تونس | عن الحياة وجمالها المتمثل في النساء، تقول كلمات أغنية تونسية للفنان محمد الجموسي «النساء النساء، الله يعيش النساء». الاحتفاء بالنساء في تونس، يتجاوز الأغنيات نحو التاريخ والتشريعات ومراكز البحوث على غرار «مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة» الذي أطفأ شمعته الثلاثين قبل أيام تحت شعار «30 سنة لتحيا حقوق النساء».

لم تقتصر التظاهرة على البعد الاحتفالي، إنما ذهبت نحو إحياء تراث تاريخي أدبي هو كتاب «شهيرات التونسيات» للمؤرخ حسن حسني عبد الوهاب. وازداد الاحتفال رونقاً مع وصلات موسيقية أمّنها عازف البيانو مهدي الطرابلسي.
انطلقت الاحتفالية الثلاثينية بمسيرة المركز بسلسلة من التكريمات لنساء شغلن منصب إدارة المركز منذ انطلاقه حتى اليوم. ترافق ذلك مع عرض فيلم وثائقي عن فكرة إعادة نشر كتاب المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب بعنوان «قصة كتاب من الحلم إلى الإنجاز»، وإضافة لوحات فنية تزدان صفحاته بها.
أما مسك الختام، فكان عرضاً راقصاً مصاحباً لعرض ضوئي حمل اسم «منارات تونسيات» ضمّ مجموعة من اللوحات الفنية واستعراضاً لسير عدد من الشخصيات النسوية الخالدة في تاريخ تونس بدءاً من عليسة بانية قرطاج وصولاً إلى المدونة المعارضة لينا بن مهني.

ثلاثون سنة من النضال
لا يخفى على أحد، بخاصة العالم العربي، أنّ مكانة المرأة في تونس تعزّزت بترسانة من القوانين التي أرساها باني دولة الاستقلال ومشيد أعمدتها الرئيس الحبيب بورقيبة. قبله، كان انبلاج الأفكار التنويرية من خلال كتاب المفكر السابق لعصره الطاهر الحداد (1899 ــ 1935) «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» (1930). صدر الكتاب في زمن كانت فيه المرأة مقموعة ومجردة من الحرية بتجلياتها كافة، وكانت محاولات الانعتاق قليلة تقتصر على الطبقة المتعلمة على غرار توحيدة بالشيخ، أول طبيبة تونسية زمن الاستعمار.
ثم كانت تونس بعد 1956 سنة استقلالها، أول دولة عربية تقر مجلة للأحوال الشخصية (قانون الأحوال الشخصية) تعنى بحقوق المرأة والأسرة، ثم كان إلغاء تعدد الزوجات وارساء التعليم الإجباري للذكور والإناث على حد سواء، وتمكين التونسية من الانتخاب ودخول معترك الحياة الاجتماعية والسياسية في إطار تكريس المساواة التامة والفعلية بينها وبين الرجل.
جاء تـأسيس «الكريديف» (مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة) استكمالاً لهذا المسار وتعزيزاً له، علماً بأنّ هذا المركز ينضوي تحت إشراف وزارة المرأة. ويعتبر «الكريديف» أحد أهم المؤسسات الساهرة على تحسين وضع النساء على تنوع وظائفهن، كما تعنى بتكريمهن كرصد جائزة الإبداع الأدبي «زبيدة بشير»، فضلاً عن حملات التوعية ورصد حالات العنف وإنجاز دراسات في هذا الصدد، والسعي إلى إيجاد حلول والضغط لإرساء التشريعات التي تجرم وتدين العنف المسلط على النساء.
عن الاحتفالية بثلاثينية المركز التي جاءت قبل الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة التونسية (يوم 13 آب/ أغسطس)، تقول مديرته نجلاء العلاني إنّ هذا الاحتفال «يعد مناسبة لتثمين جهود المديرات السابقات في تحسين وتطوير عمل المركز منذ تأسيسه وعبره لكل العاملات»، مشددة على ضرورة تعزيز الصلة بينهن للنهوض أكثر بهذه المؤسسة العريقة والإفادة من خبراتهن في مجال إدارة المركز والبرامج التي تهمّ المرأة وتحسين خدماته لصالح النساء في مختلف المواقع والجهات.
انطلق الاحتفال بتكريم مديرات «الكريديف» السابقات حيث تم إنجاز كتيب يحمل ملخصات عن سيرهن، وكانت لكل منهنّ مداخلة عرضن خلالها تجاربهن في إدارة المركز ومعايشتهن لمشاكل النساء، وتوقفن عند دور الإرادة السياسية البورقيبية في ما وصلت إليه التونسية اليوم من حقوق وحريات. تميزت الاحتفالية بالمزاوجة بين التأريخ والأدب والموسيقى والرقص الذي عبّر عن الانعتاق وهاجس الحرية، رافقته في ذلك أغنية الفنانة آمال المثلوثي «أنا حرة وكلمتي حرة» وماتحمله من رمزية الثورة، فضلاً عن اللوحات التشكيلية التي ازدان بها رواق المركز. منذ ثلاثين سنة، دأب «الكريديف» إلى جانب منظمات وجمعيات المجتمع المدني المدافعة عن حرية المرأة على تثمين مكانتها ودورها الريادي في بناء المجتمع والسعي لتدعيم مكتسباتها وتكريمها على نضالاتها المستمرة التي أسهمت في بناء دولة حديثة قوامها الحرية والمساواة.

بين الأدب والتأريخ
يندرج إحياء كتاب «شهيرات التونسيات» واختيار إعادة إصداره في إطار إبراز أهميته، فقد مثل ثورة إبان صدوره. في هذا العمل، حاول المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب التأليف والجمع والتوثيق لما وقع بين يديه من مخطوطات ليستثمرها في نحت الهوية التونسية وذاكرتها الثقافية. وفي سبيل هذا الهدف، سخّر هذا المؤرخ كتاباته لإبراز مكونات الهوية الوطنية التونسية وخصوصيتها، وكيف كانت المرأة عنصراً أساسياً في حياكتها. وكانت للنساء إسهامات حضارية نذكر منهن أروى القيروانية التي ألزمت أبا جعفر المنصور بأول عقد يمنع تعدد الزوجات، ويروي عنها حسن حسني عبد الوهاب فيقول: «لما كبر أبو جعفر المنصور وترعرع، اقتفى خطى أخويه الكبيرين إبراهيم، المعروف بالإمام، وأبي العبّاس الذي اشتهر فيما بعد بالسّفاح، فجرى مجراهما في دعوى استحقاق الخلافة. فأذكت الدّولة الأموية العيون عليه، وأوعزت إلى العمال والأعوان أن يتبعوه وأن يتعرفوا ما يكون منه وأن يقبضوا عليه إذا لزم الأمر، فكان هو وأهل بيته يختفون ما استطاعوا.

سخّر حسن حسني عبد الوهاب كتاباته لإبراز مكونات الهوية الوطنية، ودور المرأة الأساسي في حياكتها

وفي أوائل العقد الثالث من القرن الثاني للهجرة، قصد أبو جعفر المنصور إفريقية لما بينه وبينها من رحم وأشجّة التماس النجاة من طلب بني أميّة له وحل ضيفاً عزيزاً على منصور بن يزيد الحميري أحد كبار التجار بمدينة القيروان، وكان للحميري ابنة فائقة الذكاء والجمال تُدعى أروى، وهي الفتاة التي انبهر أبو جعفر بجمالها وطلب يدها من أبيها ليتزوجها، وافقت أروى على طلب الزواج، ولكنها وضعت شرطاً كان له أثر بعيد للغاية؛ شرطها كان ألا يتزوج عليها أبو جعفر المنصور أبداً، وألا يتخذ الجواري معها، وإلا فيمكنها في هذه الحالة أن يكون طلاقها بيدها على عادة أهل القيروان. أما الكاهنة فكانت زعيمة لثورة برابرة المغرب الأوسط وإفريقية، شكلت مملكتها جزءاً من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا حالياً، قتلها حسان بن النعمان سنة 80 هـ تقريباً في معركة «بئر الكاهنة» في منطقة الأوراس شرق الجزائر، وهي هاربة من تونس بعد خمس سنوات من قيادة ثورة مسلحة ضده».
اعتمد عبد الوهاب في ذكر هذه الأخبار وهذه الأحداث التاريخية المتعلقة بالنساء على مراجع تاريخية ذكر منها كتاب «المحاسن والأضداد» للجاحظ وأيضاً كتاب «مروج الذهب» للمسعودي.
قائمة شهيرات التونسيات لن تكتمل لأن النساء في تونس هن وقود الحياة والدافعات نحو الحرية والتغيير وبناء دولة الحقوق ومنهن نقيبة الصحافيين السابقة نجيبة الحمروني، والمناضلة الحقوقية راضية النصراوي، والمناضلة مية الجريبي، والمدونة المناضلة لينا بن مهني وغيرهن ممن وقفن في وجه الاستبداد وقلن كلمتهن يوم كان الصمت يخيّم على البلاد.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا