٣١ آب ٢٠٢٠، مساءً: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور فيروز في بيتها، مستهلاً زيارته إلى «لبنان الكبير» في مناسبة الذكرى المئويّة الأولى لإعلانه (١ أيلول ١٩٢٠). منذ أيّام والحدثُ حديثُ البلد الغارق في أزماته. فيروز تحتلّ شاشات التلفزة. حفلات مُستعادة، وخصوصاً حفلتَي الأولمبيا (١٩٧٩) وبيرسي (١٩٨٨) الباريسيَّتَين. الإعلام اللبناني يواكب وصول موكب ماكرون إلى الرابية حيث بيتُ فيروز وحيث انتظرته مجموعة من الناس بلافتات الاستنكار وهتافات الحرية. الجيش حاضرٌ أيضاً، مشكّلاً درعاً فاصلة بين «المتظاهرين» والزوّار الفرنسيّين. لا يمكن ألّا نتوقّف عند رمزيّة تاريخ ٣١ آب ٢٠٢٠: إنّه اليوم الأخير في المئة سنة الأولى من تاريخ الكيان اللبنانيّ بحدوده الحاليّة. لكنّ لهذا التاريخ دلالة أخرى.

٣١ آب ١٩٥٧، مساءً: فيروز تطلّ للمرّة الأولى على بعلبك. الحدث ثمرةُ مسعى من زلفا شمعون، السيّدة الأولى آنذاك، لإدخال عنصر وطني على مهرجانات مدينة الشمس التي توجَّهَتْ في بداياتها وجهةَ الفنّ الغربيّ حصراً، وتحديداً الموسيقى الكلاسيكيّة. فوقع الاختيار على الأخوين رحباني وفيروز للقيام بهذه المهمّة. «موسم الحصاد» هو عنوان العمل الذي أعدّه الأخوان، بينما وقّعت فيروز عقداً مع المهرجان مقابل ليرة لبنانيّة واحدة! وللمرّة الأولى فيروز أمام أعمدة معبد جوبيتير الستّة. للمرّة الأولى تشبك صوتها بصوت نصري شمس الدين. غناء الفرقة يوقّع الرقصَ الشعبيّ. إنّها أيضاً أولى «الليالي اللبنانيّة» التي ستصبح موعداً ثابتاً في صيف بعلبك. فيروز، عصفورةُ الشمس وجارة القمر، تُطلق صوتها في المدى.

فيروز في بعلبك أواخر الخمسينيات (Manoug)

على حدّ عِلْمنا، لم يتوقّف مقالٌ من المقالات الكثيرة التي تناولت زيارة ماكرون في الصحافة اللبنانية والفرنسية عند هذه المناسبة أو بالأحرى عند تطابُق التاريخَين. فـ«لبنان الكبير» تشغله في هذه الأيّام همومٌ أخرى وفرنسا لن تهتمّ إلا بما يعنيها. في الحقيقة، لقد نبّهَتْنا إلى هذه الذكرى الإذاعةُ البافاريّة المتخصّصة في الموسيقى الكلاسيكيّة، الـBR Klassik (وهي من أهمّ «المؤسّسات» الألمانيّة والأوروبيّة في هذا المجال). فهذه الإذاعة تبثّ برنامجاً يوميّاً (عند الثامنة والنصف صباحاً بتوقيت برلين) عنوانه «ماذا حَصَل في مثل هذا اليوم». وكما يدلّ العنوان، البرنامج مخصّص لاستذكار حَدَثٍ طَبَعَ تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة وحصل «في مثل هذا اليوم». أمّا حلقة ٣١ آب ٢٠٢٠ فقد حملت العنوان التالي: «٣١ آب ١٩٥٧: فيروز في بعلبك». معدّها تورستن برويْس ومدّتها ٣ دقائق و٤ ثوانٍ.حتّى لو كانت هذه التحيّة من الإذاعة البافاريّة، في رأينا، مستحقّةً وطبيعيّة، فإنّها غير متوقّعة، ولذلك كان فَرَحُنا بها فرحاً مضاعفاً. ليس فقط لأنّ البرنامج قلّما يتناول حَدَثاً من خارج تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة، فكيف إذا كان هذا الحدث قد حصل في هذه المنطقة من العالم شرقيّ المتوسّط. وليس فقط لأنّ الذكرى توازت مع زيارة ماكرون لفيروز. بل أيضاً لجمال الحلقة وشاعريّة نصّها وللبحث المعمّق الذي قام به مُعدّها. هذا الأخير يبدو أنّه يستند في معلوماته إلى مصادر حضرت الحفلة البعلبكية. هذه بعض المقتطفات: «بدأت السهرة بدايةً عاديّة: الأوركسترا تعزف. الراقصون يحاكون عرساً شرقيّ الطابع. ثمّ تعتلي المسرح صبيّة يافعة وتبدأ بالغناء، بصوتها العذب النقيّ، صوتها الذي لا يمكن للمرء أن ينساه». «لحظةَ ظهرتْ فيروز عند أعمدة معبد جوبيتير، مُزدهيةً باللون الأزرق ومحاطةً بالأضواء، بدتْ كمريم العذراء على غيمة. صوتُها الطري تردَّدَ في أرجاء المعبد ووصل حتّى سهل بعلبك». الخلفيّة الموسيقيّة التي ترافق قراءة النص: أغنيتا «لا تسألوني» و«البنت الشلبيّة» (بتوزيع زياد الرحباني من ألبوم «إيه في أمل»).
تروي لنا الحلقة أيضاً أنّ «رئيس الدولة كميل شمعون حذّر الموسيقيّين على الطريقة التالية: غداً بعد الحفلة سأعلّق في أعناقكم قلادةً إذا أَبْليتم حسناً أو حَبْلاً إذا خيّبتم الآمال». لعلّ هذه نسخة معدّلة من الحكاية التي يرويها منصور الرحباني في مذكّراته (نشرها هنري زغيب): «وبعد أيّام، استُدعينا إلى القصر الجمهوري في القنطاري واجتمعنا برئيس الجمهوريّة كميل شمعون الذي بادرنا بقوله: «وافقنا على حفلتكم. نفّذوها، ونحن نُنَيشنكم أو ننيشنكم». الأولى: أي نعلّق لكم نيشاناً، أي وساماً، والأخيرة: أي نعدمكم.
لم يخيّب الأخوان رحباني وفيروز الآمال في تلك الليلة. بل أبدعوا إبداعاً طارت به سماء بعلبك وانطبع في ذاكرة الحاضرين. وقد عُلّقت النياشين على الصدور بالفعل. فلنستمع إلى رواية الأثير البافاريّ: «إنّها لحظةٌ سحريّة بالنسبة إلى جميع الحاضرين الذين سيظلّون تحت تأثيرها حتّى بعد مرور عقود من الزمن. أمّا بالنسبة إلى الصبيّة فيروز، فإنّها بداية مسيرة عالميّة».

* يمكن الاستماع إلى الحلقة على الرابط التالي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا