القاهرة | دخل فيلم «صاحب المقام» للمخرج محمد جمال العدل التاريخ باعتباره أول فيلم مصري يُعرض على المنصات الفضائية مباشرة من دون أن يمر بدور العرض السينمائي أولاً. الفيلم (متوافر على منصة «شاهد» ويوتيوب) الذي يلعب بطولته آسر ياسين، أمينة خليل، بيومي فؤاد ويسرا إلى جانب عدد من ضيوف الشرف عن سيناريو لابراهيم عيسى، أثار الجدل بسبب موضوعه الذي يدور حول رجل أعمال يمر بأزمة روحية ( أو نفسية) بعد قيامه بهدم ضريح لأحد الأولياء، ويحاول التكفير عن ذنبه بأخذ الرسائل التي يتركها المؤمنون في مسجد الإمام الشافعي ويحاول حل مشاكلهم.

من الناحية الفنية، يشبه «صاحب المقام» المسلسلات والأفلام التلفزيونية التي تركز على الحكاية وتسخَّر كل عناصرها للتأكيد على المعنى المباشر للعمل، فالشخصيات واضحة جداً، والحوار والتصوير والموسيقى وحتى لافتات الشوارع تؤكد قصة تحول البطل من الشك إلى الإيمان ومن الاهتمام بالماديات إلى الروحانيات. وهذه الرحلة «الروحية» التي يقطعها البطل، عبارة عن أحداث و«مشاوير» حزينة حيناً، وكوميدية حيناً، ومليئة بالأكشن حيناً، لكنها تنتهي بمعجزة قضاء حوائج المحتاجين دائماً.
المحرك الرئيس للأحداث هو قرار رجل الأعمال يحيى الرمالي (آسر ياسين) بهدم ضريح، أو مقام، صغير، لأحد الأولياء المجهولين، بناء على نصيحة أحد معاونيه التوأم، «حكيم» و«حليم» ( يلعب الدورين بيومي فؤاد)، مستعيناً على ذلك ببعض «السلفيين» الذين يحرّمون أفكار التبرك بالأولياء والشفاعة والصوفية.


يعرف المشاهدون - والقراء - أن إبراهيم عيسى أحد الذين يتصدّون للأفكار السلفية والوهابية بشراسة، ويدرك من يرى الفيلم أن إقحام السلفيين في هذا المشهد غير مبرر، ولو كان نقد أفكارهم شيئاً جيداً، لأنهم وأفكارهم ليس لهم دور في الدراما ولا الأحداث بعد ذلك. ويوحي المشهد بأن الفيلم يتّخذ موقفاً تقدمياً جريئاً، بما أنه ضد السلفيين الرجعيين، وبذلك يكسب الفيلم إلى صفه جموع المثقفين الليبراليين وكل من هو معادٍ للدواعش والجهاديين والتكفيريين والسلفيين والإخوان. لكن لا تعتقد للحظة أن الفيلم يتخذ هذا الموقف من منطلق تنويري. ربما إبراهيم عيسى يفعل ذلك أحياناً، ولكن ليس الفيلم. بعد أيام من هدم ضريح «الولي المجهول»، تنصبّ المصائب فوق رأس رجل الأعمال، حيث تبدأ بخسائر بالملايين واحتراق إحدى ممتلكاته وخسارة إحدى أراضيه، وسقوط زوجته مغشياً عليها بنزيف في المخ والدخول في غيبوبة دائمة!
في مناقشة جدلية بين رجل الأعمال وشريكيه التوأم، يقول أحدهما، المتدين، رداً على سخرية غير المتدين، أن انتقام الأولياء لا يأتي عادة بسرعة ولا بهذه الطرق الساذجة التي يتخيلها الناس: «انت فاكر الأولياء بياخدوا حقهم زي الناس العاديين كده في وقتها. مكانوش يبقوا أولياء». لكن ما يحدث منذ هذه اللحظة وحتى آخر لحظة في الفيلم هو انتقام سريع مباشر وساذج، من النوع الذي يتخيله ويحلم به الناس العاديون، والذي يتخيل صناع الفيلم أن الأولياء والمقدسين والآلهة يفعلونه، ولا نراه عادة إلا على شاشات السينما والتلفزيون في الأعمال المباشرة الساذجة التي تختزل العالم في قصص مثل «صاحب المقام». منذ هذه اللحظة، تفقد الدراما الدراما، لتتحول إلى أمثولة دينية وعظية من تلك التي يحكيها الآباء لأطفالهم أو رجال الدين لجمهورهم الريفي الساذج، الذي لم ير العالم، ولا عرف كم التعقيدات وقدر الظلم الذي يعانيه المحتاجون، وقدر الرفاهية ورغد العيش الذي يعيش فيه الظالمون والسارقون وهادمو الأضرحة!
منذ هذه اللحظة، لا توجد دراما لأن الفيلم كله يسير في خط واحد متوقع ولا يوجد صراع إلا بين رجل الأعمال ضد فريق كامل من الأولياء المسلمين، منضماً إليهم بعض القديسين المسيحيين، تحت قيادة الشبح «روح» (يسرا) التي تظهر لرجل الأعمال في كل مكان بشخصيات مختلفة، لتلقينه درساً لا ينساه.
لا يهتم صناع الفيلم بأن أي دراما يجب أن يكون لها منطق، فالأعمال الكوميدية والخيالية مثلاً يمكن أن تتجاوز منطق الواقع، بينما في الأعمال التي تزعم أنها واقعية، لا بد من أن تخضع الأحداث لمنطق العقل والواقع، والعقل والواقع يؤكدان لنا أن ما نشاهده في «صاحب المقام» هو أحداث وشخصيات تشبه الواقع، يتداخل معها ليس فقط الخيال، ولكن الميتافيزيقا والإيمان بغيبيات لا يستطيع حتى المؤمنون ورجال الدين تأكيد وجودها ولا يجرؤون على إعلان إيمانهم بها عن يقين راسخ.
إن الجدل حول الأرواح والكرامات والمعجزات موجود في كل الأديان. وفي المسيحية مثلاً، ظل الكاثوليك والأرثوذكس يضطهدون كل من يشكك فيها، إلى أن جاء مارتن لوتر في ألمانيا وأسس المذهب البروتستانتي، المعارض لهذه الغيبيات، وسار على دربه العديد من المذاهب بعد ذلك. ورغم الاعتقاد الشعبي الراسخ في هذه الغيبيات بين البسطاء، إلا أن معظم رجال الدين يتحفظون حولها لأنّهم يدركون مدى الخطر والشر اللذين يمكن أن ينجما عن الإيمان الأعمى بمثل هذه الغيبيات.
وقد تحرر الإسلام مبكراً جداً من هذه الغيبيات معلياً من دور العقل ومن التوحيد، وأكد عدم وجود شفاعات أو وساطة أو كهنة بين المؤمن وربه. والحقيقة أنّ هناك منطقاً في ما يقوله السلفيون ولو اختلفنا معهم، من باب أن الإيمان له ألف باب كما يقول أهل الصوفية... ولكن مشكلة «صاحب المقام» أنه يفعل مثل السلفيين ويغلق كل الأبواب، فيما عدا باب الأرواح والأشباح وأصحاب الخطوة، ولو شككت في هؤلاء أو في هذه الفكرة، فربما يتهمك صناع الفيلم ودراويشهم بالكفر مثلما يفعل السلفيون!
وحتى تتضح فكرتي بشكل أفضل، لنقارن بين «صاحب المقام» وأفلام مشابهة لن أذكر منها أمثلة غربية، ولكن عربية مثل «طريد الفردوس» لفطين عبد الوهاب أو «بابا أمين» ليوسف شاهين، إذ يتضح في نهاية العمل أن البطل كان يحلم. هذه الحيلة طالما استخدمها صناع الأفلام ليقولوا أولاً إننا بصدد عمل خيالي لا واقعي، وثانياً ليتفادوا الوقوع في فخ التصادم مع معتقدات المشاهدين، أو فخ الوقوع في جدل لاهوتي وديني ربما يصلح لبعض برامج التلفزيون التي يقدمها إبراهيم عيسى، ولكن لا مجال له في الدراما.
وأعتقد، جازماً، أن مشهد النهاية الملتبس الذي أثار التباسه استغراب بعض المشاهدين، قد تعرض لتعديل، أو تشويه، تسبّب في مزيد من التشوش للفيلم ومشاهديه: في هذا المشهد نكتشف أن الزوجة لم تكن مصابة بغيبوبة فعلية وأنها كانت تمثل لتعرف مدى حب زوجها لها، أو بمعنى أصح لتلقنه درساً لإهماله لزوجته وابنه وقسوته اللاإنسانية في العمل، وكان هذا بمثابة حل، وحيلة، درامية جيدة للتخلص من المأزق الذي وضع صناع الفيلم أنفسهم فيه، ولكن أكاد أعتقد أن هناك من نصح كاتب السيناريو، ربما يكون حكيماً أو حليماً داخل عقله، بإضافة مشهد «فلاش باك» تظهر فيه الشبح «روح» للزوجة أيضاً لتقنعها بالاستمرار في ادعاء الغيبوبة حتى ينتهي الدرس يا غبي، أقصد يا يحيى! والنتيجة أننا بدلاً من أن نتخيل أن رحلة يحيى كانت روحية داخل عقله المحمّل بالشعور بالذنب، فإن المشهد يؤكد لنا أن الست «روح» وفريق عملها من بقية الأشباح، هم الذين يحركون الدراما، والعالم، فعلاً!
رواد مواقع التواصل الاجتماعي كتبوا عن التشابهات التي تجمع «صاحب المقام» بالفيلم الإسرائيلي «مكتوب» المعروض على منصة «نتفليكس» منذ ثلاثة أعوام، ولكن شتان بين الفيلمين. «مكتوب» فيلم كوميدي لا يقحم نفسه في مناقشات لاهوتية حول صحة وجود كرامات وشفاعة للأولياء وأرواح طيبة تظهر للناس، ولا يتخذ من الدراما تُكأة لمكايدة فصيل ديني متطرف، ولكنه يركز على المفارقة الدرامية الصارخة التي تتمثل في قرار اثنين من رجال المافيا التوبة بعد نجاتهما من حادث إرهابي. وبالمناسبة فكرة «مكتوب» نفسها شاهدناها في فيلم «بالب فيكشن» أو «قصص شعبية رخيصة» للمخرج كوينتين تارانتينو منذ أكثر من ربع قرن!
لا يختلف فيلم «صاحب المقام» عن مسلسل «الوصية» الكوميدي الذي عرض منذ عامين، عندما مات رجل الأعمال بيومي فؤاد تاركاً لابنه المدلل أكرم حسني وصية بالبحث عن أطفال ملجأ أيتام تسبّب في أذيتهم في الماضي، وتحقيق أمنياتهم واحداً تلو الآخر. وهكذا سار المسلسل متنقلاً من قصة إلى أخرى، وكل قصة يشارك فيها نجم ضيف شرف مختلف.
يسير «صاحب المقام» على الخط نفسه، حتى في الاستعانة بضيوف الشرف، وأكاد أعتقد جازماً أنه كتب في البداية كمسلسل يتكون من 30 حلقة و20 فقرة درامية، أو حكاية منفصلة متصلة، و15 ضيف شرف، مثل كثير جداً من مسلسلات هذه الأيام.
وأخيراً لا يختلف «صاحب المقام» عن «الفيل الأزرق» بجزئيه اللذين يروّجان لوجود الجان والعفاريت التي تركب أجساد النساء وتضاجعهن، وتركب أجساد الرجال وتحولهم إلى قتلة وسفاحين. مع الفارق أن «الفيل» من نوعية الرعب التي يعرف المشاهد أنها خيال، بينما «صاحب المقام» يتعامل معها كحقائق مسلم بها!

* «صاحب المقام» على يوتيوب و«شاهد»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا