في أروقة شركات الإنتاج اللبنانية، خلية نحل أنشئت حديثاً للوقوف عند قضية لا تتعلق بنص مسلسل جديد أو مشروع درامي، بل إنّ مهمتها الأولى والأخيرة هي التوصل إلى اتفاق مع الممثلين حول أجورهم، بعد الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار مقابل العملة اللبنانية. أزمة مستفحلة يصفها بعضهم، بينما يتجنّب آخرون التعمّق في الحديث عنها، فيردفون باللهجة المصرية «أزمة وتعدِّي». بعض القائمين على تلك الشركات، يقف صامتاً وحائراً أمام مشكلة أجور الفنانين، لكن لا مجال لنكران الأزمة التي ستتصاعد في القريب العاجل، وتخرج إلى العلن عبر تصريحات الممثلين من هنا أو هناك. فالممثلون اللبنانيون يعضّون على الجرح حالياً، ويعيشون صراعاتهم المالية مع المصارف أولاً، ومع بعض شركات الإنتاج ثانياً. لكنهم لا يخرجون للحديث علناً عن الأزمة، لأن شركات الإنتاج الكبيرة في لبنان تعدّ على الأصابع ومجالات التمثيل ضيّقة. هكذا، يتهرّب الفنانون من الحديث عن أجورهم التي خسروا قيمتها بسبب تدهور سعر صرف الليرة، في محاولة للحفاظ على تعاونهم مع شركات الإنتاج.

في هذا السياق، يلفت مصدر لـ «الأخبار» إلى أن الفنانين اللبنانيين والعرب يعيشون مشكلة مالية صامتة، لكن تأثيرها متفاوت حسب كل ممثل وخبرته واسمه. ويشير المصدر إلى أن غالبية النجوم السوريين الذين يُعتبرون بمثابة الرقم واحد لدى شركات الإنتاج، حصلوا على أجورهم (أو نصفها) بالدولار. أما أكثرية الفنانين اللبنانيين فقد تقاضوا أو يتقاضون أتعابهم بالليرة اللبنانية، مع تثبيت سعر الصرف الدولار بـ 3000 ليرة لبنانية. وهم يجدون هذا الأمر غير مرضٍ لأنّ سعر صرف الدولار قد يصل إلى ضعف هذا الرقم. ويشير المصدر إلى أن نجوم الصف الأول على غرار تيم حسن ومكسيم خليل ونادين نجيم، تقاضوا أتعابهم بالدولار، وفرضوا على شركات الإنتاج تنفيذ كامل بنود العقود معهم لأن شركات الإنتاج «لا تتحمّل زعلهم» بحكم أنهم مطلوبون بالاسم في الخليج. أما معظم النجوم اللبنانيين، فقد وجدوا أنفسهم مجبرين على القبول بالعروض المقدّمة من قِبل شركات الإنتاج وتقاضي الأتعاب بالليرة اللبنانية.
مع انتهاء تصوير المسلسلات التي كان متوقعاً أن تدخل ضمن السباق الرمضاني على رأسها «الهيبة 4» (ورشة كتّاب وإخراج سامر البرقاوي وإنتاج «صبّاح إخوان») و«دانتيل» (ورشة كتّاب وإخراج المثنى صبح «إيغل فيلمز») وغيرهما من المشاريع التي تأجّلت بسبب فيروس كورونا، وقع الممثلون في أزمة لم تكن في الحسبان: بأيّ عملة سيتقاضون أتعابهم؟ للمرة الأولى منذ سنوات، لا تسدّد الشركات أتعاب النجوم بشكل كامل فور انتهاء التصوير، بل دفعت نصف الأتعاب تقريباً. ومع تضييق المصارف اللبنانية على حسابات المواطنين عموماً، والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، وجدت شركات الإنتاج نفسها مجبرة على استنباط حلول قد تكون غير مرضية للكثير من الفنانين، أولها الدفع باللبناني. فذلك الحلّ يريح شركات الإنتاج بتصريف عملتها اللبنانية، وفي الوقت نفسه يجعلها تحتفظ بالدولار، مع العلم أن القنوات الخليجية أبرزها mbc و«دبي» و«أبو ظبي» وغيرها من الشاشات المعروفة، لا تزال تضخّ لشركات الإنتاج اللبنانية مستحقاتها بالدولار وعلى حسابها مباشرة fresh money. وهذا الأمر يمكّن شركات الإنتاج من الحصول على المبالغ مباشرة من المصارف من دون أيّ عوائق أو تجميد حساباتها.
في هذا السياق، تعتبر «إيغل فيلمز» (لصاحبها جمال سنان)، و«صبّاح إخوان» (صادق الصباح)، الأهم عربياً ولبنانياً، وقد تعاقدتا مع نجوم سوريين ومصريين ولبنانيين. رحلة شركتي الإنتاج مع الفنانين العرب طويلة عمرها سنوات. تقول مصادر لـ«الأخبار» بأنّ عقود الشركتين كانت تتم بالدولار الأميركي، بحكم أن النجم السوري أو المصري لن يتقاضى بالعملة اللبنانية. أما الممثل اللبناني، فلم يكن يجد في السابق فرقاً بين الليرة اللبنانية أو الدولار بعدما حافظ الدولار على صرفه لسنوات طويلة. لكن مع الأزمة المستجدة على الساحة، تحاول شركتا الإنتاج (أي «إيغل فيلمز» و«الصباح») اليوم إيجاد حلول. وهنا، لا ننسى الديون المتراكمة على القنوات اللبنانية من بينها Mtv وlbci لهاتين الشركتين ولم يتم دفع أي مبالغ لغاية اليوم، فالشاشات اللبنانية واقعة في أزمة أيضاً. في هذا الإطار، يجيب صادق الصباح في اتصال مع «الأخبار» على السؤال حول أزمة دفع الأجور وارتفاع سعر الدولار وتعامل شركته مع الأزمة: «إن فرق العملة اللبنانية مقارنة بالدولار، مشكلة نعيشها حالياً وربما تستمرّ مدةً لا بأس بها. لدينا خبرة في التعامل مع هذه الأزمات المستجدة، وسبق أن مررنا بشيء مشابه في مصر والمغرب وتونس. نحاول معالجتها بطريقة مناسبة لنكمل مسيرتنا. هناك تفهّم من قِبل النجوم الذين نعمل معهم، ونحاول حالياً ترتيب ملفاتنا، ونكمل بهدوء عملنا مع رسم خطّة بكل الاحتمالات المنتظرة. مصنّفنا يتم تسويقه في الخارج، وهو مطلوب ويجب أن نحافظ عليه». أزمة صرف الدولار والليرة اللبنانية ليست حكراً على الشركات اللبنانية التي تقدّم المسلسلات المشتركة فحسب، بل واجهتها أيضاً الشركات اللبنانية التي تتولى إنتاج الدراما المحلية. يرى المنتج مروان حداد أن أزمة سعر صرف الدولار امتدت إلى كل القطاعات في لبنان، سواء الفنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، مضيفاً: «إن العقود الموقعة مع الممثلين اللبنانيين تتم عادةً بالدولار. في هذه الأزمة، فإنه طالما شركات الإنتاج تحصل على مردود مالي سواء من داخل لبنان أو خارجه عبر القنوات الخليجية، عليها أن تدفع بالدولار ولو كان شيكاً مصرفياً لا يمكن التصرّف به حالياً. أما في حال توقفت تلك الشركات عن الحصول على أتعابها بالدولار، عندها يمكن دفع أجور الفنانين بالعملة اللبنانية بناء على سعر صرف الدولار في السوق». ويتابع: «إن غالبية الاتفاقات بين الممثلين وشركات الإنتاج على المشاريع التي كانت ستُعرض في رمضان، قد تمّت قبل أزمة الدولار. أما في حال تجدّد العقود حالياً بمشاريع جديدة، فيمكن أن يكون هناك تعديل في بنود الاتفاقية. من الناحية القانونية، هناك اتفاق مسبق حصل بين الطرفين، ولكن بناء على التطورات تبدّلت المعادلة بسبب وجود ظرف استثنائي». ويشرح حداد الذي غاب عن المنافسة في شهر رمضان، «على شركات الإنتاج أن تتوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين. والأخطر أن الدولار لا يزال محلّ تلاعب في السوق ولديه أسعار عدة، وهنا تكمن المشكلة أيضاً». ويلفت إلى أن تعديل أجور الفنانين أمر مطروح في ظلّ الأزمة، خاتماً بالقول: «نحن نعيش جزءاً من المشكلة في البلد، ويجب أن يتكاتف الممثلون وشركات الإنتاج معاً، في ظلّ غياب القوانين الواضحة التي تنظّم هذه العملية».

شركات الإنتاج حسمت نحو 20% من أتعاب غالبية النجوم بسبب مشاكلها المالية


على الضفة الأخرى، تشير المصادر لـ«الأخبار» إلى أن شركات الإنتاج حسمت نحو 20% من أتعاب غالبية النجوم بسبب مشاكلها المالية. وتوضح أنّ شركات الإنتاج واقعة في أزمة حقيقية بسبب ضعف الموسم الرمضاني الذي كانت تعوّل عليه سابقاً، وجاءت جائحة كورونا لتزيد الأمور سوءاً. هذا لا يعني أن الشركات تمرّ في أزمة تهدّد وجودها، ولكن قد تكون الأسوأ بالنسبة إليها منذ سنوات طويلة. وتضيف المصادر أنه كان يجب تعزيز دور المسرح في هذه الظروف، علّه يشكل مصدر رزق للنجوم، ولكنه أفل وأهمل في السنوات الماضية. يبقى أن ما يُجمع عليه الفنانون هو كيفية استمرار صناعة الدراما العربية والمشتركة في ظلّ أزمة لا يبدو أن حلولها قريبة. الأنظار اليوم موجهة إلى عام 2021 الذي سيعتبر بمثابة اختبار صعب للدراما التلفزيونية المهدّدة بالغياب عن أهم المواسم على رأسها شهر رمضان. إذ أنّ هناك مخاوف جدية من أزمة إعلامية وإعلانية تمرّ بها القنوات الخليجية، ما قد يؤدّي إلى تقليص ميزانيات الشاشات (mbc، «دبي»، «أبوظبي») والتركيز على منصات «الستريمينغ» لديها على رأسها «شاهد»... وبالتالي تراجع سوق الدراما المشتركة التي تتخذ من بيروت موطئ قدم لها!