فريدا كاهلو (1907 ــــ 1954) الفنانة المكسيكية المعروفة أثارت حيواتها وأعمالها الفنية محيطها وعالم الفنون، حتى كتب عنها أكثر من ثمانين مؤلفاً، والعد ما زال مستمراً. لكننا اخترنا كتاب «سيرة فريدا كالو» (منشورات بلومبسبيري ـــ 2018) لهايدن هيريرا، لأنّه ـــ بحسب الخبراء ـــ الوحيد الذي يقدّم تفاصيل دقيقة عن حياتها وفنّها. إضافة إلى ذلك، فإنه الوحيد الذي يناقش لوحاتها ورسومها ويربطها بمحطات في حياتها؛ بل لنقل: حيواتها الكثيرة. الكاتبة هايدن هيريرا مؤرخة فنية وكاتبة سِيَر، وصاحبة مقالات كثيرة وعروض مؤلفات لصحف ومجلات شهيرة في الغرب. كما أنّها كانت قيمة فنية لمعارض عديدة، ومحاضرة عن فنون أميركا الجنوبية في «جامعة نيويورك سيتي». مؤلفها هذا كان أساس الفيلم السينمائي «فريدا» (2002 ـــ إخراج جولي تايمر) الذي أدت سلمى حايك بطولته. عرضنا هذا يتناول النسخة الورقية المحدثة من الكتاب، أما مؤلفها الأصلي، فقد صدر عام 2008. فالتحديث هذا أضحى مهماً بعدما عثر على سيرة الفنانة المكسيكية بالألوان وبقلمها مصادفة، ونشرت في عام 2008. لكن ثمة فيلم سينمائي آخر عن الفنانة أنتج عام 1983 بعنوان «حياة فريدا الساكنة» (Frida still life)، ونال كما الفيلم الآخر، إعجاب الجمهور والنقاد. تضاف إلى ذلك أفلام وثائقية عديدة.

رغم أن فريدا أعطت تاريخ ميلادها في 7 تموز (يوليو) 1910، إلا أنها ولدت بالفعل في 6 تموز 1907. هذه الكذبة الأساس وحدها تؤهلها للحصول على اسم تذهب إليه في اليوميات: «المخفي العتيق». أما سبب انتحالها تاريخ ولادة مختلف عن الحقيقي، فهو رغبتها بأن يتناسب مع الثورة في المكسيك.


كeتب كثيراً عن أصل فريدا وعن أبيها. وفي مقدمة التزويرات «الاحتفائية» الظلامية إياها بأنها كانت نصف يهودية [!]، لأن جذور والدها يهودية ومجرية! لكن الأبحاث بينت عدم صحة الادعاءات بأنه «ذو جينات يهودية»، إذ عُثر على رسالة منها لوالدها تسأله فيها عن أصله. تلك كانت محاولة مصادرة تلك الفنانة العالمية وأسرها في عين الإبرة بدلاً من تركها تملأ الفضاء العالمي بروحها وفنها. بيّن البحث أن والدها المصوّر، ينتمي لعائلة سلسلة طويلة من البروتستانت الألمان من مدينة بفورتسهايم تعارك مع عائلته، فتركها وهاجر إلى المكسيك وهو في سن التاسعة عشر، وغيّر اسمه إلى غييّليرمو كالو بدلاً من الأصل الألماني كارل فِلهلم كاهلو. أما والدتها فكانت من أصول إسبانية وهندري-أميركية وكاثوليكية متعصبة، كما يقال. أما اسم الفنانة فألماني يعني السلام.
كاتبة هذا المؤلف قسمت عملها إلى ستة أجزاء تضم 25 فصلاً، تبدأ بولادتها، مروراً بالمحطات الرئيسة للفنانة سواء في المدرسة أو زواجها مرتين من الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا المتخصص في رسم الجداريات، وكذلك معاناتها مع الشلل الذي أصيبت به طفلة، وكذلك الحادث المروّع الذي تعرضت له عندما اصطدمت حافلة بعربة الترام التي كانت تقلّها، ما أدى إلى تمزيق فخذها وحوضها، ومنعها بالتالي من الحمل. إذ أجهضت مرة وأجهضها الأطباء مرتين حفاظاً على حياتها، لكنها توفيت شابة بسبب الغنغرينا في قدمها. تتذكر فريدا الحادث بالقول: «تعرضتُ لحادثين كبيرين مؤلمين. حادث صدام الترام كان الأول، والثاني دييغو. دييغو كان الأسوأ».
الفنانة بعدسة عشيقها المصوّر الهنغاري نيكولاس موراي (نيويورك ـــ 1939)

في نيسان (أبريل) عام 1953، قبل وفاتها بأكثر من عام عن عمر يناهز السابعة والأربعين، أقامت فريدا كالو أول معرض رئيس للوحاتها في مسقط رأسها المكسيك دوماً بحسب صاحبة هذا المؤلف المثير. بحلول ذلك الوقت، تدهورت صحتها إلى درجة أنّ أحداً لم يكن يتوقع أن تحضر. لكن في تمام الساعة 8:00 مساءً، بعد فتح أبواب معرض الفنون المعاصرة في مكسيكو سيتي للجمهور، ظهرت سيارة إسعاف. كانت الفنانة، التي كانت ترتدي زيها المكسيكي المفضل، تُحمل على نقالة في المستشفى إلى سريرها ذي الأعمدة الأربعة، الذي تم تركيبه في المعرض بعد ظهر ذلك اليوم. فُرش السرير كما تحبه، بصور زوجها، راسم الجداريات العظيم دييغو ريفيرا، وأبطالها السياسيين مثل مالينكوف وستالين. وضعت مرآة ملصقة على الجانب السفلي من الكنبة، تعكس وجهها البهيج رغم العذابات التي تعانيها. استقبلت فريدا كالو مئتين من الأصدقاء والمعجبين، واحداً تلو الآخر، شكلوا دائرة حول السرير وغنوا أغنيات مكسيكية معها حتى منتصف الليل. هذا يشهد في الواقع على العديد من الصفات التي ميزت فريدا إنسانةً ورسامة: شجاعتها التي لا تُقهر في مواجهة المعاناة الجسدية، وإصرارها على المفاجأة والخصوصية. حبّها الغريب للأقنعة للحفاظ على الخصوصية والكرامة الشخصية قبل أي شيء. افتتاح المعرض أضفى درامية على موضوع فريدا كالو الرئيس، أي نفسها. معظم اللوحات البالغ عددها نحو مئتين أنتجتها في مسيرتها المختصرة، كانت بورتريهات ذاتية (عندما سألت عن سبب تصويرها نفسها في لوحاتها، أجابت: لأني وحيدة في معظم الأوقات، ولأني الشخص الوحيد الذي أعرفه أفضل من أي إنسان آخر).
تواصل الكاتبة القول: «بدأت بمواد مثيرة: كانت جميلة تقريباً، وكانت تعاني من عيوب طفيفة زادت جاذبيتها المغناطيسية. حاجباها شكّلا خطاً غير مُكسر عبر جبهتها. أما فمها المغوي، فقد علاه ظل الشارب. كانت عيناها مظلمتين على شكل اللوز، مع ميل تصاعدي عند الحواف الخارجية. يقول الأشخاص الذين عرفوها جيداً إن ذكاء فريدا وروح الدعابة أشرقا في عينيها. يقولون أيضاً إن عينيها كشفتا عن مزاجها: نهم أو افتتان، أو الشكوك والتذمر. كان هناك شيء ما حول الاتجاه المباشر الثاقب لنظرتها الذي جعل الزائرين يشعرون بأنهم غير مقنعين، كما لو أنهم كانوا يشاهَدون من قِبل قطّ».
شخصيتها استحالت مرجعاً وبوصلةً للمثليين والكويريين والمهمّشين والنسويات والشيوعيين


عندما كانت تضحك، كان ذلك بصوت عالٍ. ضحكة معدية عميقة تنفجر إما فرحاً أو اعترافاً قاتلاً بسخافة الألم. كان صوتها أجشّ بعض الشيء، يحمل الغضب في ثناياه. الكلمات كانت تتدفق على نحو مكثف وسريع تتخللها إيماءات سريعة ورشيقة. ذلك الضحك الكامل النغمة وصراخ العاطفة في بعض الأحيان. كانت فريدا تميل إلى العامية الإنكليزية التي كانت تتقنها حديثاً وكتابة بطلاقة. عند قراءة رسائلها اليوم، يصُدم المرء لما أطلق عليه أحد الأصدقاء «التشدد» في لغتها ؛ يبدو الأمر كما لو أنها تعلمت اللغة الإنكليزية من ديمون رانيون دمون. كانت تحب استخدام اللغة الفجة في الإسبانية وتوظف مفردات مثل Pendejo التي يرادفها في الإنكليزية Asshole وكذلك Hijo de tu chingada madre بمعنى «ابن القحبة». كانت تستمتع بالتأثير في جمهورها أيّاً كانت لغتها. تأثير تعززه حقيقة أن المفردات الموثقة الصادرة عن هذا المخلوق الأنثوي، رفعت رأسها على رقبتها الطويلة كأنها ملكة.
كانت ترتدي ملابس مبهرجة، مفضّلةً إلى حد كبير الأزياء المكسيكيّة الأصلية ذات طول يصل إلى الأرض على الأزياء الراقية. كانت تتسبب في ضجة كبيرة أينما ذهبت. يتذكر أحد سكان نيويورك أن الأطفال اعتادوا السير خلفها في الشوارع صارخين: أين السيرك؟ وفريدا لم تكن تشعر بالانزعاج من ذلك.

«فريدا الاثنتان» (زيت على كانفاس ـــ 1.73 × 1.73 م ـــ 1939)

في عام 1929، أصبحت الزوجة الثالثة لدييغو ريفيرا؛ ويا له من زوج! فريدا الصغيرة البنية والعنيفة، أما ريفيرا فقد كان ضخم الجسد ومسرفاً. يبدو أنهما كان يعرفان الجميع. فتروتسكي كان صديقاً، على الأقل لفترة من الوقت، وكذلك هنري فورد ونلسن روكفلر، ودولوريس ديل ريو وباوليت جُدارد. كان منزل ريفيرا في مكسيكو سيتي بمثابة مكة للمثقفين الأمميين، من بابلو نيرودا إلى أندريه برِوتون وسيرجي آيزنشتاين. مارسيل دوشان كان مضيف فريدا في باريس، وإيزامو نوغوتشي عشيقها، وكان ميرو وكاندينسكي وتانغوي من المعجبين بها. في نيويورك، قابلت ستيجلتز وجورجيا أوكيف، وفي سان فرانسيسكو صورها إدوارد وستون وإيموجين كننغهام.
بفضل هوس ريفيرا بالدعاية، أصبح زواجه جزءاً من المجال العام؛ وكانت الصحافة المتعطشة لهكذا أخبار تصف كل مغامرة للزوجين وعشقهما ومعاركهما وانفصالهما، بتفاصيل ملونة من خلال سوق عطشى. كانت تذكرهما بأسمائهما الأولى فقط، فالجميع يعرف فريدا ودييغو الذي كان أعظم فنان في العالم. في بعض الأحيان، كانت الكاهنة المتمردة في معبده. جذابة ومليئة بالحيوية وذكية ومغوية وجذبت كثيراً من الرجال (وبعضهم كان عشاقها). أما في ما يخص النساء، فهناك دليل على أنها كانت لديها علاقات مثلية أيضاً. لم يبدِ ريفييرا أي اعتراض على ذلك، لكنه رفض بشدة الأول قائلاً: «لا أريد مشاركة فرشاة الأسنان خاصتي مع أي شخص»، وهدد متطفلاً بإطلاق النار عليه من مسدسه. هذا قاد قطاعاً كاملاً من المجموعات المهمشة من المثليات والمثليين والنسويات والمعاقين والشيكانوس والشيوعيين وناقصي الغدد التناسلية ومدمني المخدرات وغيرهم لأن يكتشفوا في فريدا بطلة سياسية حقيقية. وفي المكسيك وطنها، تعرف فريدا بصفة «بطلة الآلام»، والفنان يعدّ هناك معبوداً قومياً، مثل العذراء من غوادالوبي.
عند التحدث إلى من يعرفونها، يشعر المرء بحبهم لفريدا. نعم، يعترفون بأنها كانت كاوية بل حتى متهورة. لكن الدموع غالباً ما تنهمر في عيونهم عندما يتذكرونها. تجعل ذكرياتهم النابضة بالحياة تبدو كأنها قصة قصيرة من إعداد ف. سكوت فيتزجيرالد، مليئة بالمرح والسحر حتى نهايتها بمأساة. الحقيقة قاتمة. ففي 17 كانون الأول (ديسمبر) من عام 1925، وكانت وقتها في الثامنة عشر من العمر، صدم ترام الحافلة التي نقلتها إلى المنزل من المدرسة في مكسيكو سيتي. قضيب معدني اخترق جسمها وكسر عمودها الفقري وسحق الحوض وكسر قدماً واحدة. منذ ذلك اليوم، وحتى وفاتها بعد 29 عاماً، عاشت بألم وتحت تهديد دائم بالمرض. كانت تقول: «أنا صاحبة الرقم القياسي للعمليات». عاشت في ذلك الوضع، لكنها كانت تواقة لأن تنجب الطفل الذي لا يمكن أن يحدث أبداً، إذ أدى حوضها المحطّم إلى الإجهاض وما لا يقل عن ثلاث حالات إجهاض علاجية، مع قلقها الدائم من الخداع والهجر من الرجل الذي تحبه. تبخترت فريدا بجمالها بالطريقة التي يفرد بها الطاووس ذيله، لكنها كانت مموهة بالحزن العميق والداخلي، وحتى هوس الذات.
«أنا وببغاواتي» (زيت على كانفاس ــــ 82 × 63 سنتم ــ 1941)

كانت تقول: «أرسم واقعي الخاص. الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني أرسم لأنني في حاجة إلى ذلك، وأرسم دائماً كل ما يمرّ في رأسي من دون أي اعتبار آخر». ما مرّ في رأس فريدا كالو وفي فنها، كان بعضاً من أكثر الصور الأصلية دراماتيكية في القرن العشرين.
رسمت نفسها وهي تنزف، وهي تبكي وتتفتح وتنقل آلامها إلى الفن بصراحة رائعة خففتها الفكاهة والخيال. تتميز سيرة فريدا بكثافة وقوة مميزة. قوة يمكنها أن تضع المشاهد في قبضة ضيقة غير مريحة.
غالبية لوحاتها صغيرة؛ اثنتا عشرة بخمسة عشرة بوصة. حجمها يناسب المواضيع الحميمية والشخصية التي ترسمها، مع فرش السمور الصغيرة جداً، التي حافظت على نظافتها بطريقة دقيقة، وكانت تضع بعناية حدوداً دقيقة من الألوان، ما يجعل الصورة في بؤرة تركيز دقيقة، ويجعل الخيال مُقنِعاً من خلال خطاب الواقعية.
تلك النتائج أسعدت السرياليين الذين رحّبوا بها في عدادهم في أواخر الثلاثينيات، لكنها كانت تشدد على أنها لا تعد فنها سريالياً. لوحاتها أثارت اهتمام هواة جمع اللوحات الفنية مثل إدوارد ج رُبنسُن وإدغار كاوفمان وغيرهما، لكنها ظلت حتى وقت قريب في غموض غير مستحق. في نهاية المطاف، الفن الذي ابتدعته فريدا انتصر. كانت في الواقع واحدة من مبدعات مكانتها الأسطورية الخاصة، ولأنها كانت معقدة ومدركة ذاتياً للغاية، فإن أسطورتها مليئة بالظلال والغموض والتناقضات. لهذا السبب، يتردد المرء في الكشف عن جوانب من واقعها قد تقوض الصورة التي صنعتها عن نفسها. لكن الحقيقة لا تبدد الأسطورة. بعد التدقيق، تظل قصة فريدا كالو غير عادية تماماً مثل أسطورتها.
كان دييغو مزهواً برسالة له من بيكاسو قال فيها: «لا ديرين ولا أنا ولا أنت قادر على رسم رأس مثل رؤوس فريدا كالو».

Frida: The Biography Of Frida Kahlo. Bloomsbury Publishing 2018. 600 Pages, Author: Hayden Herrera