نكسات لم تنتهِ بعد، تعدّدت الأسماء والفعل واحد، لتنقل الأرض من حياة أصلانية إلى حياة مصطنعة. «أراض للتنزه» رواية لعوز شيلاح الذي كان محرّراً لأخبار إذاعة الجيش الإسرائيلي في الخدمة الإلزامية. أكاديمياً، درس التاريخ والكلاسيكيات في الجامعة العبرية في القدس إلى أن ترك البلد و«الأرض» في عام 1988 ذاهباً إلى نيويورك لدراسة الكتابة ثم للإقامة في باريس. كتب شيلاح روايته باللغة الإنكليزية، ولم يكتبها بلغته العبرية الأم (لغة زوجة الأب على حدّ تعبيره) التي اعتبر أنّها لا تمثل إلا أحد عناصر المشروع الصهيوني الاستعمارية المشحونة أيديولوجياً وسياسياً، وهو المشروع الذي انتقده في وبين سطور روايته. قام عبد الرحمن الشيخ بترجمة الرواية إلى اللغة العربية، مع تعقيب له حولها تحت عنوان: «فلسطين في المشهد الإسرائيلي: عوز شيلاح في أراض للتنزه بين شذرات الحضور ورواية الغياب» (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ـــ 2010).

منذ اللحظات الأولى،
يتطرق شيلاح إلى موضوعات الواقع المركزية المتمثّلة في شذراته المتنوعة في الرواية. ففي تعريف له طُلب منه بهدف نشره في طبعة الرواية العربية، يقول إنه ولد في مستشفى هداسا «فوق» عين كارم، ولم يقُل «في» عين كارم. يرى عبد الرحمن الشيخ، أن شيلاح منذ نقطة تعريفه عن نفسه، أضاء على موضوع الرواية المركزي، وهو الإنكار الإسرائيلي العام للواقع وللحقيقة الفلسطينية المغيّبة لا الغائبة، عارضاً مشاهد متنوعة ينبش من باطنها ما تبقى من تاريخ فلسطيني مدفون، من خلال تفسير الوجود الإسرائيلي، عبر ترحيل الفلسطينيين عن أماكن سكنهم وقراهم التي أضحت في ما بعد أراضي للتنزه ومستعمرات ومحميات طبيعية ومستنقعات وصولاً إلى إقامة «حداثة» استعمارية فوق حداثة الأصلاني. نستشعر من شذراته الساخرة أنّ هناك شيئاً من التباعد والتناسي، بين زمنين، بين زمن حاضر وزمن ماض، بين واقع وواقع، لا فرار لأحد منهما من الآخر.
عمواس ويالو وبيت نوبا وغيرها، بلدات فلسطينية تحولت إلى محميات طبيعية ومزارع أبقار، سُلبت في حزيران (يونيو) 1967، لتصبح تابعة لمصير مطابق لباقي قرى ومدن فلسطين التي اغتُصبت عام 1948، بعد عزلها عن أراضي الضفة الغربية وضمّها إلى القدس. دير ياسين التي طُهرت عرقياً، صطاف، عين كارم، لفتا، وصوبا، وأِوشع وراس أبو عمار وخربة اللوز وكسلا وبين نقوبا وبيت ثول والقسطل والمالحة والولجة، جميعها وغيرها 39 قرية فلسطينية في محافظة القدس، لقيت المصير نفسه قبل ذلك بعشرين عاماً. انتقلت كلّها من زمن الأصلاني إلى زمن المستعمِر المغيِّب. من حياة سكنية وتفاصيل اجتماعية عميقة وذكريات وطفولة إلى أراضٍ للتنزه كمحميات طبيعية ومقاصد سياحية ومطاعم ومناطق صناعية وحياة سكنية مصطنعة تتمثل في المستوطنات الحديثة ومستشفيات نفسية وغير نفسية، جميعها بُنيت لتدفن تحتها حياة الأصلاني الذي ظنّ المشروع أنه انتهى منه، فتشكل حاضر مسلوخ من ماضٍ عميق لأصلاني لا يزال موجوداً. ومن المشاهد الأكثر سخرية وقساوة، استخدام العمالة الفلسطينية ــ كحال والدي الطفل في الرواية ــ للعمل في أراض طردوا منها. استغلال (وهو حال أي استعمار) لضيق حال فتيان فلسطينيين هجّروا من أراضيهم إلى قرى ومدن أخرى أو مخيمات، لقطف أشجار الخوخ من أراضيهم ذاتها أو أراضي فلسطينيين آخرين لم تعُد لهم.
لم يقتصر شيلاح على ذكر الحال الذي آلت إليه الأراضي نتيجة حياة المستعمِر على حساب موت المستعمَر، بل حاول شيلاح عبر شذراته التي تستند إلى قصص حقيقية حدثت فعلاً، نقد جرائم الاحتلال وفضحها وتوثيقها، كما الدعوة إلى مقاطعة دولة الاحتلال لممارساتها الاستعمارية، بالإضافة إلى إدانة المؤسسة العسكرية بحق المفعول به الفلسطيني، والأثر الذي تتركه بالفاعل، ممن يخدم فيها. كما يتهكّم على يهودية الجيش عند طرحه في إحدى الشذرات حالة جندي إسرائيلي يتساءل إن كان تحويل ديانته من اليهودية إلى الإسلام يكفي لغرض تسريحه من الخدمة العسكرية، ليؤكد له المحامي ذلك، في حين أن وثيقة تسريحه في ما بعد أشارت إلى أن سبب تسريحه يعود إلى مادة الاختلال العقلي!

من المَشاهد الأشد قساوةً، استخدام العمّال الفلسطينيين للاشتغال في أراض طردوا منها!


عملت الرواية على التقاط وتجميع أكثر من نقطة مركزية مهمة توصّف بشكل شامل المشروع الصهيوني والحالة الاستيطانية الذي سعى لتحقيقها. ففي شذرة من شذراته، يسرد شيلاح قضية امرأة قُتل أخوها الوحيد كضحية لنيران صديقة، لتبقى وحيدة بعدما اغتصبها من يحبها والذي تزوجها في ما بعد، كإشارة إلى اسرائيل ـــ كما عقب عبد الرحمن الشيخ ــــ التي اغتصبت قضية يهود العالم وتولّت مهمة الاعتناء بهم في ما بعد!
اعتنت الرواية منذ لحظاتها الأولى بإظهار النكران الإسرائيلي المباشر والعنيد لحقيقة الماضي الفلسطيني في الذاكرة الإسرائيلية. وللدقة، الماضي المُتخيّل للأرض الفلسطينية الخالية كما في يوتوبيا هرتسل «أرض قديمة جديدة». فإحدى الشذرات تحمل قصة عن أستاذ علم نفس أخضع طلبته لاختبار، حيث طلب منهم تخيّل مدينة تل أبيب عاريةً من كل ما عليها، لتكون النتيجة أنّ الطلاب تخيلوا فراغاً كبيراً، ومساحات رملية فارغة، وشجيرات، وأنهاراً تصب في البحر، وأحياناً أنقاضاً، لكن لم يتخيل أي منهم «بشراً»! فمن ضَمّ إلى ضَم أكثر، لكن كما هو متعارف عليه، فإنّ نجاح المشروع الاستعماري الاستيطاني، يكمن في التوسع والضم والتهجير وطمس الوجود الفلسطيني، تحت شعار «أراض أكثر، شعب أقل». إلّا أن قاعدة التوسع المفهوم ضمناً، لم تجد مكانها السلس اليوم، فيتأرجح سماسرة المشروع الصهيوني بين مركزية التوسع المتمثل في الضمّ كهدف للمشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، وبين الانعزال تخوفاً من التفوق الديموغرافي الذي يهدد أحادية القومية. فحين يصبح الضمّ وتوسع الأراضي الأكثر تهديداً لنجاح المشروع الاستعماري، يصبح للجدل والخلاف حول الضم (الذي كان مفهوماً ضمناً) مكان في الأوساط الإسرائيلية اليوم.