موقع جبل عامل بين الجليل الأعلى وبين وادي الأُردن وجبل لبنان الجنوبي، جعل منه مصبّاً لمؤثرات سياسيّة وسكانيّة جمّة، لها أكبر الأثر على تاريخه. ما يهمّنا منها الآن ما نقرأه من أسرار تاريخه في أسماء بلدانه المنسوبة إلى اللغات المُسمّاة «ساميّة»، من عبريّة وآراميةٍ وعربيّة، بالإضافة إلى أسماء أوروبيّة الأصل... كلٌّ منها أثرٌ باقٍ من حقبةٍ من الحِقَب التي توالت عليه أثناء القرون الخالية.

(1)

لسنا نملك تحقيباً دقيقاً للشعوب المُسمّاة عند الغربيين بالـ«ساميّة» (هي بالأحرى من شعوبٍ أصلُها من شبه الجزيرة العربية، تفرّقت في ما حولها، قبل هذه العربيّة الحجازيّة)، التي توالت على جبل عامل وساحله. فرعٌ من الكنعانيين، عُرفوا بالفينيقيين، بسطوا سلطانهم على الساحل الغـربي للبحر الأبيض المتوسط، حيث ازدهرت مُدُنٌ عــديدةٌ، تعاطت التجارة البحريّة. ومن هذا الطريق بنَـتْ صلاتٍ واسعةً مع الساحل الأفريقي المقابل على المتوسط.
أمّا الجبل، فقد وقعت أطرافه مؤقتاً تحت تأثيرٍ سكاني قادم من الجليل الأعلى، من ضمنه عناصر يهوديّة ضئيلة. على أنّ أوّل عمرانٍ حقيقيٍّ له حصل بفضل إحدى الهجرات اليمانيّة الكثيرة إلى الشام هي هجرة شعب «عاملة». كان من بديع أثرها أن منحت جبل عامل اسمه الباقي حتى اليوم.
(2)

من المفارقات التاريخيّة أن شعب «عاملة» اليماني، الذي كان له الفضل، بهجرته الكثيفة إلى جبل عامل، في امتلائه سكانياً، لم يلبث أن غدا بحـركةٍ سكانيّة معاكسةٍ السبب في فراغه. ذلك ما حصل في الفتح الإسلامي لـ«الشام» إجمالاً، حيث القبائل العربيّة المُتنصرة، ومنها «عاملة»، تبعت خُطى حكامها الروم المهزومين باتجاه الأناضول، بعدما خسروا كلّ المعارك الأساسيّة التي خاضوها مع الفاتحين المسلمين، وسقطت دُرّة دولتهم دمشق. هكذا فرغت حواضرُ الشام إجمالاً من سكانها. ولم يبقَ فيها إلا بعض سكان القُرى المعمورة بمزارعين من الشعوب التي كانت قد عمرته في الماضي، من آراميين وآشوريين. ما زلنا نجدُ آثارَ بعضهم في غير قريةٍ من قُرى سوريا، وما زال أهلها يتكلمون إحدى اللغتين.
(3)

في هذا السياق التاريخي الجديد، وبسبب الهجرة شبه الشاملة لشعب «عاملة»، عانى جبل عامل من حالة شبه فراغ سكاني، استمرّت مدّة خمسة قرون تقريباً، إلى درجة أنّنا لا نجدُ في كلّ الكُتُب المعنيّة بالبلدان، حتى القرن 6هـ/12م، ذكراً لقريةٍ منسوبةٍ إليه، إلا قريتيَن أتى على ذكرهما بلدانيٌّ عاش في القرن 4هـ/10م قريباً من المنطقة وعرفها جيداً، تحملان اسما آراميّاً يدلّ على عراقتهما، هما «كفركيلا» و«مجدل سِلِم»، بالإضافة إلى مجموعةٍ كبيرةٍ غُفل الأسماء من المزارع الصغيرة (المقدسي: أحسن التقاسيم/ 188).
(4)

المُتغيّر السـكاني الثاني باتجاه الامتلاء، حصل في جبل عامل بـ«فضل» الصليبيين الذين كان لاجتياحهم القدس وما ارتكبوا فيها من فظائع، تأثير هائل على المنطقة برمّتها. هجّ الناس مرعوبين من أنحاء الأردن وفلسطين، باتجاه أقرب الجبال إليهم. هكذا امتلأ بالسكان امتلاءً يفوق بكثير سابقَه قبلاً بهجرة «عاملة» إليه. ومع أنّ الصليبيين لحقوهم إلى موطنهم الجديد، وبسطوا سلطانهم عليه وعليهم، لكنهم كانوا قد تخلّوا عن السياسة التطهيريّة التي أعملوها في القدس، وباتوا بحاجةٍ لمَن يعمل لهم، فيستثمر الأرض ويُسدّد الضرائب لحسابهم، إلى ما هنالك من وجوه علاقة السُلطة بالناس.

مجموعةٌ من أسماء البلدان العامليّة، تنتشر على التلال المجاورة لمدينة صيدا

في هذا السياق، حصل شبهُ سباق بين المُحتلّين وبين ذلك التجمّع الظرفي من الناس، على إنشاء وتمصير البلدان والقُرى في أوطانهم الجديدة، بحيث أنّ الرحالة ابن جُبير، الذي اجتاز جبل عامل من جنوبه إلى غربه، من تبنين إلى عكّا، سنة 579هـ/1183م، أي بعد زهاء نصف قرن من احتلال الصليبيين إياه، وصف طريقه بأنه «كلّه على ضياعٍ متصلة وعمائر مُنتظمة» (الرحلة/273). أي أنّ كلّ تلك الـ «ضياع المُتصلة» قد أُنشئت في مدةٍ قصيرةٍ نسبيّاً، لا تزيد إلا قليلاً على نصف قرن. وطبعاً كان المحتلّون يُسمّون ما يشيدونه بأسماءٍ من لغتهم الفرنسيّة الغالبة بينهم، ومن ذاكرتهم على بلدانهم الأصليّة، بينما يُثبّت السكان المسلمون الجُدُد الأسماء الآراميّة القديمة على ما يُنشئونه أو يُنمّونه من تجمّعات سكنيّة، أو يسمّونها بأسماءٍ عربيّة.
(5)

من هنا يجب أن يتوقّع القارئ اللبيب ما هو واقعٌ بالفعل، من كثرة الأسماء الفرنسيّة في البلدان العامليّة. لقد كان أُولئك الغُزاة يعملون على ما يُسمّى الاستعمار الاستيطاني، الذي يقتضي أن يُثبّتوا وجودهم الخاصّ بإنشاء التجمّعات السكانيّة الخاصّة بهم، بحيث تكون لهم بلدانهم وحصونهم التي تحول دون الاختلاط بالمسلمين، ولكنّها تضمن لهم السيطرة عليهم. أمّا المسلمون، فكانوا بين الذين ثبّتوا الأسماء القديمة، وبين مَن وضعوا لِما أنشأوه أسماءً عربيّة لمناسبةٍ أو غيرها. وسنرى ذلك في الآتي من البحث.
(6)

بناءً على كلّ ماسبق نقول:
من الممكن تحقيب الأسماء الدّائرة اليوم لبلدان وقرى في جبل عامل وساحله في عدّة مجموعات:
ــــ المجموعة الأُولى ترجع إلى ما قبل التاريخ المكتوب ومنها مدينة صور الفينيقيّة ذات التاريخ السّحيق المجيد. كانت أيامَهم جزيرة تحمل اسم «صر» التي تعني بالفينيقيّة الصخرة، لمكان الطبيعة الصخريّة التي بُنيت عليها المدينة. ومنها بلدتان تحملان اسم «برعشيت»، وبلدةٌ ثالثةٌ اسمها «جبشيت». والبلدات الثلاث منسوبة إلى شيث بن نوح، مثلها في ذلك مثل خمسة بلدان أُخريات، تنتشر على الهضاب الممتدة على طول الساحل الغربي للبحر المتوسط، كلّها ملحوقةٌ أسماؤها بـ«شيت». نظنُّ أنها جميعها من أعمال النبي شيث بن نوح الحضاريّة بعد الطوفان. ولنا على ذلك بحثٌ ضافٍ، في كتابنا الماثل للطبع «كرك نوح والقصة الحقيقيّة للطوفان».
(7)

ـــ المجموعة الثانية ترجع إلى الفترة التي سادت فيها الآراميّة، وهي قُرى ومزارع كثيرة. من إماراتها أن يبدأ اسمها بكلمة «كـَفْر» وهي كلمةٌ من جذرٍ سامي تعني مزرعة، موجودة في أكثر اللغات المُسمّاة «ساميّة» أو بـ«مجدل» وتركيباتها: «مجدليون» «مجيدل». وهي كلمةٌ من جذر سامي أيضاً، توجد في السريانيّة والعربيّة، بمعنى قصر، برج، مكان عالٍ مُشرف، بالإضافة إلى ما كان منها بصيغةٍ آراميّةٍ واضحة: «عيناتا»، «تفاحتا»، «جنّاتا»، «البابليّة» المُحرّفة عن «بابيلا» بالآراميّة: بابُ الله. وفي غوطة دمشق بلدٌ يُسمّى «بابيلا».
(8)

في موازاة المجموعة الآراميّة زمنيّاً، ثمة قرى تحمل اسماً عبرانيّاً، منها كلما تكون البادئة في الاسم ـ كلمة «آبل»: «آبل السّقي»، «آبل القمح»... وهي كلمة من جذر سامي. نجدها بمعانٍ متقاربة في العربيّة والعبريّة والسريانيّة والأمهريّة، تعني ما يقرب معنى من جذر «زرع» في العربيّة، بالإضافة إلى «جُبع» بمعنى التلّ. وثمّة اليوم في إقليم الشوف في جبل لبنان الجنوبي بلدٌ اسمه «جُبع الشوف»، تمييزاً له عن «جُبع» العامليّة. كما جاء في التوراة ذكرُ بلدٍ بـ «فلسطين» اسمه «جُبع بنيامين». ومنها «قَدَس» في أطراف جبل عامل، وكانت قبل الصليبيين حاضرته. وعُرفت قديماً باسمٍ آرامي أو عبراني: قادس أو قادش باختلاف اللغات. وبالاسـم نفسه عدّة بلدان في فلسطين والجمهوريّة السوريّة. كما أنّ اسمها يرِدُ كثيراً في تاريخ الكنعانيين والإسرائيليين. وكانت «قدَس» قديماً من أعمال «صور»، ثم أُلحقت بـ «فلسطين». وسنة 1948م غدت تحت الاحتلال الإسرائيلي وما زالت.
(9)

ــ المجموعة الثالثة ترجع إلى فترة الاحتلال الصليبي (504 ـــ 688 هـ/1110ـــ 1289م) التي قلنا إنها الفترةُ التي انتفض فيها جبل عامل سُكّانياً، وحيث حصل ما يُشبه السباق على إنشاء وتمصير القُرى والبلدان، بين الذين التجأوا إلى الجبل من حوله وبين المُحتلّين الصليبيين. أثناءها جرى تمصير أكثر التجمعات السُكانيّة القائمة اليوم في الجبل. وطبعاً كان المسلمون يُسمّون ما يستحدثونه بأسماءٍ عربيّة غالباً بينما يُسمّيها الصليبيّون بأسماءٍ فرنسيّة.
(10)

الأسماء العربيّة لا تخفى، فمنها المجموعة المنسوبة إلى أسماء أشخاص من مثل: «العبّاسيّة»، «المالكيّة»، «المحموديّة»، «المروانيّة»، «المنصوري»، «المحاربيّة»، «النجاريّة»، «الحارثية»، «حسّانيّة»، «حمّاديّة»، «الداوديّة».... وهي كثيرة. منها كلّ ما يبدأ اسمها بـ «مراح» (حظيرة المواشي) «مراح أبو شديد»، «مراح الجاموس»، «مراحة الحباس»، أو بـ «مزرعة» أو بـ «مقسم» (جزء من مزرعة بعد تقسيمها بين الورثة) أو بـ «مرج»، أو «خِرْبَة»/ «الخرايب»/ «الخريبة» أو «عين» أو «برج» أو «بستان»، وهي كثيرة أيضاً. ومنها ما تعكس المواصفات الطوبوغرافيّة أو غيرها لمكان القرية الناشئة منها: «المطلّة»، «المنارة»، «البيّاضة»، «ضهر البيّاضة»، «أبو الأسود»، «المطمورة»... وعلى كلّ حال، فإنّ الأسماء العربيّة لا تخفى.
(11)

في هذا السّياق من البحث، ألفت نظرنا مجموعةٌ من أسـماء البلدان العامليّة، تنتشر عــلـى التلال المجاورة لمدينة صيدا صعوداً حتى جزّين. موضع الملاحظة هنا أنها تُزاوج أسماءَ قرى ما زالت في كسروان وجبيل وما والاهما، هي: «داريّا»، «صربا»، «الصّوّانة»، «قتالة»، «القرية»، «القصيبة»، «القطين»، «كفَرحتّى»، «الهلاليّة»، «يا نوح»، ومنها ربما «بنت جبيل» التي يبدو أنّها سُميت بهذا الاسم لمناسبةٍ غير خفيّة، وهو اسمٌ عربيٌّ صريح. من المؤكّد أن هذا التشابه الواسع لم يحدث صُدفةً، بل إنّه يُخبئ حقيقةً تاريخيّة. نرى أنّها كامنة في أنّ تلك القُرى هي ممّا أنشأه المُهجّرون من كسروان وجبيل وما والاهما. سمّوها بأسماء أوطانهم الفقيدة تعبيراً عن الحنين إليها.
(12)

أمّا الأسماء الفرنسيّة منها، فليس من العسير على العارف المُدقّق أن يميزها. إمّا بشبهها بأسماء بلدان فرنسيّة، وإمّا بوجود كلمة فرنسيّة في الاسم، وإنْ تكُ قد جرى تحريفها لتُناسب النطق بالعربيّة، وإمّا بجِرسها الفرنسي، الذي لا يخفي على العارف بهذه اللغة. فمن الأول، أي التشابه بين اسم بلدٍ عامليّ وآخر فرنسي. فمن أصرحه: «باريش» Paris، و«طلّوسة» Toulouse، وكلتاهما من المُدُن الفرنسيّة المشهورة. ومن الثاني، أي وجود كلمة فرنسيّة في اسم البلد العاملي، حتى وإن يكُن قد حال أو جرى تحريفه ليناسب النطق بالعربيّة الدّارجة. فمنه كلمة «طَيْر» في أسماء سبع بلدانٍ عاملية: «طير فلساي»، «طيرحرفا»، «طير دِبّا»، «طير زبنا» (بات اسمها اليوم «الشهابيّة»)، «طير سمحات»، «طيرعديس»، «تربيخا» (أصل اسمها «طير بيخا»). وكلّها لا نشكّ في أن أصل كلمة «طَيْر» فيها جميعها هو tyr، وهو الاسم الدائر بين الأوروبيين لمدينة صور، وربما منها أيضاً «طورا». وليُلاحظ القارئ العارف هنا أن كل هاتيك القـُـرى كانت أيام الصليبيين في نطاق إمارة صور الصليبيّة.
بقيت «طيردبّا» Tyr de bay خراباً بعد النزوح الصليبي إلى أن نزلتها أُسرٌ مُسلمةٌ، منها آل مُغنيّة التي جاءت من الجزائر هرباً من الاستعمار الفرنسي


ولتنظير المثال نقول إنّ في نطاق مدينة اللاذقيّة قريتين تحملان اسماً صليبيّاً صريحاً. إحداهما سنجوان، أصل اسمها Saint jean وهو اسم مُنظّمة الرهبان المُقاتلين المعروفة لدى مَن يُلمّون بالحركة الصليبيّة. والثانية «الشبطليّة»، أصل اسمها Hospitallier وهو اسمٌ لفرعٍ من المُنظّمة نفسها، يُعنى بتمريض جرحى المُقاتلين ومرضى الحجاج. ومن أمثلة الأنموذج الثالث، أي الكلمات ذات الجِـرْس الفرنسي في أسماء بلدانٍ عامليّة، وهي الأكثر والأسهل ملاحظةً للعارف باللغة الفرنسيّة. فمنه ذات الصوت الأنفي (on)، وهو من خصوصيّات اللغة الفـرنسيّة. ومن أمثلته: «أرزون» Arzon، «أرنون» Arnon، «عنقون» Ankon، «عيترون» Ytaron، «مارون» Maron، «فرون» Phron، «يارون» Yaron. ومنه الصوت الممتـدّ آخر الاسم. من أمثلته: «دوبيه» Dubay، «حيتوله» Ytulay، «باتوليه» Batulay، «رقلية» Riklay، «سينيه» Synay.

(13)

تسهيلاً للبحث نقول: إنّ كل الأسماء غير الآراميّة أو العربيّة أو العبريّة الأصل، في بلدان جبل عامل، هي على الأرجح جدّاً، وبالأحرى على نحو الحصر، فرنسيّة الأصل، منها: «رشكنانيه»، «شدغيت»، «شلفيت»، «إرمت»، «إقرط»، «باصين» «برتي»، «بسري»، «بطيشيه»، «جنسنايا»، «جويّا»، «دردغيّا»، «نفّاخيّة»، «جيجيم»، «شبريحا»، وهي كثيرةٌ جدّاً، وبابُ البحث عليها مفتوحٌ لمَن يرغب. ولنلاحظ أنّ هاتيك الأسماء ذات جرْسٍ فـرنسي غير خفيّ. من السهل جداً على العارف أن يكتب أسماءها باللغة الفرنسيّة، لتأتي مناسبةً تماماً لقواعد النُطق بهذه اللغة، فضلاً عن أنّ بعضها ظلّ أهلها على المسيحيّة حتى وقتٍ قريب ومنها «دردغيّا»، و«نفاخيّة».
(14)

ولعلّ من الإمارات المُساعدة أيضاً في هذا البحث العسِر، أن ظاهرة القُرى الكثيرة الخراب الدّارسة في جبل عامل التي قد نجِدُ ذكرها في الكُتُب، ونفتقد أعيانها على الأرض، إلّا من بعض الآثار أحياناً، وهي كثيرةٌ كثرةً غير عاديّة في أنحائه، تلك القُرى إنما ترجع، فيما نُرجّح، إلى أنها ممّا نزحت عنه أخلاف وبقايا الصليبيين إثر التحرير، وهجرة مَـن استطاع الهجرةَ منهم عائدين إلى وطن آبائهم. ولم يكُن في وسع نسبة التكاثر السكاني الضئيلة، بين أهل جبل عامل الفقراء، أن تفي بعمرانها، وأن تغطي الفـراغ السكاني الكبير، الحاصل بهجرة جموع الصليبيين المُفاجئة. فكان أن خربت قُراهم وبلدانهم واندرست، ولم يبقَ منها إلا أسماؤها الضائعة وآثارها، التي تدلُّ على تاريخها العمراني، ومنها: «ادمت» قريةٌ خربة من قرى الشِّعْب، «راج» قريةٌ خربة قُرب «يارون»، «رندا» خراب في أرض عيثا الشِّعب، «زنار» خرابٌ غرب قلعة «دوبيه» فيها آثار آبارٍ عميقةٍ وعمران. «سمّوخه» قريةٌ خراب قُرب بنت جبيل، «طَهْـرّة» خراب قُرب النبطيّـة، «أطرا» قـريةٌ لسنا نعرف أين كانت، إنّما يُذكر اسمها في بعض المصادر، بمـا يُفهـم منه أنها كانت عامرةً لمُدة قصيرة بعد الصليبيين. «دابل» قريةٌ خراب قُرب طير دِبّا. «شلعبون» قريةٌ خراب بين بنت جبيل وعين ابل. «رمشاي» قريةٌ خراب تتبع قضاء جزّين. «رويس» خرائب جنوب بلدة حولا. «ريشا» قريةٌ من قرى الشّعْب، هي اليوم خراب.
أوّل عمرانٍ حقيقيٍّ له حصل بفضل إحدى الهجرات اليمانيّة الكثيرة إلى الشام هي هجرة شعب «عاملة»


والظاهر أن بلدة «طيردبّا» Tyr de bay، على الساحل المُجاور لمدينة صور، من القرى التي بقيت خراباً بعد النزوح الصليبي، إلى أن نزلتها أُسرٌ مُسلمةٌ، منها آل مُغنيّة التي قدمت من الجزائر، فراراً من مُعاناتها من الاستعمار الفرنسي، فعمرتها. ثم ما لبثت أن أنجبت فقهاء أجلّاء وأهل قلمٍ ومُجاهدين معارف. من كبار العلماء منهم الفقيه الجليل الشيخ حسين مغنيّة، صاحب الدّور المُنيف في مُقارعة الاحتلال الفرنسي لجبل عامل، المُغطّى تحت اسم الانتداب المعسول. وصاحب التصانيف الشيخ محمد جواد مُغنيّة. ومن المجاهدين الشهيد عماد مُغنيّة.

(15)

في ختام البحث يحسُنُ بنا أن نُضيف إلى أسماء تلك القُرى الدّارسة، ما تُشيرُ إليه أسماءُ أُسراتٍ عامليّةٍ اليوم. يمكن وصفها «الأسماء» بشيءٍ من التّجوّز، أنّها «دارسة» هي الأُخرى، بمعنى أنّها صليبيّة الأصل. لكــنّ أبناءها كانوا قد انقطعت صلتهم المعنويّة/ الثقافيّة والعملانيّة بأوطان أجدادهم الأصليّة منذ أجيال. وطفقوا يتكلمون العربيّة بلهجتها المحلّيّة، بحيث أنهم في النتيجة لم يعودوا يعرفون غير جبل عامل لهم موطناً.
هؤلاء عندما تحرّر جبل عامل من الصليبيين بعد احتلالٍ دام قرنيَن من الزمان إلا قليلاً، نمَتْ أثناءه أجيال لم يعودوا يعرفون ما هي وأين هي أُصولهم بالضّبط. ولم يجدوا سبباً أو وسيلةً للعودة إلى أوطان أجدادهم البعيدين. لذلك فإنهم بقـوا حيث هم، واندمجوا بأهله، ونسوا كل ما يتعلق بتاريخهم. ثم إنهم طفقوا يتحوّلون شيئاً فشيئاً إلى الإسلام، ويتسمّون بأسماءٍ إسلاميّة. وحـدها أسماءُ أُسراتهم، التي احتفظت، وما زالت، بلفظها المُحرّف ليُناسب نطقها بالعربيّة، لكن بجِرسها الفرنسي الواضح، هي الدليل الوحيد الباقي حتى اليوم على أصولهم البعيدة.

* مؤرخ لبناني