قدم في أفلامه محاضرات عن الحب. بحثَ عن الواقعية وحلّل السلوك البشري بأساس فلسفي وديني. أفلامه حميمية، نضرة وأنيقة، تبرز فيها البساطة السردية والتقنية. أتاح إريك رومير (21 آذار/ مارس 1920 – 11كانون الثاني/ يناير 2010) للمشاهدين التأمّل مع الشخصيات، خلال التطوّر الطبيعي للقصة التي كانت دائماً عن العلاقات الشخصية والحب. حميمية أفلامه تنعكس على علاقته بجمهوره. هو لا يحبّذ التوزيع التجاري الكبير، ولا الممثلين الكبار. أفلامه عرضت في المهرجانات الكبيرة، ولكنه يفضل عروض الأماكن الصغيرة. ظلّ وفياً لجمهوره... وفاء سهّل الإلهام وأنشأ علاقة أكثر كثافة معه. على الرغم من ارتباطه بالمجموعة التي جدّدت السينما الفرنسية، إلّا أنه ابتكر مساراً شخصياً تماماً.

من خلال «فترات الحبّ المتقطعة» (تعبير لمارسيل بروست)، يقدّم رومير أسئلة عميقة، لا سيما تلك المتعلقة بالأخلاق. يكفي أن نشاهد أفلامه بعيون وآذان حرة للتخلص من الانطباع الأول عن سطحية قصصه، ونغمر أنفسنا في التناقضات العميقة للروح البشرية. تناقضات تظهر بطريقة معينة من خلال فترات الحب، وعملية الوقوع في الغرام والرغبة. شخصياته تقع في الحب بسبب الحماس، وأيضاً بسبب الملل والإرهاق والفضول والرغبة في الإغواء. يريدون أن يحبوا من دون قيد أو شرط، يريدون أن يكونوا أحراراً في الحب ومعتمدين عليه ومستقلّين عنه. شخصياته مرتجلة (في أفلامه هناك الكثير من الارتجال)، عفوية ومرحة. شخوص يتخيلون مشاعرهم، يتحدثون عنها بأريحية، ويفهمونها من خلال المحادثات.


إن كان هناك من مخرج يضع الكلمة في الصدارة، يعظّمها ويدللها، فهو إريك رومير. الحوار هو العامود الفقري لأفلامه. التخاطب سمة جميلة في أفلامه. شخصيات تتبادل أطراف الحديث تارة، وتكلّم نفسها طوراً. السيناريو المحبوك بدقّة، ينفذ من سطحية الشخصيات إلى العمق، إلى الحياة والإنسان والفن إلى الحبّ والإغواء. بين طيّات الحوار الجريء، أحكام واضحة المعالم، نقد لاذع للعلاقات بين الجنسين وتفنيد للمتاهات الجنسية بين الطرفين.
في «ليلتي عند مود» (1969)، لم يكن جان لوي (جان لوي ترينتينيان) يدري أنه سيلتقي بشقراء في قداس، ويخال أنّها امرأة حياته، ويَعد نفسه بالزواج منها. وخلال عشاء، يتعرف إلى مود المغرية (فرنسواز فابيان) ويناقش معها الولاء والخيانة والحب والدين والفلسفة ويقضي معها الليل. بداية روميرية نموذجية. دائماً ما تزداد التشابكات تعقيداً في أفلامه، كلما ازداد وضوح رأي العشاق بأنّهم اتخذوا قرارات سليمة. في «ركبة كلير» (1970)، اتخذ جيروم (جان كلود بريالي) قرارات مهمة: «لم أعد أبحث عن النساء، لا ألتفت إليهن لأنني سأتزوج قريباً». ولكن ركبة امرأة شابة، ستضلّل جيروم وتحرفه عن قراره.
في فيلم La Collectionneuse الصادر عام 1967، يقرّر ادريان (باتريك بوشو) السفر في إجازة صغيرة إلى سواحل المتوسط، يتشارك البيت مع صديقة دانيال. هو يريد الاسترخاء والقراءة فقط. يفاجأ عند وصوله بهايدي (هايدي بوليتوف) اللعوب الجميلة في المنزل.. مع انقضاء أيام العطلة، تصبح هايدي هاجس أدريان. هو يظنّ أنها تحاول إغراءه، يتملّق لها. نسي الرجل المثقف كتبه وبات شغوفاً بزميلته في السكن، وهي ليست بأي امرأة. هي عاشقة العلاقات، وهو مفكر يعود إليه رشده الأخلاقي مع كل وسوسة.
السيناريو المحبوك بدقّة، ينفذ من سطحية الشخصيات إلى العمق، إلى الحياة والإنسان والفن والإغواء


دائماً ما تكون شخصياته في إجازة، في الصيف على الشاطئ، أو بحيرة، في المنازل الريفية، وقت التحرر من العمل ووتيرة الحياة اليومية. أو على الأقل لديها وقت كاف كي تتمكن من التحدث بشكل مكثف عن نفسها وعلاقاتها. تميل شخصياته إلى التفلسف حول الحب وغياب الحبّ. تكتسب أفلامه العمق في وقت الفراغ والراحة. يستوعب الشاطئ الأجواء والقصص الصغيرة والمشاعر الكبيرة. ينقل رومير شخصياته إلى العطلة، بدون موسيقى ولا خلفيات ولا تفسير. ليس هناك الكثير من المعلومات أو السير الذاتية بل لحظات وجودية وعاطفية، مونولوجات داخلية، وكثير من الاكتشاف الفكري والتعاطف الذاتي الذي يخفي الغريزة اللاذعة للجنس.
يميز رومير دائماً بين فن السينما والأدب. وفقاً له، لا ينبغي للسينما الدخول في منافسة مع الأدب لأنها تجد مادتها من العالم الخارجي، عالم الأجسام، والأشياء التي تتحرك غبر الفضاء. لذلك لا يمكن تصوير فيلم يصوّر الحب والمشاعر إلا إذا اعتبرها أشياء هو نفسه. أي الإيماءات وتعابير الوجه. المشاعر التي تتم ملاحظتها تملي الفيلم، الحركات الجسدية في كل لحظة تبرع في رسم المشاعر عندما تنشأ علاقة دائمة مع الأشياء. تعتبر أفلام رومير «قطعة من الحياة». المحادثات الطويلة استلهمها من المقابلات التي أجراها كصحافي وناقد في مجلة «دفاتر السينما». خلال نسخ التسجيلات، أدرك كيف يتحدث الناس، وهي طريقة تختلف تماماً عن الكتب. في أفلامه لغة منطوقة لا مكتوبة. رومير باحث في مجال الحبّ، يراقب شخصياته التي تدور حول المكان والإنسان وحول نفسها. تظهر سينما رومير أن الحب ولغته هي التي تجعلنا نشعر بالكائنات، وببساطة شديدة بالبشر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا