من جهة، والتفكير في مشكلات الإنسان والدولة والتاريخ من جهة ثانية، الأمر الذي جعل نصّار «يتهجّس» دائماً بمعاودة النظر في الكثير من الإشكالات الفلسفية من قبيل جدلية الإتباع والإبداع، والفكر والواقع، والنظر والعمل، و..الحياة والمعنى (في كتابه ما قبل الأخير: «النور والمعنى» 2019).
رابع هذه الاعتبارات يتعلق بما يسمّيه الباحث «الترادف» في النصّ النصّاري بين سعي الأخير، أي نصّار، إلى تثبيت الاستقلال الفلسفي، مشروعه الأساس، وأمله في هجرة عالم القرون الوسطى، من جهة، واقتران سعيه هذا بإرادته في توطين «فلسفة الحضور» وإنبات موجّهاتها الكبرى في الفكر العربي، من جهة أخرى. «توطين وإنبات»، فيهما من الالتباسات، يقول الباحث، ما يستدعي تبيان أمرهما من خلال السؤال: بأي معنى نزعم وجود إبداع فلسفي ونحن نتحدّث عن التوطين والإنبات؟.
إلى المقدمة والخاتمة، يتضمن الكتاب قسمين رئيسين وأربعة فصول يشدّ بعضها إلى بعضها الآخر ذلك التكامل البيّن، في مباحثها وحيثياتها الذي يظهر للقارئ من خلال السياق العام للأطروحة الجديدة التي يسوّقها الباحث في كتابه والتي لم يسبقه إليها باحث آخر، الأطروحة التي يختصرها بفلاح التفكير الفلسفي العربي المعاصر، بهمة نصّار وتآليفه الجليلة، في الارتحال من الكتابة «حول...» إلى الكتابة «في...»، أو من «الحديث عن...» إلى «التفكير في...»، أو من طرق باب «التفكير في...» من دون الانحباس في باب «الحديث عن...».
خصّص الباحث القسم الأول من بحثه عن «سؤال الإبداع في الفكر العربي المعاصر» مرتكزاً إلى مساهمات الجابري (سابقاً) وطه عبد الرحمن وفتحي المسكيني (حالياً)... هذه المساهمات التي أنتجت مع الجابري وتنتج مع عبد الرحمن والمسكيني نصوصاً قيّمة تعلن انتماءها إلى الفكر الفلسفي، في حين أن نصوصاً أخرى موازية تعترض على الصفة الفلسفية لهذه النصوص وللنتاج الفكري العربي بعامة. فهذا الفكر- بحسب النصوص الموازية، وطبقاً لاعتبارات حضارية وثقافية تتعلق بـ«الأصيل» و«الدخيل» و«الأنا والآخر» ـــ هو فكر عاجز، يقتات على مائدة الماضي، ومحكوم بما أبدعه «الآخر» في كل علم وكل فن وكل فلسفة. الأمر الذي رفضه الباحث، جملة وتفصيلاً، ووجد فيه افتئاتاً للفكر العربي وتحاملاً قاسياً على المفكرين العرب المعاصرين، ما دفعه إلى التوسع في استقصاءاته البحثية، بما يُشفي غليله إلى نصوص إبداعية فلسفية عربية، ووجد ضالته في الإنتاج الفلسفي لناصيف نصّار، فعرض، في هذا القسم من كتابه، المقدمات النظرية التي لا يمكن إغفالها في كل عمل يطمح إلى بسط المبادئ الأساسية للفكر النصّاري، وخصوصاً ما يتعلق منها بـ«الإبداع الفلسفي» و«الاستقلال الفلسفي»، الموضوع الأثيري لدى نصّار، إذ ربط نصّار، بكلام لا لبس فيه، «الاستقلال» بالتحرّر من «تاريخ» الفلسفة من جهة، والانفلات من قبضة «التصور الأيديولوجي» من جهة ثانية. وإذ يتوقف الباحث، بإعجاب، عند النصّ النصّاري، لفرادته وأسبقيته، وخصوصاً في مسألة الإبداع الفلسفي، فإنه يحثّ الخطى وهو يتفحّص النصّ الجابري في مسألة الإبداع وعلاقتها بـ «الأصالة والمعاصرة»، والنصّ الطهوي (طه عبد الرحمن) لهذه المسألة وعلاقتها بـ «الخصوصية والكونية» وبما يدعوه عبد الرحمن بـ«قومية الفلسفة» وحقّ العرب في «الاختلاف» الفلسفي.
حرّر الفكر العربي من قيود الماضي الثقيلة، كما حرّره من التبعية العمياء للفكر الأجنبي


في القسم الثاني والأخير المعنون بـ «فلسفة الحضور: إشكالات واستدلالات»، يتوقف الباحث الزين عند أهم مشكلات الاستقلال الفلسفي كما تبلور في كتابات نصّار، معتمداً على مقاربة تحليلية لمفاهيم فلسفة نصّار الموسومة بـ«الحضور». هي مناسبة، يختم الباحث هذا القسم من مؤلفه، لاكتشاف فلاح نصّار في صوغ «أرضيته المفاهيمية» لاستخلاص خصوصية القول الفلسفي النصّاري في الفكر الفلسفي المعاصر، لا الفكر الفلسفي العربي فقط، وهي فرصة، أيضاً، اغتنمها الباحث (ويغتنمها المثقفون العرب) لاستبانة حقيقة الفرادة النظرية والأهلية البحثية التي مكّنت نصّار من اعتلاء مسرح الأعلام الفلسفية المعاصرة، واعتلاء رأس الهرم في مسرح الأعلام الفلسفية العربية المعاصرة.
في خاتمة بحثه، يعلن الباحث، باعتزاز (وكأنه أرخميدس يكتشف قانون الجاذبية، صارخاً بأعلى صوته: أورّيكا! أورّيكا! أي: وجدتها! وجدتها!)، أن نصّار دشّن لحظة لافتة في الفكر الفلسفي المعاصر: عربيّه وغربيّه. لحظة عبّرت عن طموح فلسفي فريد يُتيح للمشتغلين بالفكر الفلسفي، في الفضاء العربي، التخلص من «عقدة» النقص تجاه، ما أسماها الباحث بـالأعمال «المهيبة» في الفلسفة المعاصرة. وقد بدأنا فعلاً، نحن الناطقين بالضاد، نتحرّر من هذا الشعور بالنقص منذ اهتدينا إلى كتابي نصّار: «نحو مجتمع جديد» (1970)، و«طريق الاستقلال الفلسفي» (1977) فصدق فينا وفيه نداء: وأذّن في الناس بالفلسفة يأتوك من كلّ فجّ عميق!. ورحنا، مذّاك، نتشاوف على «الآخر» الغربي، غير وجلين أو هيّابين، صائحين بالفم الملآن: لقد استعدنا مكاننا ومكانتنا في نادي الفلسفة، نعم، استعدناه!

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا