I

إذا لم تسنح الظروف لشمران الياسري (أبو كاطع ــــ 1926 ـــ 1981) الذي تمرّ ذكرى رحيله الـ 39، للدراسة النظامية والأكاديمية، فإنّه تمكّن من فكّ رموز الحرف بفضل والدته. في ما بعد، استطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، ولأنه عصامي واعتمد على قراءاته الذاتية، فقد أخذت عوالم عديدة تتكشّف أمامه، وكان كلّما توغّل في القراءة والتهام الكتب ومطالعة الصحف والمجلّات، ازداد خزينه من الصور والحكايات والقصص، تلك التي كان يطعّمها بما يستقيه من حياته، ليقوم بتمليحها وتزيينها بخياله الخصب وبما كسبه من ثقافة ومعرفة، وسرعان ما بدأ حبره يسيل، وخصوصاً بعدما اكتظّ قلمه بالأسرار والأخبار والنوادر.
تدريجاً، أصبحت علاقة ذلك الفتى الفلاحي وثيقة بعالم الحرف، بل إنه كان قد عقد نوعاً من الصداقة المديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه سوى الموت اللعين، لدرجة أصبح مدرسة خاصة في الإعلام والرواية يُشار إليه بالبيان والتميّز والفرادة. كانت البداية العملية لاقتحامه ميدان الإعلام هو برنامجه الإذاعي «احجيه بصراحة يبو كَاطع» (أي قلها بصراحة...)، ومروراً بعموده في جريدة «طريق الشعب»، وصحف أخرى قبلها، وصولاً إلى روايته الرباعية: «الزناد»، «بلابوش دنيا»، «غنم الشيوخ»، و«فلوس حميّد»، التي طبعها على نفقته الخاصة، وباع نسخاً عديدة منها قبل صدورها تحدّياً للسلطة التي رفضت طبعها، لذرائع واهية كما هو معروف، ثم رباعيته الثانية التي لم تكتمل «قضية الحمزة الخلف» التي صدر جزؤها الأول بعد وفاته. بين هذا وذاك، هناك عشرات الأقصوصات والحكايات والخواطر ذات النكهة القصصية أو «الحكواتية» التي كان «خلف الدواح» رَاويته الشهير يصدح بها، وتأتي على لسانه طازجة وشهيّة. وكان قد جمع منها عدداً صدر في كرّاسات أواسط السبعينيات وغالبيتها مقالات في الصحف والمجلات، ثم صودر العدد الأخير منها من المطبعة. ظنّ كثيرون أن «خلف الدوّاح» شخصيته الأثيرة، إنما هو اسم وهمي حتّى نشرت صورته للمرة الأولى في كتابي «على ضفاف السخرية الحزينة» قبل عقدين ونيّف. كما نشرت اسمه الحقيقي والصريح كَعود الفرحان، وهو الذي ظلّ ملازماً لـ «أبوگاطع»، يسير معه مثل ظلّه، وخصوصاً قد أصبح رديفاً له ولقلمه.


II

عاش أبو كَاطع ظروفاً قاسية، فهو الفلاح الذي انتقل إلى المدينة، حيث عمل لاحقاً موظفاً في وزارة الإصلاح الزراعي، وبعدها مقدّماً لبرنامج إذاعي، ثم سجيناً بسبب دعوته للسلم في كردستان، ومختفياً في الريف لبضع سنوات، ثم لاجئاً غير سياسي على حد تعبيره، إثر ملاحقته بتهمة «تجارة الأسلحة»، وإحالته إلى «محكمة الثورة» في حينها. وكان «الحكم» المنتظر حسب تهكّماته «أقلن .. أقلن الإعدام»، أي إن أقل حكم هو بالإعدام (وهو ما عُرفت به المحكمة المذكورة من إصدار أحكام غليظة بصورة اعتباطية).
وإذا كان قد أفلت من «الذئب اللئيم» على حدّ تعبير الشاعر الجواهري الذي ظل يترصّده لسنوات عديدة، فإن هذا الذئب كان له بالمرصاد في المنفى، فتمكّن من اصطياده في 17 آب (أغسطس) عام 1981 في حادث سير غاشم، حين كان ينوي زيارة نجله الأكبر جبران وهو متوجّه من براغ إلى بودابست، وقد نُقل جثمانه إلى بيروت ليُوارى في مقبرة الشهداء الفلسطينيين.


وإذا كان غائب طعمة فرمان بحق هو روائي المدينة بكل خفاياها وخباياها وشوارعها وأزقتها وعاليها وسافلها كما يُقال، فإن أبو كَاطع كان روائي الريف بكل تناقضاته، ناقلاً حديث الدواوين والمضايف والمجالس، ليجعل منه مادة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي. وكان يقوم بتقديم كل ذلك بصورة مجسّمة تلك التي تخصّ حياة الريف الحقيقية بما لها وما عليها، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق المحرّم والحب واللوعة والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، مسلطاً الضوء على الزيف والخداع والاستغلال.
يمكنني القول إن «أبو كَاطع» كان رؤيوياً، أي أنه ينظر بعيداً، حتى إنّ جزءاً من عقله كان يعيش كأنه للمستقبل، وكانت رؤيته واقعية لا تجريدية أو نظرية، لأنها كانت تنطلق من حياة الناس وتعود إليهم، وهي رؤية تمتاز بالصفاء والوضوح، وخصوصاً قد مزجها بقيم تتطلّع إلى الحداثة والجمال والسلام والمساواة والعدل.
وجد أبو كَاطع في أسلوب القص، الحكاية أو الأقصوصة أو الرواية وسيلة يستثمر فيها كل ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف أو ما استحضره من خيال وما كان يحلم به من رؤى، وبقدر ما كانت الرواية قبل أبو كَاطع تنقل عن واقع الريف أو تلامسه، إلّا أن رؤيتها ظلّت مدينية أو أنها تعبّر عن رؤية المدينة. لكن أبو كَاطع تمكّن من نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه، إلى المدينة، لأنه لم يكن طارئاً أو متطفّلاً عليه، بل كان من صلبه، وحاول أن يعكس حياته بما لها وما عليها، في حين كانت كتابات أخرى سبقته تمثّل نظرة المدينة إلى الريف، ولم تكن قادرة على تصوير حياة الريف كما هي، فقد بقيت «برانيّة» ولم تستطع نقل أجوائها «الجوانية».
لم يكن أبو كَاطع متفرّجاً على ما يجري في الريف وحياة القرية في إطار مشهد خارجي، بل كان من الريف وكتب عن البيئة الريفية، مقدّماً لنا إيّاها على قدرٍ من التشويق والتوتّر والانفعال بكل تناقضاتها وتعقيداتها.
III

وإذا كان طه حسين قد قدّم في كتاب «الأيام» الشاب الريفي الآتي من قرية المنيا المتشبّع بالثقافة الأزهرية كنقيض للحضارة الغربية التي تخيفه، وفعل الطيب صالح في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» حين جسّد علاقة الريفي بالمدينة الأوروبية، حيث وضعه بين سيقان فتاة شقراء مضيفاً تناقضاً وازدواجية جديدة على أصوله الفلاحية «ذات المسحة السوداء» وحاضره الإنكليزي، إلّا أن رواية أبو كَاطع في الرباعية حاولت كسر هذا الاحتكار في التحدّث عن الريف من خارجه، بعدما رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة أيضاً، وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه، تارة باستعارة «حكمة» الريف وتراثه، وأخرى بالسخرية منه لسذاجته وأوهامه، من دون أن يسقط في الأحكام المسبقة والإرادوية التي وقع فيها أبناء المدن في روايتهم المدينية عن الريف. وسواء جاءت مباشرة أو تلميحاً، فإن الكثير من الروائيين العراقيين كانوا أبناء مدن مثل محمود أحمد السيد وسليمان فيضي وجعفر الخليلي وذو النون أيوب، وبعدهم عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وفاضل العزاوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي ومحمد خضير وغيرهم.
لقد ظلّ أبو كَاطع وباستثناءات محدودة يعتمد الأسلوب المباشر والخطاب ذا التوجّه الأيديولوجي الصارخ في التعبير، مثلما فعل في برنامجه أو في عموده الصحافي أو في رباعيته، لكنه بدأ وإنْ كان ببطء وبالتدرّج إلى الترميز والدلالة، وهو أسلوب حاول أن يعتمده في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بنضج تجربته واكتمال أدواته الفنية وإن ظلّ صوت الايديولوجيا قوياً في داخله. وبالطبع فإن ذلك يضعف العمل الفني، لكن تلك النبرة الايديولوجية الصارخة خفّت كثيراً في رواية «قضية الحمزة الخلف» التي صدرت بعد وفاته في بيروت عن «دار الفارابي»، وفي بعض الأقصوصات مثل «موت الكلبة مرزوقة» و«حكاية الضبع الأكبر» التي نشرتها للمرة الأولى، وقد يكون قد تأثّر بها بجورج أورويل وروايته «مزرعة الحيوان».
IV

لقد استخدم أبو گاطع اللهجة الشعبية أو المحكيّة بأسلوب باذخ كما فعل الشاعر مظفر النواب في قصيدته الشعبية، من دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربية أو للفصحى، لأنه كان يريد إحداث التأثير المطلوب في وعي المتلقّي، ناهيك بما تحمله من دلالات أحياناً، ليس بإمكان اللّغة الفصحى التعبير عنها. وأصبحت استخداماته «مقبولة» في تضمين بعض النصوص بالعامية العراقية، وإن استمرت الاعتراضات الشديدة بشأنها.
وكان مبرّره أنه يجدها أحياناً أكثر تعبيراً عمّا يريد أن يقوله، وإنْ حاول المحافظة على اللغة العربية وجمالها وتنوّع مفرداتها، لكنه في الوقت نفسه كان يلجأ إلى العامية لتطعيمها ويجد في ذلك وسيلة مناسبة لمخاطبة جمهور أوسع. وحاول في حكاية «يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا» استخدام اللهجة السورية التي كان يتمازح بها مع صديقه السوري عصام، وظلّت كلمات مثل «تقبرني» أو «العَمَه» أو «لكان» لازمات يردّدها بمتعة شديدة، لأنه يعتقد أن ذلك يملّح نصه ويعطيه مقبولية أكثر.
لقد ظلّ أبو كَاطع في المضمون أو الشكل عراقياً صميمياً ومحلياً إلى أبعد الحدود، ومن هنا نستطيع أن ندرك ماذا يعني الأفق اللغوي، وخصوصاً حين يسعى المبدع لتخطّي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة، وهو ما طبع روايات غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحمد خضير وفاضل العزاوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وآخرين الذين وإن كانت روايتهم محلية، لكنها في الوقت نفسه عربية بأفق عالمي.
V

أفلح أبو كَاطع إلى حدود كبيرة جداً في استخدام السخرية، بل إنه من القلائل الذين امتازوا باختيار هذا الأسلوب. وحسب كارل ماركس، فالموقف من السخرية يعني اتخاذ موقف جاد من الحياة، وهي سلاح ثقيل الوزن وشديد الفعّالية، لا يخشاه الحكام والمستبدون بشكل خاص فحسب، بل البيروقراطيون أيضاً من الحزبيين المسلكيين والإداريين، الذين اعتادوا على نظام الطاعة وقبول الأوامر. والسخرية أقرب إلى مدفعية بعيدة المدى، ولا سيّما إذا أُحسن استخدامها، فإن مفعولها كبير جداً، وقد استخدمها أبو كَاطع بأسلوب راق ومبرّر، مصحوبة بحِكَمٍ وأشعار وأمثال شعبية.
استخدم اللهجة الشعبية أو المحكيّة بأسلوب باذخ كما فعل الشاعر مظفر النواب في قصيدته الشعبية


وأتذكّر أنني بعد اغتيال ناجي العلي العام 1987، كتبت عموداً في «صحيفة المنبر» قارنت فيه عمود أبو كَاطع برسومات ناجي العلي، وحنظلة بخلف الدوّاح وقلت فيه: كان عمود أبو كَاطع يعطي ما يكفي من الفرح والسخرية، وكان قلمه وشخصيته المملّحة خلف الدوّاح مثل ريشة ناجي العلي وشخصيته الأثيرة حنظلة، تلك الريشة التي كانت تمتلك ذلك السحر الآخّاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحريّة والتجديد.
وعندما تقول حنظلة فإنك تعني خلف الدوّاح، وعندما تستذكر أبو كَاطع فأنت تحيي ذكرى ناجي العلي أيضاً الذي استشهد في لندن، ولا يمكن تصوّر حنظلة من دون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح من دون الحديث عن الريف العراقي والعراق كلّه.
هي السخرية في الحالتين: وجوه ومؤخرات، زهور وتوابيت، حمامات وبنادق، ظالمون ومظلومون، أبطال وأدعياء، حقيقيون ومزيفون... هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته: إنها السخرية المشتركة والهوّية المشتركة للمضطهدين والمنفيين وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات، مثلما هي الهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين.
إن ظاهرة أبو گاطع أصيلة، لأنها ظاهرة إبداعية، فلم يقلّد أحداً ممن سبقوه، بل إنّ ميدانه كان بكراً، كما أنّ من حاول تقليده فشل، ونتذكّر ظاهرة طالب الفراتي (أبو سباهي) وعلي الأطرش (كَعود) باستخدام اللهجة الشعبية، لكنها لم تستطع التعويض عن ظاهرة أبو كَاطع وكارزميته وحكاياته المؤثّرة وبرنامجه الأثير، وظلّت صيغة مستعارة ومستنسخة.
لقد كان أبو گاطع مدرسة حقيقية في فن النقد والتحريض والتعبئة فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع، وخصوصاً باستخدام السخرية والدعابة والضحك، ولا أدري إلى أي حدٍّ يمكن أن نستذكر معه الروائي تشارلز ديكنز صاحب رواية «قصة مدينتين»، فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانباً مهماً من حياة الفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.
فلنستعدّ للاحتفال بما يليق بذكرى رحيل الروائي والصحافي أبو كَاطع ولتكن الذكرى الأربعون (2021) مناسبة جديدة لتكريم أبو كَاطع على مستوى العراق ولنعدّ ما نستطيع لتلك المناسبة العطرة.

* كاتب وناقد عراقي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا