تندرج رواية «طائر الليل البذيء» («دار المدى» ـــــ 2017) للروائي التشيلي خوسيه دونوسو (1924 ـــــ 1996) ضمن ما يسمى بالواقعية السحرية. لذا، فالداخل إلى عوالمها ليس كالخارج منها، إن نحن افترضنا أنه خرج بقدر كبير من الفهم، فشخصياته ذكية ماكرة تجيد المراوغة، هذا إن لم تقضِ عليك في أول منعطف سردي يتغير فيه الرواة، والضمائر، والأزمنة، ولا تفهم كيف ستبدأ مجدداً وهل يمكن أن تفهم الرواية! خطر في بالي أن أسميها رواية عنكبوتية السرد، إذ أنه أثناء القراءة، يجب أن تستحضر، مع الذهن الصافي والتركيز الكبير، كل ملكات القراءة لتنشطك، وتجعلك في سباق مع الرواة الذين يتغيرون في اللحظة التي اعتقدت فيها أنك فهمتها. إنّها عبارة عن متاهة تعلمك كيف تقرأ و تحفز الخيال الذي يراه العلماء أهم من الذكاء بحدّ ذاته.



إن استطعت الإلمام بها، ستخطو الخطوة الثانية وهي فهم النص والمراد منه أي الرواية، فخوسيه دونوسو عرّى هنا مجتمع التشيلي الذي يحتفي بالخرافة، والجهل المقدس من خلال الراهبات الطاعنات في السن وفتيات الميتم بغية إبراز هشاشته وقلة حيلته. لم يفته أيضاً مزج الواقع بالخرافة، فكل ما ورد في هذا العمل له رمزيته القوية التي لم يضعها دونوسو عبثاً، إنما أراد أن يوصل رسالة ما، كطائر الجونجون الخرافي الشبيه بالبوم لكنه برأس آدمي بحسب التراث الشعبي التشيلي الذي كان ظهوره يُنذر بالشر والشؤم والمرض على حد شرح المترجم.
من خلال «الدون خيرونيمو» الذي كان من الأوليغارشية (تعني حكم الأقلية التي تملك المال والسلطة عن طريق التوارث لا الأحقية)، نتابع حكاية ابنه الذي ولد مسخاً: «كان شكلاً من الموت لكنه مختلف عن الموت»، فالأطباء أخبروه بأن ابنه لن يعيش طويلاً. لم يتقبل الدون خيرونيمو ذلك، فأتاحت له سلطة المال أن يحضر كل المسوخ على اختلافهم كي يصنع لابنه مجتمعاً يشبهه. «فالقبح شيء والمساخة شيء آخر مختلف تماماً، تكاد توازي في أثرها الجمال، معكوساً. ستكون المساخة هي الشيء الوحيد الذي سيطرحه الدون خيرونيمو على ولده منذ ولادته». كما أنه جلب قريبته، فهي الأخرى مسخ، كي تهتم بشأن مجتمع المسوخ الذي صنعه. لغرابة مسوخه وتفاوت درجة المساخة عنده، غدا هذا المجتمع نموذجاً مثالياً لابنه من منظوره. قرر ابنه اكتشاف العالم خارج أسوار مجتمع المسوخ، ومن هنا تبدأ الصدمة حين يلمح فوضى ملامحه في أعين الآخرين. لحظتها، أدرك أن والده صنع له صورة مختلفة، أراد أن يحذف من مخيلته كل ما رآه بشتى الطرق.
أراد الدون خيرونيمو أن يدمج المجتمع الطبيعي بمجتمع المسوخ، غير أن ابنه كان أول الرافضين لذلك، لأن فكرة المجتمع المتخيل الذي يوهمه أنه طبيعي كانت تريحه جداً. كما أن المسوخ قرروا الوقوف بجنب الابن لأنهم اعتادوا على هذا المجتمع الذي أصبح يشكل حقيقتهم الطبيعية. وهذا تماماً ما نشهد تداعياته الآن في بعض المجتمعات التي أصبح مسوخها يقودون العقلاء. بلدان نهشتها الطائفية من الداخل بسبب حكامها الذين أرادوا إحداث القطيعة بين أبناء الشعب الواحد. من خلال خادم الدون خيرونيمو المطيع الذي كان شخصاً سليماً، ولكنه بالمقارنة بذلك المجتمع، غير طبيعي كأنه المسخ الوحيد بينهم على حدّ اعتقادهم، أراد دونوسو أن يشرح كيف تدار المجتمعات سواء عندهم أو عندنا.
«من خلال طائر الليل»، صوّر خوسيه دونوسو لنا الفوضى التي تغرق فيها هذه المجتمعات التي تسيّرها الخرافة. مجتمعات تؤمن بالدجل والخرافة وكلام المشعوذين ومدى تأثيره على المستقبل. مجتمعات ضربت العقل بعرض الحائط، تؤمن بأن أكل الموز وشرب الجعة، يمكن أن يؤديا إلى ما لا يحمد عقباه.
هكذا استطاع دونوسو ببراعة وبتفاصيل بالغة الدقة أن يفكك لقارئه المجتمع التشيلي من الداخل ويشخّصه بعيون الطبيب العارف بموضع الداء. من خلال فكرة الخرافة والمسوخ، أراد أن يقول أن الإنسان الذي ما زال يصدق الخرافة على أعمال العقل والعلم، سينشأ بتشوهات ولوثات خلقية وأخلاقية لن ينفع معها شيء، بخاصة إذا كانت موغلة في القدم. ناقش المؤلف أيضاً تداعيات العالم الحديث وتأثير السلطة الدينية والسياسية على الشعوب، خاصة الفقيرة التي لا يمكنها مجابهة هذا العالم المشوه.
تدعو الرواية إلى استخدام العقل والعلم الذي يصنع شعوباً متحضرة يمكنها أن تنهض وتثبت وجودها. لعل ما يشهده العالم جراء جائحة كوورونا التي أوقفت كل شيء، خير دليل على جشع الإنسان الذي أصبح مشوهاً من الداخل. وحدهم العلماء الآن في سباق مع الزمن لصنع معجزة تغير قدر البشرية. كما أنه تحدث عن أن الشعوب التي تربت على التفكك ستنشأ مبتورة القوام، مهمشة، لا صوت لها في ظل نظام بشع قضى على الأخضر واليابس. لكل فكرة في هذه الرواية رمزيتها الخاصة ولكل رمزية رسالتها إلى الشعوب، وهذا حال الأدب الجيد على مر العصور.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا