أكثر من تسع ساعات، هي المدّة التي استغرقتها تغطية التظاهرات الشعبية أول من أمس التي سرعان ما تحوّلت إلى خنادق متنقلة بين المناطق في غربي بيروت، وعلى أوتوستراد الجنوب الذي حوصر أهله العائدون إلى العاصمة وتم الاعتداء على سياراتهم. 6/6 التاريخ الذي أراده بعض المجموعات كموعد للتجمهر في ساحة الشهداء، وإعادة إحياء مشهد 17 تشرين، تحت عناوين مطلبية، تداخلت هذه المرة مع عناوين سياسية أخرى، إثر دخول بعض الأحزاب بقوة على هذا الخط (الكتائب والقوات اللبنانية). رفعت هذه الأحزاب شعارات تتعلق بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وأخرى طالبت من جديد بسحب سلاح المقاومة تحت عنوان «تطبيق القرار 1559». الناظر في أحداث أول من أمس، لا بدّ من أن يتيقن أن غليان الشارع وانفلاته إلى حين تصادمه وتحوّله إلى مجموعات متناحرة في أزقة بيروت كانت له أرضيته التي مهّدت لتلك الصدامات، مع تأجيج واضح أسهمت فيه بعض وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية. إذ سادت في الفترة الأخيرة أجواء متشنجة كانت ساحتها وسائل التواصل الاجتماعي، على خلفية المطالبة بنزع سلاح «حزب الله»، مع استنفار جمهور المقاومة بشكل جليّ، واستخدامه السخرية في مرات كثيرة لمحاولة تقزيم هذا المطلب الذي طفا على السطح في الأيام الأخيرة.
عرضت mtv فيديو قديماً لشبان ينزعون صور سعد ورفيق الحريري


ومع هزالة الحشود التي حضرت إلى ساحة الشهداء، ورصدتها الكاميرات الأرضية والجوية، ولم تخفِها ألسن مراسلي القنوات المحلية، ضاعت سريعاً المطالب المعيشية في زوبعة الشعار الأبرز الذي تنقل بين القنوات والمتظاهرين، ألا وهو نزع سلاح المقاومة. تحوّل المشهد بسرعة هائلة إلى شوارع متقابلة حيث وقفت القوى الأمنية مشكّلة درعاً بشرياً لمنع الاصطدام. ساعات طويلة من البث التلفزيوني أُرهق فيه المراسلون الذين ذهب بعضهم من منطقة إلى أخرى، لمواكبة الاشتباكات الحاصلة في المناطق. نتحدث هنا، عن مناطق: «عين الرمانة» و«الشياح» «بشارة الخوري» و«ساحة الشهداء» «الخندق الغميق» و«الرينغ» و«بربور» و«كورنيش المزرعة» و«ساحة النجمة» وحتى أوتوستراد الجنوب وقطع الطريق في «الناعمة» و«خلدة». مشهدية كانت أشبه ببقع من الزيت سرعان ما انتشرت ومدّت شرايينها إلى تلك المناطق التي استحالت خطوط تماس. لا بل إنّ بعضها بث مصطلحات الحرب، كما حصل في عين الرمانة، عندما نزل سكانها إلى الشارع، وبعدها أتى النائب نديم الجميل على «صهوة جواد» وتعاطى معه بعض الإعلام على أنه قائد ثوري. مثلاً، وثّقت mtv «لحظة» مجيئه الى هناك على وقع شعار «بشير حيّ فينا»، ووصفه «عين الرمانة» بـ «قلعة الصمود». إلى جانب الجميل، حضر بقوة النائب سامي الجميل الذي ركّزت عليه الأضواء («الجديد» وmtv)، كون حزبه مشاركاً في هذه التظاهرة، مع اتهامه قوى السلطة ببث ما وصفه بـ«البروباغندا» لتحوير التظاهرة عن مسارها، وإقحامها في سجال سلاح المقاومة.

أسهمت mtv في تأجيج الفتنة في الشارع

المشهدية أربكت الإعلام المحلي أول من أمس، وخلقت حالة من الضياع، لا سيما مع وجود مجموعات مختلفة، غيّب توصيفها عن الشاشات، أو حتى وصِّفت بطريقة غير دقيقة، بغض النظر عما قامت به من أعمال شغب، كمصطلح «ثوار» الذي بقي حاضراً على mtv، مقابل «مجموعة الخندق الغميق». طيلة التغطية التي سادتها روايات متضاربة حول الشرارة التي أشعلت الصدام في الشارع، أخذت وسائل الإعلام المحلية تستصرح المتظاهرين في الشارع، حول أسباب اندلاع تلك الاشتباكات مع تضارب واضح في مضامينها، وحساسية لجهة فرض أي رواية قد تشعل شارعاً بوجه آخر... إلى أن قررت mtv إيقاف التغطية (عند الساعة السادسة والنصف عصراً) باكراً واستكمال برمجتها المعتادة، مع استمرار كل من lbci و«الجديد» وotv بها، واصطفاف الأخيرة إلى جانب القوى الأمنية. إذ ظهّرت حجم الاعتداءات التي طالت عناصرها، وإصرارها على وصف الموجودين في الساحات على أنهم «مشاغبون». من جهته، قدّم «تلفزيون لبنان» تغطية متقطّعة، فيما امتنعت «المنار» عن النقل. لكن مع حلول ساعات المساء واعتقاد كثيرين بأن المناوشات انتهت واستتب الهدوء في الشوارع هبّت رياح أخرى سريعاً. هذه المرة، امتنعت كل القنوات اللبنانية عن النقل، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي الساحة الأبرز لتأجيج الاشتباكات التي ظهر فيها السلاح الفردي وروّع السكان في مناطقهم. الخبر الذي بثته mtv، عن فيديو تبين أنه أرشيفي لمجموعة من الشبان يقومون بنزع صور لكل من سعد ورفيق الحريري ويهتفون «بيروت صارت شيعية»، أسهم في إشعال الشارع أكثر، وانتشرت شعارات طائفية أخرى، أسهمت في خلق أجواء متوترة استمرت حتى ساعات الفجر الأولى. المؤسف أنّ القنوات المحلية نقلت هذه الشعارات القميئة من الشارع، من دون أن تنتبه لخطورة ما يبث، في ظل الفوران الذي ساد تلك المناطق.
في المحصلة، أرخت التحركات والصدامات التي تنقلت بين الشوارع والأزقة وحتى على الطرق الرئيسية ضياعاً واضحاً على وسائل الإعلام، وأرهقت مراسليه، فيما عمد بعضها إلى تأجيج الشارع وفتح استديواته ومنصاته الإلكترونية لبث السموم والتحريض كما فعلت mtv، فيما غيّبت شاشات أخرى الحدث، أو قزّمته، وبقيت لغة الرصاص والتقاتل وشبح الحرب الأهلية بنكهة مذهبية حاضرة طيلة ساعات النهار الطويل، لترسو المشهدية على مزيد من الفتن المتنقلة وسط أسئلة عن بروفا الحرب التي أطلّت برأسها من جديد على الساحة اللبنانية.


حسان الرفاعي صامد!


كما هي حال التظاهرات في لبنان، يدخل الصحافيون والمصورون كبش فداء، فيما ذنبهم الوحيد أنهم كانوا يقومون بعملهم الميداني، من دون أن يحتسب هؤلاء أن أسماءهم ستكون ضمن عداد الجرحى أو المعتدى عليهم. أثناء تغطية مراسل «الجديد» حسّان الرفاعي أحداث الشغب الحاصلة في وسط بيروت أول من أمس، وتحديداً مع دخول بعض المحتجّين أحد المحال التجارية في وسط بيروت، وتحطيم واجهته تمهيداً للتسلل إلى داخل ساحة النجمة، أصيب الرفاعي برصاص مطاطي في بطنه، أُطلق عليه من قِبل القوى الأمنية التي تصدّت للمحتجين وأصابت المراسل رغم حمله ميكروفون المحطة ومرافقته للمصور أيضاً. وعلى الرغم من الإصابة التي سُجلت على الهواء، بقي الرفاعي مصرّاً على استكمال تغطيته المباشرة لساعات طويلة هناك. وعلى مقلب «تلفزيون لبنان»، أصيب المصوّر روجيه حنا أثناء تغطيته تظاهرة الأحد، وتعرّض لاعتداء في رأسه وصدره، ما استدعى إدخاله المستشفى وإجراء عملية جراحية له كما أفاد التلفزيون الرسمي.


حملة على mtv


لم يستطع حذف قناة mtv لفيديو أرشيفي يعود إلى عام 2018، عنونته بـ «بالفيديو بيروت صارت شيعية» أن يلجم غضب الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. راح هؤلاء يحتشدون على منصّة تويتر ويغردون تحت وسم «#المر_قناة_صهيونية» إلى حين تصدره قائمة منصة التغريد الأشهر. وطالبت التغريدات بمحاسبة القناة وإقفالها، لما تسبّبت به من تحريض طائفي ومذهبي في الشارع، وبثّ للفتن عبر تبنّيها فيديو قديماً ونشره، فيما الشوارع البيروتية تتصادم في ما بينها وتسودها أجواء من التشنج والقلق. هكذا علَت الأصوات الغاضبة لاستغلال القناة لحظة عالية الحساسية تتطلب المزيد من تحمّل المسؤولية المهنية، لتمرير أجندتها الفتنونية التي أسهمت في تأجيج الشارع أكثر فأكثر، إلى جانب فيديوات أخرى سرعان ما وجدت طريقها عبر المنصات التفاعلية لتُسهم بدورها في حالة التوتر وتبادل إطلاق الرصاص الحيّ في الأزقة البيروتية.